7/13/2018

الديمقراطية المواطنة والتشاركية

 

نورالدين قربال

الاثنين 13 يناير 2014 - 10:20

إن الحديث عن الديمقراطية المواطنة والتشاركية. مبدأ قديم منذ أن عرفت البشرية بناء على مبدأي التضامن والتشاركية. لكن الجديد هو دسترة هذا المبدأ، وإنتاج آليات لتنزيلها وتطبيقها في أفق التكاملية بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية.

وهذا ما يحتم علي تناول ثلاث محطات أساسية : الاختيار الديمقراطي، والمقاربة التشاركية، والقواعد التأسيسية.

المطلب الأول : الاختيار الديمقراطي

الفقرة الأولى : عالمية الديمقراطية

الديمقراطية نظام سياسي يضمن الحقوق والحريات الفردية والجماعية، ويهيء للمواطنين ظروف تنزيلها.

وتساهم الثقافة السياسية في تنمية النظام الديمقراطي الداعم لحرية التعبير في بناء الفضاء العمومي، والبدائل الديمقراطية، واحترام الحقوق المركزية والأساسية للأفراد والجماعات عن طريق الاستشارات الانتخابية. وتشكيل الرأي العام والسيادة للشعب من حيث المساواة والحرية.

إذن فهي مجموعة من القيم المؤسسة للركائز السياسية والاجتماعية والثقافية الضامنة للمؤسسات العامة والخاصة، والمقاولات، والمساواة في تحديد تدابير المداولات والتصويت أثناء الانتخابات، وهي دائمة ومتجددة خاصة عندما تصبح التنمية المستدامة هي المستقبل للديمقراطية.

ومن الحقوق المؤسسة للديمقراطية نذكر : الحقوق السياسية التي تتناول رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، والهيآت التشريعية، والانتخابات الحرة والعادلة والحرية والأحزاب السياسية ودور المعارضة والمواطنين والمنظمات، والحقوق المدنية كحرية التظاهر والتجمع والمناقشة العامة وحرية تشكيل المنظمات وتطبيق القانون والحماية من الاضطهاد السياسي وحرية التنقل واختيار العمل وحرية الجمعيات.

إن الديمقراطية تعطي لجميع المواطنين الحق في تقرير مصيرهم، وتتيح مناخا لمناقشة قضايا متعددة نحو الرخاء والحريات والأمن والعدالة والمساواة والمشاورات وحل المنازعات سلميا.

ومن تم تتخذ الديمقراطية أبعادا دستورية وجوهرية وإجرائية، تلامس القوانين المنظمة للحكم وطبيعة الأنظمة عن طرق الاختيارات الحرة. تتضمن نظاما سياسيا تنافسيا يضم عدة أحزاب وحق الانتخابات للجميع، والعدالة في توزيع الحصص الإعلامية، والحملات السياسية العلنية.

إن الديمقراطية مسلسل لا يتوقف، يطبع العلاقة بين السياسي والإعلامي عبر تنمية الاتصال السياسي. الذي يتداخل فيه الفلسفي والتدبيري والحكامة والرؤية والمواطنة. وكونها مسلسلا فهي مرتطبة بدرجة النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لأنه لا شرعية سياسية بدون ثقافة ديمقراطية.

والملاحظ أن الديمقراطية اهتمت بالجانب الكمي. على حساب الشق النوعي والتوازن بينهما شرط أساسي لإقامة السلم السياسي.

ومن أجل تلخيص هذا المحور يمكن أن نركز على الخصائص الديمقراطية التالية فيما يلي :

- وجود قوانين مبنية على التوازن والتوافق. وأسماها الدستور.

- سيادة القانون واحترامه والتحاكم إليه.

- إشاعة الحريات والحقوق بمختلف مظاهرها.

- التعددية الفكرية والحزبية والإعلامية والمدنية.

- الحياد الإيجابي للإدارة.

- التوازن بين السلط.

- توفير المناخ الديمقراطي للحكامة القضائية والاستقلالية.

- انتخابات نزيهة وشفافة وحرة وعادلة.

