مدونة القوانين الوضعية مدونة تهتم بجمع المعرفة القانونية وتقريبها الى الباحث أو طالب كلية القانون أوالحقوق سواء من أجل تحضير بحث أو توسيع معارفه القانونية

بحث جوجل

3/21/2018

تلخيص كتاب " العمل الديني وتجديد العقل "

بسم الله الرحمن الرحيم

تلخيص كتاب " العمل الديني وتجديد العقل "
د. طه عبد الرحمن – وفقه الله - .
مقدمة:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على خير خلق الله.بالله نستعين ومنه التوفيق والتسديد والتأييد.
والهدف من التلخيص ليس استخلاصاً لأهم ما جاء فيه ابتداءً – بل حقه الشرح والبسط - ، إنما الهدف هو ( الحث على قراءة هذا الكتاب )، لغزير الفائدة وعظيم النفع والأثر في الجوانب العقلية والروحية والأخلاقية. وهذا الكتاب أحب لنفسي من مئة كتاب يتحدث عن العقل، وندمت على قراءة كثير من الكتب تتحدث عن العقل وكلها تدويل لمصطلحات شائعة لم تأتي على جوهر الموضوع وتوضيح ماهية العقل، والفرق بين المعنى اليوناني والمعنى الإسلامي القابل للاتساع، ولم تفرق بين الأفعال العقلية والممارسات التطبيقية لهذه الأفعال، كل هذه المشكلات وفقني الله لحلها مع هذا الكتاب، وبعض كتب المؤلف الأخرى – نفع الله به ووفقه - ، وهذا رابط تحميل الكتاب:
http://bib-alex.net/files/alaml-aldeny-w-tjded-alaql-abd-ar_PTIFF.pdf
أما النسخة التي قمت بتلخيصها فهذه بياناتها:
ك : العمل الديني وتجديد العقل
المؤلف : د. طه عبد الرحمن – أستاذ المنطق وفلسفة اللغة في كلية الآداب في جامعة محمد الخامس، الرباط، المغرب - .
دار النشر : المركز الثقافي العربي.
الدولة، المدينة: المغرب – الدار البيضاء.
الطبعة: الرابعة ، 2009 .
عدد الصفحات: 224 ، القياس: 17×24.

المقدمة

افتتح الكتاب بذكر الباعث على تأليفه وهو " مشكلة اليقظة العقدية " في الستينات والسبعينيات الميلادية المفتقرة للإطار الفكري، والتأطير المنهجي المحكم. مما أظهر مشكلتين هما :
v الغلو في الاختلاف المذهبي.
v الخلو من السند الفكري.
ولدفع أسباب التراجع لهذه اليقظة الدينية، يُصرّح أن الهدف هو المساهمة في بيان الشروط التكاملية والتجديدية التي تجعلها يقظة متكاملة لا متنافرة، ومتجددة لا متحجرة. أي يقظة متيقظة.
وتتولى هذه المساهمة صنفين أساسيين من هذه الشروط، يدخل أحدهما تحت مسمى " التجربة "، والآخر تحت مسمى " التعقل " .
وشروط التجربة لا تحصل إلا بالتجربة الإيمانية العميقة المتغلغلة الحاملة على الأخذين بها بنصيب منها على " التخلق "؛ المؤدي لسلوك طريق الأخذ بأسباب الألفة والتفاهم لا عكسها.
وشروط التعقل فسبيلها تأطير وتنظيم وتأسيس هذه التجربة الإيمانية العميقة بأحدث وأقوى المناهج العقلية.
وهذه المساهمة ليست هي الحد الذي يقف عنده الكتاب، بل يتجاوزه لذكر التجربة العميقة التي عاشها المؤلف وما أثمرت به فيه، وفي ظني هي جزء من السيرة الذاتية، لكن بطريقة تدوين موضوعية ربما، بقالب علمي.