- التداول السلمي على السلطة بناء على إرادة الشعب.

ينص الفقه الدستوري والسياسي على أن هناك أشكالا من الديمقراطية يمكن أن نوجزها فيما يلي : الديمقراطية المباشرة أي ممارسة الشعب السلطة بنفسه. والديمقراطية النيابية عندما يختار الشعب من يمثله، والديمقراطية شبه المباشرة عندما يقوم الشعب بتفويض سلطاته إلى هيئة منتخبة مع الاحتفاظ لنفسه بممارسة بعض الصلاحيات. ويركز هذا الصنف من الديمقراطية على ثلاثة مظاهر : الاستفتاء الشعبي، والاقتراح الشعبي، والاعتراض الشعبي.

وقد يتخذ الاستفتاء الشعبي بعدا تشريعيا، أو سياسيا، أو دستوريا .. أما الاقتراح الشعبي، فهي مشاريع قوانين أمام البرلمان. (سويسرا نموذجا)، أو ضرورة توفر شروط حسب الدساتير (إقرار البرلمان أو الاستفتاء الشعبي). أما الاعتراض الشعبي فيركز على عدد معين من المواطنين، وآجال محددة دستوريا وقانونيا ...( )
ومن إيجابيات الديمقراطية شبه المباشرة مساهمة قطاع أكبر من أفراد الشعب في القضايا الهامة والكبرى للبلاد، والتقليص من "استبداد" الديمقراطية التمثيلية. وتحرير البرلمان من ضغوط الأحزاب السياسية( ).

لكن رغم ذلك فهي تحمل في طياتها سلبيات تتجلى في قلة الخبرة السياسية، ومسألة الزمن والآجالات، والتكاليف المالية، وإمكانية خضوعها للأهواء والعواطف، وطغيان هيآت وشخصيات نافذة في المجتمع( ).

والديمقراطية هي حكم الأغلبية، أو بعبارة معهودة حكم الشعب بالشعب وللشعب. وعندما يكون الشعب في قلب السيادة فتلك الديمقراطية. وحسب "بوردو" فالديمقراطية فلسفة، ونمط حياة، وديانة، وشكل للحكم( ).

إذن فهي مشاركة في عملية صنع القرار للحصول على نتائج إيجابية، والشعور بالمسؤولية، وتقيمة العمل، والزيادة في الإنتاجية، والرفع من المهنية( ).

الفقرة الثانية : الفضاء المغربي

لقد ركزت في الفقرة الأولى على عالمية الديمقراطية. ولاشك أن المغرب من حيث المبدأ دخل نادي الديمقراطية منذ إعلان الاستقلال بعد إخراج ظهير 1958، والإيمان بالتعددية.

لكن التدافع السياسي بين المؤسسة الحاكمة وبعض الأحزاب الوطنية. جعل هذا الاختيار يعرف إعاقة على مستوى التطبيق. مما انعكس على التنمية بصفة عامة.

لكن بعد التصويت على دستور 2011( )، دخل المغرب مرحلة جديدة، من حيث التقعيد الدستوري لهذا ا لاختيار، وذلك من خلال تخصيص الباب الثاني للحريات والحقوق الأساسية. واعتماد منطق "السلطة" تشريعيا، وتنفيذيا، وقضائيا، والتركيز على الحكامة الجيدة. والتنمية البشرية والمستدامة. والديمقراطية التشاركية.

ومن الأهداف المتوخاة من الدستور توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة التعددية والحكامة الجيدة. لأننا نصبو إلى تنزيل المقتضى الدستوري الذي ينص على أن نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية، برلمانية واجتماعية. مع الإشارة إلى الديمقراطية المواطنة والتشاركية. واعتبار الاختيار الديمقراطي من الثوابت الجامعة للأمة.

ويجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية. وتشارك في ممارسة السلطة بالوسائل الديمقراطية.

ونظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع. ولا يجوز لأي حزب سياسي أن يمس الأسس الديمقراطية. ونفس الأمر ينطبق على الهيآت النقابية ولا يمكن حل الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية أو توقيفها من لدن السلطات العمومية، إلا بمقتضى مقرر قضائي. وخول الدستور للمعارضة البرلمانية حقوقا أهمها ممارسة السلطة عن طريق التناوب الديمقراطي محليا، وجهويا، ووطنيا، في نطاق أحكام الدستور.

ومن الواجب أن يكون تنظيم الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديمقراطية.

كما ركز الدستور على دمقرطة مؤسسات وهيآت حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة، والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية في الباب الثاني عشر المعنون بالحكامة الجيدة.

بناء على هذا التقعيد الدستوري تطرح الأسئلة الجوهرية التالية المستقاة من الالتزام الحكومي :

1) هل سيتم تنزيل المقتضيات الدستورية بناء على العمل المندمج والمتكامل، والمقاربة التشاركية، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟

2) كيف سنعزز الهوية الوطنية الموحدة وصيانة تلاحم وتنوع مكوناتها والانفتاح على الثقافات والحضارات؟

3) إلى أي حد سنجتهد في ترسيخ دولة القانون، والجهوية المتقدمة، والحكامة الرشيدة الضامنة للكرامة والحقوق والحريات والأمن والقائمة على المواطنة الحقة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحقوق بالواجبات؟

4) كيف نصرف مراحل بناء اقتصاد وطني قوي ومتنوع الروافد القطاعية والجهوية وتنافسي ومنتج للثروة وللشغل اللائق وسياسة اقتصادية ضامنة للتوزيع العادل لثمار النمو؟

5) كيف نطور ونفعل البرامج الاجتماعية بما يضمن الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية خصوصا التعليم والصحة والسكن، ويكرس التضامن وتكافؤ الفرص بين الأفراد والفئات والأجيال والجهات؟

6) كيف نعزز التفاعل الإيجابي مع المحيط الجهوي والعالمي وتقوية الأداء العمومي لخدمة المغاربة المقيمين بالخارج؟

المطلب الثاني : المقاربة التشاركية

من أهم المصطلحات السائدة اليوم : الديمقراطية التشاركية والتي تعني تنمية انخراط المواطنين في الحياة العامة. واتخاذ القرار.

ومن أهم مؤشراتها : تقديم العرائض، والتوافقات، واعتماد إجراءات منظمة ودقيقة. رغم الانتقادات التي توجه إليها نحو "الشعبوية" وعدم التمثيلية الموسعة، وإشكالية تنظيم الاستشارات، والموضوعية في علاقتها بالذاتية، وصعوبة الحصول على المعلومة( ).

ومن أهم الآليات المعتمدة في الديمقراطية التشاركية : مجالس الأحياء للتنمية، والمؤسسات التشاورية. ورغم الإكراهات التي تعتريها فهي قناة دينامية للانتعاش الديمقراطي، والحوار، والمراقبة، والقرب، والتداول( ).

ونظرا للتحديات المحيطة بهذه التشاركية، فقد اعتبرت بأنها غير واضحة المعالم( ).

وكونها تعتمد آليات حديثة كالميزانية المشتركة، ومجالس الأحياء، والتشاورات، فإنها تتكامل مع الديمقراطية التمثيلية.

وفي هذا الإطار تتفاعل الاستطلاعات، والحوارات العمومية، التواقة إلى قرارات راشدة، وعدالة اجتماعية مما يخلق نوعا من الحيوية، والتطور، وتفعيل المواطنين، وتنويع العلاقات السياسية رغم الإكراهات.

إن الديمقراطية التشاركية ديمقراطية فاعلة، لحل المشاكل عن قرب، وضمان انخراط الجميع، وتطوير التدبير المحلي عن طريق التكامل بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية. وتنمية الإرادة السياسية لدى المنتخبين، وتوفير الأمن الاجتماعي، والتربية على ثقافة التوافق. والأخذ بعين الاعتبار حاجيات الجميع، وتتجدد الديمقراطية، بناء على المواطنة والمدنية والمنفعة العامة. وتوفير المعلومة والتدبير الشفاف والمساهمة في اتخاذ القرار، والانتقال من المحلي إلى الوطني.