الباب الأول : ( العقل المجرد وحدوده )
مقدمة الباب الأول
افتتح الباب نص للغزالي رحمه فحوى معناه: إدعاء بالوقوف على فساد نوع من العلوم لا يتم إلا بالإحاطة بهذا النوع بمقياس مساواة أعلمهم في أصل العلم ثم الزيادة عليه " .
وفيه إلماحة مختصرة لسير الباب الأول بأن الإحاطة بمجالات وحدود العقل النظري لا تتم إلا من خلال عقل أرفع منه، فلابد من معرفة العقل النظري جداً، والإحاطة به من خلال مستوى أرفع منه.
ومن ثم وصف ظهور الخط القوي للخطاب الآخذ بـ " العقل " و " العقلانية " وغيرها من الألفاظ المقاربة له، وجعل العقل المجرد كأنه محل للإثبات والنفي، القبول والرد، الخطأ والصواب، وكأنه هو منتهى العقول و القادر على الإحاطة بالتراث كله، ومنه دخل التراث، ومنه تقويمه كله، ومنه مخرجه وإنتاجه! وأساسه!

الفصل الأول : ( مقدمتا العقل المجرد )
هدف هذا الفصل تبيين الحدود التي تتطرق إلى العقل النظري " المجرد " وتمييز صنفين :
v صنف الحدود الخاصة بالممارسة الإسلامية
v وصنف الحدود العامة بالممارسة العلمية والفلسفة عامة.
مقدمتا العقل المجرد
1- المقدمة الأولى : الصفة الفعلية للعقل المجرد
2- المقدمة الثانية : محدودية العقل المجرد

أولاً : المقدمة الأولى : ( الصفة الفعلية للعقل المجرد ) :
وضحها بقوله : " إن العقل المجرد عبارة عن الفعل الذي يطلع به صاحبه على وجه من وجوه شيء ما، معتقداً في صدق هذا الفعل، ومستنداً في هذا التصديق إلى دليل معين "
من محترزات المقدمة الأولى :
( الفعل ) : احترازاً من القول بأن العقل " جوهر "، وهو اعتراض على تشيئية العقل وتجزئييته، فتشيئيته بتجميد الممارسة العقلية بإنزال أوصاف الذوات عليها: التحيز، التشخيص، الاستقلال، التحدد بالهوية، اكتساب الصفات والأفعال. وتجزيئية : لأنها تقسم تجربة الفاعل الإنساني إلى أقسام مستقلة ومتباينة.
مكمن الخطورة : أن تخصيص العقل بصفة " الذات " يجعله منفصلاً عن أوصاف أخرى، لا تقل أهمية عن تحديد ماهية الإنسان مثل " التجربة " و " العمل " ، إن لم تكن أقوى.
استخدامات " العقل " لدى المسلمين :
العقل ( الفعل ): فعل القلب

العقل ( جوهر )

العقل ( الجمع بين الفعل والجوهر )

العقل بمعنى الفعل اتخذ صوراً مختلفة وهي :
أ‌- صورة الربط: إدراك القلب للعلاقة بين معلومين.
ب‌- صورة الكف: يمنع صاحبه من الوقوع فيما يضر به.
ت‌- صورة الضبط: إمساك القلب لما يصل إليه حتى لا يتفلت منه.

ذات قائمة بالإنسان: على المعنى اليوناني، تؤدي إلى التشيئية والتجزيئية - كما تقدم – وبذلك تتعدد الذوات! وهذا باطل.

أ‌- تارة يحملونه على معنى الفعل المحصل للعلم.
ب‌- تارة يحملونه على معنى الغريزة التي ينال بها العلم.
ت‌- تارة يحملونه على هذين المعنيين معاً، باعتبارهما يتقاسمان مدلول العقل. ( أي فعل وجوهر ) .
وهذا الجمع بين " الأصل – الفعل " و " الدخيل – الجوهر "، ظاهرة من ظواهر اتصف بها الفكر الإسلامي . وهي ظاهرة تكشف جانباً من الممارسة الإسلامية، لذلك تستحق الدراسة والعمل عليها.
فهذا التعارض بين الدخيل والأصيل حصل اجتهاد أصولي وكلامي لتجاوزه، فتم التوسل بآليات منهجية خاصة مثل: " إدخال تمييزات جديدة " و " حذف بعض السمات الدلالية" .
مثاله: لفظ " العقل" فبدل أن يوصف بـ " الوجود المستقل" أخذا بالمعنى الأجنبي، فقد وصف بـ " القوة الغريزية"، التي لا تستقل بنفسها استقلال الجوهر. وهذا التقريب يقوم برفع التعارض بين المعنيين.


نتيجة المقدمة الأولى :
1- العقل قد يحسن ويقبح كما تحسن الأفعال والأوصاف أو تقبح.
2- العقل يقوم على مبدأ التحول الذي تقوم عليه الأفعال والأوصاف، وبمقتضى هذا المبدأ يمكن توجيه القلب والتأثير عليه.
3- وصف جزء من الفعل القلبي بـ " المنهج العقلي " هو وصف للتمييز وليس وصفاً للإحاطة والحصر والإثبات.

ثانياً: المقدمة الثانية : ( مقدمة محدودية العقل المجرد ) :
وهي " إن العقل المجرد لا تظهر حدوده في الممارسة العقلانية الإسلامية العربية بقدر ما تظهر في الشعبة الإلهية من شعب المعرفة التي اشتغلت بها هذه الممارسة " .

الحدود الخاصة للعقل المجرد في الإلهيات:
هي حدود خاصة أثرت في العقل المجرد من حيث مجال إعماله فيها، وهي خاصة بالمعرفة والممارسة الإسلامية، فتطبق في مجالها لا تعم غيرها.
طلب المشروعية للإلهيات:
أ‌- بنائها على النصل الأصلي ( القرآن العظيم المجيد ) : فقد اشتمل على المادة اللغوية ( ع، ق، ل ) في صيغتها الفعلية، ولا وجود في هذا النص لصيغة اسمية من هذه المادة كاسم المصدر، وقد وردت هذه الصيغ الفعلية في معرض الكلام عن المغيبات والمكتمات من أمور الملكوت، فكان ذلك حاملاً للعلماء على الاستدلال بقدرة العقل المجرد على بناء علم إلهي ومكانته.
ب‌- عرف العقل المجرد عند علماء الإسلام بـ " النظر " : والنظر عندهم عبارة عن فعل إدراكي يطلب شيئاً معيناً للظفر به. والمقصود هو: استفادة تقرب من الله ، ويسمى هذا التقرب باسم " المقاربة" ، والمتوسل به " المقارب".
ولبسط الكلام عند الحدود الخاصة للعقل المجرد يُنْظَر إلى : " مسألة الألوهية" و " آية الأسماء الحسنى"، بناء على استيفاءهما، أفضل من غيرهما، شروط الكلام في الإلهيات.

الفصل الثاني: ( الحدود الخاصة للعقل المجرد )

المسألة الأولى : مسألة الإلوهية ومسلك المقاربة
حد النظر الإلهي يشتمل على معنيين أساسيين هما: " العقلانية " و " الاقتراب".

مبدأ العقلانية المقوم للنظر الإلهي :
" على الناظر الإلهي أن يثبت بالدليل ما يدعيه من حقائق إلهية، وأن ينهض بالصحيح من الأدلة ويأخذ بالقويم من المناهج".
مبدأ الاقتراب :
" على الناظر الإلهي أن يجتهد بعقله في السير إلى المطلوب الإلهي، وطيب المسافة بينه وبينه".
من شروط الاقتراب :
v أن يتزايد كلما تزايدت وسائله، وتكاملت فيما بينها.
v يبلغ أعلى درجاته متى أخذ بوسائل تناقلها النظار الإلهيون فيما بينهم وحصل يقينهم بها.
v وكل نظر قام على هذين المبدأين، واستوفى شروطهما حق له أن يُدعى " مقاربة إلهية".

خصائص المقاربة الإسلامية للإلوهية:

1- الإلهيات النظرية رمزية لا وجودية:
كل ما يمكن أن ينقله النظر من خلال الرموز اللغوية لا يتعدى أن يكون تصورات لأعيان خارجية، وهذه الحقيقة تدعو إلى القول بمبدأ استقلال مستوى اللغة عن مستوى الوجود. والممارسة الإسلامية تبين أن ممارستنا للغة تخرج عن حدودها الرمزية، فتثبت أموراً لا تطيقها هذه الطبيعة الرمزية مثل " الوجود والوحدة" في حق الخلق أو " القدم والوحدانية" في حق الخالق، لندرك أن هذا الخروج هو انتقال إلى مستوى غير اللغوي يكون التعامل فيه مع المسمى نفسه، وأن العلم الحاصل بهذا الطريق هو الذي ينعكس على الاستعمالات اللغوية.

2- الإلهيات النظرية ظنية لا يقينية:
ذلك أن البناء النظري يقوم على صور منطقية برهانية صارمة قد يستخدمها البعض متوهمين أنها تفيد اليقين في استخدامها في مجال الإلهيات، بينما إفادة ذلك تجيء من الاستدلال بأدلة لها تأثير في المخاطب من غير استيفاء البرهنة المنطقية.