ومن تجلياتها ميثاق عمل، وإحداث مجالس سياسية ومدنية، وشعبية، وتوفير ميزانية خاصة بها. وتنسيق العمل بينها، وتنظيم العلاقة مع السلطة التنفيذية والتشريعية والجهوية. وتشكيل لجن الملاحظة والتتبع والتقويم.

ويجب أن يتم كل هذا في إطار عام يحدد المشاركة، وطبيعتها، ومجالها وأطرافها، وطرق الانخراط، وكيفية تنظيم الساكنة، وتوزيع المسؤوليات والمصاريف ...
وتدخل الديمقراطية التشاركية في إطار دستور 2011 المغربي الذي ركز على تعزيز مكانة المجتمع المدني، واعتماد منهج التشارك والإشراك. والمساهمة في تعزيز وتأهيل المجتمع المدني. وحسن تدبير التواصل والقدرات، وترسيخ الحقوق والحريات( ).

ويعتبر التفكير في المجال، وإعداده، وبناؤه بشكل جماعي رهانا واضحا لأنه يؤشر على الاشتغال بشكل جماعي. لأن التخطيط الاستراتيجي التشاركي يخدم التنمية المجالية. منهجية تحفز التفكير نحو المستقبل ... نهج يحسن التدبير ... ويشجع ويوجه الحوار ... ويحسن الاتصال ... ( )

ونظرا لهذا الدور التشاركي، فقد وضعت فرنسا قانونا ينصب على الديمقراطية المحلية والقرب سنة 2002 الذي يركز على إشراك الساكنة والجمعيات والهيآت من خلال إعداد المشاريع. وإلزام المدن المتجاوز سكانها 80000 نسمة والجماعات الأكثر من عشرين ألف بناء مجالس الحي.

وأكد المرسوم رقم 453.85 المعدل في 23 أبريل 1985 المتعلق بتنفيذ القانون رقم 630.83 المؤرخ في 12 يوليوز 1983 على دمقرطة الإعلان العمومي وحماية البيئة( ).

وقد عم مفهوم التشاركية نظرا لارتباطه بالتنمية عامة. وقد اصطلح عليه باللامركزية المتقدمة السانحة للتخطيط الجماعي. وآمنت النيجر بالتخطيط الجماعي لتوجيه عمل الشركاء التقنيين الماليين.

لكن رغم هذا النفس التشاركي الذي ساد في كثير من الدول فإن إشكالات تظل عالقة تتجلى في الحكامة وطرق المأسسة، والتفعيل وطرق التمويل، والتكوين ودعم القدرات( ).

إن تطور العمران بلغة ابن خلدون مرتبط بالمنطق التشاركي الذي يتخذ أبعادا متعددة، ويتيح فرصة للبناء والتقويم. لأن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي والتنموي بصفة عامة يصبح مشتركا بين كل الفاعلين. وبالتالي ننتقل إلى المقاربة الترابية المندمجة، التي تعتمد على آليات النظام والتدبير والتحكيم. في أفق التركيز على المجالات الحيوية من أجل تجاوز فوضى التدبير والتسيير والاحتكارية والهيمنة.

إن التشاركية آلية من آليات الترشيد تناغم بين تدخلات كل الفاعلين للمساهمة في السلطة باعتبارها توزيعا عادلا للقيم تراعي الأفق البعيد وبعد النظر.

وبالتالي فهي تكريس لما أسلفناه سابقا بأنها جزء لا يتجزأ من الديمقراطية التشاركية. والتي شكلت الوسيطة بين الديمقراطية المباشرة والنيابية. وتمزج بين نظرية السيادة الشعبية والسيادة الوطنية( ).