3- الإلهيات النظرية تشبيهية لا تنزيهية:
ذلك أن عمليات الفهم والإفهام تتوسل بأسلوبي المقارنة والتشبيه، فالنظر بمقتضى مبناه اللغوي لا محيد له عن تحصيل المعرفة العقلية بطريق التشبيه، وعند التسليم بذلك فالخائض في الإلهيات واقع – شاء أم أبى – تحت وطأة الأساليب التشبيهية في تقريبه للمطلوب الغيبي وتقديره لصفاته، وهذا التشبيه هو تشبيه اضطراري. والذي يُحذّر منه هو التشبيه الاختيار، ومن حاد عنه وقع في التعطيل أو التأويل، فالتشبيه الاضطراري لا مناص منه. والمسلك الأسلم هو الإثبات كما جاء في الكتاب والسنة.

المسألة الثانية: الأسماء الحسنى والتقرب بالتسمية

حدود النظر العقلي في هذه الأسماء الحسنى :
اختلف النظار في ذلك نتيجة اختلاف طبيعة إدراكهم لوجوه العلاقة التي من الممكن أن تقوم بين الحُسن والأسماء، ثم بين الدعاء والأسماء. وهنا سيكون الاقتصار على إيراد ما كان من هذه المعاني من انتاج " العقل المجرد"، ليتأتى إظهار حدود هذا العقل فيه.
v نُسب الحسن في الأسماء إلى كون هذه الأسماء هي الأعلى والأشرف، أي أن الصفات التي تُطلق عليها هذه الأسماء بلغت الغاية في المسو بالنسبة لغيرها.
v الدعاء بالأسماء الحسنى – في نظرهم – هو تسمية الذات الإلهية، وتسمية صفاتها، وتسمية أفعالها باعتبار الذات والصفات والأفعال في أعلى مراتب العلو والشرف.
وهذا الاعتبار كافٍ للدلالة على أن هذا الدعاء ليس غرضه مجرد التسمية لذاتها، إنما الاستفادة بالتقرب من المدعو، ومقتضيات هذا التقرب وحدوده الخاصة للعقل المجرد.

ركنا التقرب بالتسمية ينبني على ركنين اثنين:
أ‌- العقلانية: فمن يسمي يسلك مسلكاً عقلياً نظرياً في طلب معرفة الأسماء الحسنى، معتقداً أنها ومدلولاتها من قبيل المعقولات.
ب‌- الإحسان: الأسماء الحسنى تُحسن لمن طلب معرفتها بطريق العقل المجرد بالتقرب من الله، فالحسن فيها لا ينفك عن الإحسان.
ت‌- النظرية الوصفية للأسماء: يرتكز التقرب بالتسمية على نظرية في الأسماء نسميها بـ " النظرية الوصفية "، وتنبني هذه النظرية على المقتضيات التالية:
· الدعاء بالاسم : تعيين اسم المسمى أو تلقيبه أو مناداته أو وصفه به.
· إمكانية رد الاسم إلى صفات اختص بها الاسم.
· أسماء الصفات تقترن مبدئياً بمعنيين اثنين هما " الوجود" و " الوحدة" لحصول علم سابق بالمسمى.
· وحدة الذات لا يضرها تعدد الأسماء.

وجوه قصور اختصاص التقرب بالتسمية بالتوسل بالعقل المجرد :
أ‌- هذا التقرب يكتفي من معاني الدعاء بأسماء الله ( لا يتعدى درجة التسمية ) لغرض تبليغي.
ب‌- إن المعرفة بالأسماء الحسنى – التي يوصل إليها هذا التقرب – لا تعدو كونها جملة من التصورات الذهنية والمعاني العقلية التي لا ترقى إلى مستوى المفاهيم النظرية الإجرائية التي تستعملها العلوم الرياضية والتجريبية.
ت‌- مبلغ هذا التقريب من التنزيه الواجب في حقه تعالى، لا يوفي بالقدر المستطاع، ذلك أن المسمي بالوقوف عند مجرد التسمية سيقع تحت وطأة التشبيه.

فمحصول حدود العقل في مسألة " الإلوهية " و آية " الأسماء الحسنى " أنها تقوم في الأوصاف التالية:
أ‌- الوصف الرمزي : استعمال الرموز اللغوية أبعد عن الوفاء بحاجتنا من المعرفة الإلهية من بعده عن الوفاء بحاجتنا من معرفة غيرها.
ب‌- الوصف الظني: ذلك أن البراهين المقامة للبرهنة على الوجود الإلهي تخرج عن صورتها البرهانية ، وغير محددة المعالم ، وطرق تحصيلها غير مضبوطة، وصفتها الإجرائية غير معلومة، وكثرة الأدلة التي ينصبونها كأنما يبتغون درء تعذر البرهان بتعدده.
ت‌- الوصف التشبيهي. – كما تقدم - .

الفصل الثالث: ( الحدود العامة للعقل المجرد )

1- الحدود المنطقية :
وهي حدود ثابتة بالبرهان الرياضي، " إن النسق المنطقي القوي يحتوي على الأقل على عبارة لا يمكن البرهان عليها بواسطته مع أن القضية المقابلة لها في النظرية صادقة ( عدم التمام )، وأن النسق الأقوى ليس مزوداً بطريقة معقدة لتحديد بعض العبارات أو عدم انتمائها إلى مبرهناته ( عدم البت ). ومعلوم أن هذه الحدود التي هي حدود الصياغة الصورية للنظريات العلمية هي قيود على قدرة الأنساق في السيطرة على الواقع ومراقبة حقائقه مراقبة شاملة.
وإذا صح أن الصياغة الصورية للنظريات ( أو الصورنة ) هي بالذات إضفاء الصبغة العقلانية عليها أو " عقلنتها "، صح معه أيضاً أن حدود هذه الصياغة هي حدود العقلنة ذاتها، بمعنى أنه لا يمكن إخضاع الواقع لعقلنة كاملة، ما دام هناك من الحقائق ما لا يمكن تعقيله. ولما كان العقل المجرد هو عين هذا التعقيل، تبين بما لا يدع مجالاً للشك قصوره عن درك حقائق علمية ثابتة.

2- الحدود الواقعية:
وهي التي يشهد عليها واقع العلوم في تكونها وتطورها .
أ‌- النسبية:
يسود اعتقاد بأن قوانين العقل المجرد مشتركة وكلية وواحدة عند جميع العقلاء! وهذا باطل إذ " لما كانت طرق المنطق؛ التي هي مناهج وضعت أصلاً لوصف العقل المجرد وترتيب قوانينه، بمثل هذا الاختلاف والتشعب، بل والتضارب والتعارض ... فإن ذلك كافٍ للتشكيك في إمكان وجود خطاب علمي بالمعنى الدقيق للعلم عن العقل بوصفه حقيقة واحدة يشترك فيها الناس جميعاً. وأقصى ما نحصل عليه، كائناً ما كانت دقة وسائلنا العلمية، إنما هو خطابات تقريبية يَرْكَب بعضها بعضاً ركوب الطبقات، ركوباً قد يزيدها بعداً عن المطلوب " .

ب‌- الاسترقاقية :
فما أن تمكن الإنسان من بعض المناهج التقنية، حتى صار إلى الاعتقاد بأنها الطريق الذي سيحقق له السعادة! لأنها ستؤدي إلى تسخير الكون حسب توجيهات الإنسان وقيمه! لكن الواقع يحكي انقلاباً للتقنيات على الإنسان وهذه الآمال الزاهية واحتواء الإنسان والاستحواذ على إرادته وتغييب آفاقه! " وما انقلاب التقنيات هذا على الإنسان إلا لأنها أخذت تستقل بنفسها، وتسير وفق منطقها بغير بصيرة من الإنسان، هذا المنطق الذي يقوم أساساً على مبدأين اثنين كلاهما يضر بوضعية الإنسان في هذا الكون.
v أول المبدأين ( لا عقلاني )، ومقتضاه : أن " كل شيء ممكن "؛ ويترتب عليه الخروج عن كل القيود، ومتى خضع الإنسان لهذا المبدأ الآلي استباحت الآلة كل شيء فيه، فأضرت به أيما إضرار.
v ثاني المبدأين ( لا أخلاقي )، ومقتضاه : أن " كل ما كان ممكناً وجب صنعه"؛ ويترتب عليه التحلل من كل الموانع الأخلاقية التي تقف دون هذا الصنع، كالموانع التي تحظر تغيير الخلق أو تدميره. "
فضلاً عن كون هذه التقنيات تتجه إلى السقوط في الظلمات، فإن المبدأين المذكورين يبينان كيف أن العقلانية الآلية تخرج إلى اللاعقلانية، وكيف أن العمل بمطلق هذه التقنيات يخرج إلى اللاأخلاقية، كأنما نموذج العقل المجرد، في نتائجه وتطبيقاته، يحمل بذور فنائه.