ومن أجل تبرير هذا الاختيار، طرح سؤال جوهري على موائد الفقه الدستوري مفاده : هل النظام التمثيلي ديمقراطي؟ ()

إنه سؤال كلاسيكي لكنه متجدد. لأنه يطرح سؤال السيادة والعلاقة بين السيادة الوطنية والسيادة الشعبية. ويبقى سؤال الديمقراطية في قلب الأحداث. وسؤال المقاربة للمشاكل المطروحة يبقى عالقا. وجواب المقارنة يفرض وجوده. والمقاربة الانفتاحية على جميع المستويات ضرورة علمية وواقعية وديمقراطية.

إن حكم الشعب بالشعب. يفرض تشاركية سواء بالنسبة للديمقراطية المباشرة أو غير المباشرة. وهي حق دستوري يتيح مشاركة المواطنين في الشأن العام والاختيارات العامة. وتتكامل الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية. وهذه الأخيرة في عمقها ديمقراطية القرب خاصة عندما تتناول قضايا الأحياء والجماعات والجهات.

ومن مقتضيات ومؤشرات الديمقراطية التشاركية نذكر الميزانية التشاركية التي ظهرت في "البرازيل"، والتي استهدفت المدن والأحياء ... هادفة إلى الحكامة المالية، والعدالة والاجتماعية، ثم تعممت بأمريكا الجنوبية، ثم إلى قارات أخرى. ومن المؤشرات كذلك "التحكيم المواطن"، و"الحوار العمومي" ...... ( )

نخلص مما سبق أن التشاركية آلية من آليات المساهمة في السلطة. تركز على إشراك المواطنين في اتخاذ القرار. وبالتالي ندخل في ديمقراطية تداولية. التي تتخذ مواضع كثيرة لمقاربتها نحو التهيئة الترابية، والتعمير، والبيئة ... وتلعب الجمعيات دورا فاعلا في هذا الباب كما سنرى في المبحث الثاني.

وقد بدأ النقاش حول حدود الديمقراطية التمثيلية منذ النصف الثاني من القرن السابق، مما تولد على النقاش مصطلح "الديمقراطية التشاركية" اعتمادا على مواطنة فاعلة. ووضوح الرؤية المستقبلية. لأنه كما يقال : حوار ومناقشة حسنة تؤدي إلى قرار أحسن وأرشد. لأن الأصل هو التوافق، والتشاور، وحسن التدبير والإعداد، واعتماد آلية الاستفتاء الشعبي للحسم.

وهذا العمل يشوش أحيانا على أدوار المنتخبين، والمفوضين من قبل صناديق الاقتراع.

ونظرا لشساعة هذا الورش، فإن الفاعلين ابتكروا آليات متعددة لتصديقه نحو حكام أحياء (1971) بألمانيا وإسبانيا والولايات المتحدة. كما أحدثت البرازيل سنة (1992) الميزانية المشتركة. وفي الدول الاسكندنافية. ثم الحديث عن "لقاءات التوافق" (سنة 1980). وبفرنسا تم تشجيع مبدأ التشاور والاستشارة (قانون 1976). والتدبير الترابي بناء على قانون بوش غدو Bouchardeau 1883. حيث تمت دمقرطة إجراء "التقصي العمومي". وحماية البيئة. حيث اعتمد قانون بارنيي Barnier 1995.

ويمكن الحديث كذلك عن قانون ديمقراطية القرب سنة 2002 بفرنسا الذي اعتمد عموما على مجالس الأحياء( ).

ومن خلال جردنا للتاريخ السياسي المغربي نجد بأن هناك تكاملية بين السياسي والمدني وتشاركية تامة من أجل طرد المستعمر وتحرير البلاد. وحتى بعد الاستقلال تم التنسيق بين الطرفين – الذي هو في العمق طرف واحد – من أجل البناء الديمقراطي. لكن الصراع على السلطة أخر المشاريع التنموية العميقة والاستراتيجية.