أ‌- الفوضوية:
يسود اعتقاد بأن العلم ينمو بتراتبية في خط مستقيم، وهذا اعتقاد يكذبه تاريخ العلم. والحقيقة أن علاقات النظريات العلمية علاقات تقاطع لا اتصال، مثل العلاقة بين نظرية التطور ونظرية التكوين. بالإضافة إلى أن هذه النظريات لا يكمل بعضها بعضاً، فما أن يجد أحدها طريقاً للإجابة على بعض الأسئلة حتى يقع في أسئلة أخرى قد تكون أعوص منها، فتأخذ الأسئلة في التزايد والانتشار في كل اتجاه قد يؤدي إلى الخبط!

3- الحدود الفلسفية :
أ‌- مادية العقلانية المجردة:
يكاد يغلب الاعتقاد بأن التجريد العقلي يفيد ترك الصفة المادية! وهذا باطل، ودليل بطلانه: أن ما نشاهده من تكامل بين العلوم الصورية التي جرت العادة عند هؤلاء على اعتبارها غير مادية وبين العلوم التجريبية المادية الخارجية في نظر هؤلاء عن مقتضى الصورية... ومرد هذا التكامل إلى طبيعة القوانين التي يبنيها ويرتبها العقل المجرد، ذلك أن التوسل بهذه القوانين في إدراك الأشياء يقوم على عمليات ثلاث هي التي تضفي الصبغة المادية على المدركات، وهذه العمليات هي : " التظهير " و " التحيز " و " التوسيط " .
v التطهير : فما أن يتعلق المنهج العقلي بموضوع حتى يجعل من جملة الظواهر القابلة للتحليل والتجريب! وهذه النزعة من شأنها أن توقعنا في المماثلة بين الشيء وصرفه الظاهري.
v التحييز: فلا يتم كمال ظهور الشيء إلا بإدخاله في حيز مكان وزماني، مما يجعله قابلاً لأن تجري عليه وسائل التقدير والتقسيم والتركيب المتوافرة، ومن آثار هذا التحييز أن يجعل ما هو غير ممتد ممتداً وما هو غير قابل للمقدار قابلاً له، كأن يسوى بين معنى " الخشوع " في الصلاة وبين " الذبذبات " الحاصلة في منطقة من مناطق الدماغ.
v التوسيط : إن العلم الحاصل بالعقل المجرد ليس مستفاداً بصورة مباشرة، وإنما مستفاد من اصطناع لوسائل، حتى يتهيأ له ضبط الظواهر وصفاً وتجريباً ومراقبة وتنبؤاً.
وينضبط التوسيط بالمبدأ التالي وهو : " أنه كلما كان الشيء دقيقاً ولطيفاً في ظهوره، تعدد وتعقدت الوسائط إليه" ، ويستنتج من هذا المبدأ، أن إدراك الحقائق غير المادية، كالغيبيات والروحيات سوف يستلزم من الوسائط المادية ما لا حصر له.

يظهر إذن أن العقل المجرد بعملياته : " التظهير" و " التحييز " و " التوسيط" هو أقرب إلى طبيعة " تمديدية " ( أي يصبغ الأشياء بصبغة مادية ) منها إلى طبيعة تجريدية.

ب‌- ملازمة اللاعقلانية للعقل المجرد:
يسود اعتقاد بأن العقل المجرد يفرز عقلانية خالصة لا تشوبها شائبة، وهذا الاعتقاد تنقضه الشواهد التالية التي نستخرجها من طبيعة الممارسة العملية واليومية.
v تجاوز النظريات العلمية بعضها لبعض: فلا يأتي على نظرية زمان حتى تكتشف جوانب لا عقلانية تحمل على اطراحها، بعد أن كانت مثالاً للنظرية العقلانية.
v خلو بعض الأنساق من الضوابط المشهورة للعقلانية : يدعي البرهانيون التقليديون أن مبدأ عدم التناقض شرط ضروري في تحصيل العقلانية، والحق أن ما يكون سبباً في انتشار التناقض هو مجموعة من المبادئ الاستدلالية الخاصة، مثل " مبدأ استثناء عين المقدم" و " مبدأ لزوم أي شيء عن التناقض" و " ومبدأ لزوم الصحة عن كل شيء" . وليست هناك أية ضرورية منطقية في التقيد بهذه المبادئ الخاصة.
ويوجد من الأنساق ما يمكن بناءه بدون هذه المبادئ، وهذا يدل على تناقض في التقعيد لهذه الأنساق بهذه المبادئ.
v إباحة الضرورة العملية للأخذ بالمتناقضات: فقد تدعونا الأسباب اليومية إلى أن نعمل بأحكام متناقضة، وإلا هلكنا.
v عدم وجوب العقلانية المجردة: فليس هو المختص بالدلالة على الوحدة العقلية الإنسانية، وهو المستقل بتحديد معيار العقلانية دون غير، بل يمكن قيام غيره بذلك.