وطالما تم التنظير لعلاقة الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني( ). ومن تتبع الخطابات الملكية نراها تركز على هذه التشاركية باعتبار أن البناء الديمقراطي هم جماعي. نستحضر ما يلي : تفعيل دور المجتمع المدني( ) "وكلنا مسؤولون فرادى وجماعات وسلطات وهيآت أحزابا وجمعيات عن البناء الجماعي لمجتمعنا"( ). وتركيزه عن "المواطنة الفاعلة والصادقة"( ) و"ترسيخ قيم المواطنة المسؤولة"( ) و"بناء ثقافة المواطنة الإيجابية( ). والهدف هو بلوغ "المجتمع التضامني الذي يكفل الكرامة والمواطنة المسؤولة"( ).

وقد ركز تقرير الخمسينية (الذي صدر بعد 50 سنة من الاستقلال) على التعاون بين الهيآت الدستورية والسياسية والنقابية والجمعوية من أجل بلورة المشاريع التنموية لاستكمال المواطنة الكريمة ... داعيا إلى ضرورة تضافر الجهود بين الدولة وبين سائر الفاعلين : قطاعا خاصا ومجتمعا مدنيا ...

وقد ضمن الخطابات الملكية كذلك الإشارة إلى قضايا وردت في الدستور اليوم نحو : الديمقراطية التشاركية – المجتمع المدني الفاعل – تعزيز ديناميته – بناء المواطنة التضامنية .. وتضافر الجهود مع الفعاليات الانتخابية والجهوية( ).

أما خطاب 9 مارس 2011 الذي اعتبره الكثيرون خطابا تاريخيا فقد ركز الملك على : المساهمة البناءة للهيآت الحزبية والنقابية والجمعوية ... داعيا إلى تعديل دستوري شامل يستند على سبعة مرتكزات أساسية. ذكر في الشق الخامس على تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين بتقوية دور الأحزاب الأساسية في نطاق تعددية حقيقية، وتكريس مكانة المعارضة البرلمانية والمجتمع المدني ...

وعلى مستوى البرنامج الحكومي لـ 2012 تم إحداث قطاع وزاري جديد في إطار الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني. وتسطير التشاركية كآلية من آليات تنزيل المقتضيات الدستورية. والتركيز على التشاركية والتعاقدية في جميع المجالات.

لقد بدأ الجميع يشعر بهذه الأهمية، وفي هذا الإطار نظم الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب لقاءا دراسيا( ) والذي ركز على : إرساء ديمقراطية تشاركية – دور العمل الجمعوي – الشراكة الاستراتيجية بين الحكومة والمجتمع المدني – التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.

وبدأت ثقافة التشاركية تخرج من مرحلة القيم العامة إلى مستوى المأسسة. وفي هذا الإطار نظم البرلمان يوما دراسيا( ) حول العلاقة الواجب تنظيمها بين البرلمان والمجتمع المدني، تحت شعار : البرلمان والمجتمع المدني : أية علاقة؟ والذي جعل من أهدافه ما يلي :

1- جعل منظمات المجتمع المدني ملمة بالعمل البرلماني.
2- جعل البرلمان ملما بالعمل الجمعوي.
3- جعل قاعدة معطيات متعلقة بالمجتمع المدني لدى البرلمان.
4- وجود شبكة متخصصة في التشريع من المجتمع المدني.

وتفيد التجارب الدولية بأن العرائض تقدم غالبا للسلطات العمومية والهيآت المنتخبة. أما عندما يتعلق بملتمسات التشريع فغالبا ما تحال على البرلمان، لذلك من الضروري أن تعزز العلاقة بين البرلمان والمجتمع المدني ... لذلك ناقش الحاضرون بهذا اليوم الدراسي قضايا متعددة تصب في هذا المجال والتي أوجزها فيما يلي : - سبل تعزيز الثقة – تشجيع المشاركة المدنية وتعزيز المسؤولية الاجتماعية وتفعيل المساءلة – تقوية النقاش العام حول القضايا العامة – دمقرطة ومأسسة العلاقات وشرعنتها -.

إن العلاقة بين المجتمع المدني والبرلمان من صميم الديمقراطية لأن الشعب هو مصدر السلطات ويحق له التواصل مع ممثليه خاصة وقد أصبحوا شركاء في رسم السياسات العمومية، وتقديم العرائض وملتمسات التشريع. مما يساعد على الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ...