خلاصة: آفاق تكميل العقل المجرد

تم تبيين الحدود الملازمة للعقل المجرد بوصفه جملة من الأفعال الاعتقادية والتدليلية التي يقوم بها المقارب عند النظر في أمر ما بقصد إدراك مطلوب معين، وأنها تنقسم إلى قسمين :
· حدود عامة.
· حدود خاصة.
وإن تقرر أن هذه الحدود نافذة إلى صلب العقل المجرد، فلا يلزم التسليم بدعوى " عجز العقل الانساني" ، ذلك أنها دعوى قائمة على رد العقل الانساني إلى العقل المجرد فقط! أي أنها حصرت العقل في المجال النظري ثم حكت عليه بعد ذلك. ودليل خطأ هذه الدعوى تتجلى من خلال الممارسة الإسلامية والممارسة العلمية :
v الممارسة الإسلامية: اجتهدت في ذلك على مستويين اثنين: " مبدئي" و " واقعي" .
- فعلى المستوى المبدئي طالب الشرع الإسلامي بتحصيل العلم بالوجود، وفي هذا سعي إلى الخروج عن حد الرمزية، كما دعا إلى استفادة اليقين في المعرفة، وفي هذا تطلع للخروج عن حد الظن، وأمر بسلوك طريق التنزيه في هذه المعرفة، رفعاً لحد التشبيه.
- على المستوى الواقعي، اتخذ المسلمون كل ما أمكنهم من وسائل لإدراك الحقيقة الإلهية متجاوزين حد التصور الرمزي، وأيضاً لتحصيل اليقين في هذا الإدراك، وعدك الاكتفاء بدرجة الظن فيه، وكذلك لبلوغ الغاية في تنزيه الحق عن مماثلة الخلق.
سبب نجاح الممارسة الإسلامية في رفع حدود العقل المجرد :
أنها أخذت بمبدأ " حقيقة التكامل الخلقي والخُلقي للإنسان " ، ويتجلى هذا المبدأ من خلال المظاهر التالية :
أ‌- الإنسان ذات متكاملة لا مجزأة متباينة، يجتمع فيها العقل مع القلب، والروح مع البدن... إلخ، وقد شرعت الأحكام لتخاطب الإنسان بكليته .
ب‌- الإنسان بفطرته طالب للكمال والتكميل، وسيسعى لتكميل عقله المجرد، وقد جاء الإسلام بتكميله من خلال الممارسة العملية التي تقوم بتنقيح وتصويب العقل النظري وفتح آفاق ومدارك لا يدركها إلا من خلال العمل " الاشتغال " ، ولا يصح أن تكون الممارسة صحيحة إلا إن كانت عملاً شرعياً

v الممارسة العلمية: بالإضافة إلى محاولات إيجاد أنساق لا تقع في حدود عدم البت وعدم التمام التي وقعت فيها الأنساق المنطقية المتداولة، لم يزل العلماء يبحثون عن ثوابت مطلقة في مواجهة نسبية الأنساق المنطقية، ويدعون إلى الحذر من مساوئ استحواذ التقنيات على الإنسان، وينبهون على ضرورة الوحدة العقلية بوصفها الخيط المنظم لشتات النظريات العلمية.
إشكالية المحاولة العلمية: أنها لم تتخطى حدود المشاريع والاماني، وسبب ذلك أنها توسلت بالعقل المجرد لمحاولة التغلب على حدوده !