ومن شروط نجاح هذه العلاقة اتساع حركة المجتمع المدني واستقلاليته تمويلا وتفاعلا. وتغطية وسائل الإعلام لهذه العلاقة وإحداث المصالحة مع السياسة، والمشاركة في المراقبة والتشريع ...

ومن الآليات الواجب توفرها اللجان والملتقيات، ودراسة مواضيع مشتركة، والتواصل مع الجامعة، ووضع هيآت متخصصة بتطوير هذه العلاقة، وتكثيف العلاقة مع المؤسسات الدولية ذات الصلة.

لقد تشكلت قناعة بأنه لا تخطيطا استراتيجيا للتنمية المجالية دون تشاركية( ).

المطلب الثالث : القواعد التأسيسية

الفقرة الأولى : خصائص عامة

لقد حاولت أن أبسط فرشا فكريا وسياسيا وواقعيا يبرز أهمية التكاملية بين الديمقراطية التمثيلية والتشاركية كقاعدة ابستمولوجية للمبادرة الشعبية.

وقد انتقل الاجتهاد الدستوري والسياسي من التنظير الفكري إلى الممارسة التشريعية والسؤال المطروح : ما هي القواعد المؤسسة لهذا الاختيار الشعبي خاصة على المستوى الدستوري؟

من أهم معالم هذا الاختيار التشاركي : اعتماد الحق في تقديم العرائض لدى السلطات المنتخبة، والسلطات العمومية. وهذا ما نص عليه الدستور البلجيكي من فصوله 28 و57 والدستور الدانماركي في فصله 54 وأكده دستور ألمانيا في فصله 17 وكذا 45( ).

واعتمد البرلمان الأوربي الحق في تقديم الملتمسات( ) وركز الدستور الفرنسي على حق تقديم العرائض، والتشاور الواسع مع المواطنين( ). وتبنى الدستور اليوناني نفس الاختيار في مادته 69( ). وهذا ما ذهبت إليه إسبانيا في دستورها انطلاقا من الفصل 61( ).

وتاريخيا ومع الثورة الفرنسية 1789 تمت الإشارة إلى الحق في تقديم العرائض، ونفس الأمر بالنسبة للميثاق الأعظم 145 البريطاني( ).

وقد عم هذا الحق مجموعة من الدول نستحضر الفصل 58 من دستور (بوركينا فاسو) والفصل 30( ). وأكدت الدولة الإيطالية في الفصل 138 من الدستور على المبادرة الشعبية بناء على شروط( ). وركز دستور الجمهورية البولونية على حق المشاركة، وتنويع الأنشطة، وحرية تأسيس الهيآت المدنية( ).

ونفس المنحى تبنته الفدرالية الروسية، عندما ضمن الدستور حرية الأنشطة الجهوية والانتماء إلى الجمعيات( ). كما أكد دستور "بلغاريا" على توسيع دائرة العمل الجمعوي، والدفاع عن مصالحه بالطرق المشروعة( ).

وخص الدستور الإيطالي وظيفة التشريع للحكومة والبرلمان والهيآت والمؤسسات بناء على المقتضيات السائدة( ).

إن دسترة الديمقراطية التشاركية بالمغرب مؤشر على إحداث التوازن والتنظيم وكذا إحداث الحكامة. وترتكز على القرب من المواطنات والمواطنين، والمبادرة التشريعية والعريضة الشعبية من آلياتها( ).

وأكدت اللجنة الأوربية على أن المبادرة الشعبية خاصة التشريعية حق من الحقوق التي تهدف إلى الصالح العام. وعنوان الممارسة الديمقراطية للمواطنين وهي مدسترة عالميا ...

وقد مثلت لذلك بمجموعة من الدول التي وسعت دائرة التشريع من حيث الواضعون نحو: ادربيجان في الفصل 96 من الدستور، والفيدرالية الروسية كما ذكرنا سالفا، ودولة هنكاريا في الفصل 280، ودولة ليتوانيا، وبولونيا في المادة 118 من الدستور، وألبانيا في الفصل 81، وإيطاليا في الفصل 71، وإسبانيا في الفصل 83، وسلوفينيا، ويوغسلافيا، وألبانيا، وجورجيا، وأوكرانيا واليونان، وفرنسا، وسنفصل في هذا أثناء الحديث على الشروط والكيفيات( ).

ونصت المواد 160 الفقرة 1 والفصل 107 على المبادرة الشعبية، واعتبرتها حاجة سياسية، لأنها تحدث التوازن، وإن لم تكن مثبتة، سنكون مضطرين إلى تعديل دستوري من أجل تعزيز هذا الحق الشعبي( ).

ونظرا لما ذكرناه، فإن احترام مقتضيات الدستور من الأسس التي يجب أن تراعى أثناء تقديم المبادرات الشعبية. وأعطى الدستور السويسري بعدا سياسيا للكونتونات Les contons حتى يتسنى للجميع تقديم ملتمسات التشريع. وبدأوا يتحدثون عن "الاستفتاءات الدستورية" وميزوا بين الفيدرالي والجهات( ).

من خلال هذا المطلب نستنتج أن المبادرة الشعبية تشريعية كانت أم غير ذلك أصبحت تقليدا دستوريا لأنها تدعم التشاركية والسؤال الجوهري : ماذا عن التجربة المغربية؟

الفقرة الثانية : التأسيس المغربي

لقد عرف المغرب تاريخيا مفهوم المذكرة والعرائض وغيرها من المصطلحات لكن الجديد اليوم، هو أن المبادرة الشعبية تشريعيا أو رقابيا أو مطلبيا أصبحت مدسترة في الدستور الجديد الذي صودق عليه( ).

إن النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية. ومن الثوابت الجامعة الاختيار الديمقراطي (ف 1).

وتؤسس الجمعيات وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون. وتساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية. وكذا في تفعيلها وتقييمها. (ف 12) وتعمل السلطات العمومية على إحداث هيآت للتشاور، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين، في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها (ف13). وللمواطنات والمواطنين، ضمن شروط وكيفيات يحددها قانون تنظيمي الحق في تقديم ملتمسات في مجال التشريع (ف 14)، والحق في تقديم عرائض إلى السلطات العمومية. ويحقق قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق (ف 15).

وتختص المحكمة الدستورية بالنظر في كل دفع متعلق بعدم دستورية قانون، أثير أثناء النظر في قضية. وذلك إذا دفع أحد الأطراف بأن القانون، الذي سيطبق في النزاع، يمس بالحقوق وبالحريات التي يضمنها الدستور (ف 133).

ويرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة (ف 136).

وتضع مجالس الجهات والجماعات الترابية الأخرى، آليات تشاركية للحوار والتشاور، لتيسير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها .. كما يمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله (ف 139).

ويتحدد بقانون تنظيمي بصفة خاصة :

- الحق في تقديم ملتمسات التشريع.

- الحق في تقديم القرارات.

- شروط تقديم العرائض.

كما نص دستور 2011 المغربي على مجموعة من مؤسسات وهيآت حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية( ).

ولن تتأسس هذه المؤسسات إلا عن طريق التشاركية التي تحدثنا عنها.

لكن الملاحظ أن الدستور المغربي لم يعط فرصة للمواطنات والمواطنين من أجل تقديم مبادرات تشريعية تهم تعديلا دستوريا، على شاكلة مجموعة من الدول كما سنرى في القسم الثاني.

رغم ذلك يمكن اعتبار المقتضيات الدستورية إعلانا على دخول المغرب إلى نادي "الديمقراطية التشاركية" على مستوى الدسترة. وأصبحت لصيقة بالديمقراطية التمثيلية. وهذا مؤشر على وجود إرادة في الانتقال من مرحلة الكائن العادي داخل المجتمع إلى المواطن الذي يخضع لمنطق الحقوق والواجبات.

شارك المقال:

0 تعليق:

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة

بحث هذه المدونة الإلكترونية