الباب الثاني : ( العقل المسدد وآفاته )

في هذا الباب يتناول :
v وجوه تنقيح العمل للعقل المجرد
v ووجوه تصويبه
v وبيان الآفات التي تتطرق لهذا العقل المنقح، وهذه الآفات نوع جديد من الحدود.
وكيف أن الممارسة الفقهية والممارسة السلفية تفضل الممارسة النظرية المجردة في تأملها في مسألتي الألوهية والأسماء الحسنى . إلا أن هذه الأفضلية لم تحفظ الممارسة الفقهية من الوقوع في " آفات خلقية "، والممارسة السلفية من الوقوع في " آفات علمية " .

الفصل الأول : ( مقدمتا العقل المُسدَّد )

المقدمة الأولى : مقدمة الصفة العملية للعقل المسدَّد
" إن العقل المسدد عبارة عن الفعل الذي يبتغي به صاحبه جلب منفعة أو دفع مضرة، متوسلاً في ذلك بإقامة الأعمال التي فرضها الشرع "
فالفعل المعتبر هو فعل شرطه أن يتصف بالأوصاف الثلاثة : " الموافقة للشرع " و " اجتلاب المصلحة " ثم " الدخول في الاشتغال " .
1- الموافقة للشرع : لأنه عاصم من الوقوع في الفساد والوقوع في نقض القصد الحسن الابتدائي بإفضاءه إلى نقيضه، كما حدث انقلاب قيمة تعقيل الكون وتسخير الآلة إلى تسخير الإنسان لهما!. فإن كان زمام الإنسان منفلتاً من يده في أقرب الأمور إليه، فكيف حاله في شأن غياهب المستقبل وأخفى الأمور وأبعدها! .
2- اجتلاب المنفعة : إن المنفعة الناتجة عن العمل الشرعي غير المنفعة الحاصلة بطريق العمل غير الشرعي، فهذه الأخيرة واقعة لا محالة في النقائص. وهذه النقائص منها ثلاثة لا يقع فيها العمل الشرعي وهي : " الصفة المادية " و " الصفة السطحية " و الصفة الذاتية " .
v الصفة المادية: وهي قصد العامل الانتفاع المادي المباشر أو غير المباشر، أو خضوعه تحت مبادئ تعجل له النفع المادي.
v الصفة السطحية: العمل الشرعي يفتح للعامل آفاقاً اعتبارية واختيارية لا يقوى عليها سواه، ويمده بأسباب السداد فيها، فينفذ في إدراك المصالح إلى أبعد مما يصله المخالف. فالشرع غير محدود ويصل العامل به بآفاق لا تحدها الحدود الوضعية.
v الصفة الذاتية: ذلك أن كل منفعة تؤول في العمل غير الشرعي بطريق أو بآخر إلى منفعة ذاتية، والعمل الشرعي يقد في سريرة العامل ما يجعل له وازعاً من نفسه، فيجتهد في ترك أهوائه ورغباته فيما يطلبه من خاص المنافع وعامها.
3- الدخول في الاشتغال : حد الاشتغال، بوجه عام، هو الخروج من وصف النظر إلى وصف العمل. ووظائفه بالإجمال :
v التشخيص: فقد اعتبر إخراج الشيء من عالم التصور إلى عالم الواقع بمنزلة" تعيين " أو " تشخيص" له، فالتشخيص إذن عملية إحضار وإظهار، إحضار الغائب عن العيان وإظهار الخفي في الأذهان.
وواقع التشخيص في العمل الشرعي: أن يكون للعم الظاهر للعيان نتائج مدركة تعود بالنفع الملحوظ على الصالح العام.
v التشريف: فقيمة كل علم تكون على قدر تعلقه بالعمل، فكلما كانت النتائج العملية لعلم ما أظهر، كانت درجة العلمية فيه أرفع و " أشرف"، بل كان نصيب العامل به منه أوفر.
v التوسيع: فدوام الاشتغال يوسع مدارك العقل لزيادة مصدر إدراكي عن طريق العمل، واكتساب مهارة عن طريق المداومة على العمل.
v التصحيح: إن التردج في الاشتغال من مرتبة الدخول فيه إلى مرتبة التعلق به ثم البقاء عليها تزود العامل بالقدرة على تصحيح الانحرافات وحفظ نفسه منها، هذه الانحرافات التي ينجر إليها عادة كل من لا يتعاطى الاشتغال لسهولة دخول الشبهات على فكره وعلى سلوكه.
ويتجلى التصحيح الموروث عن الاشتغال في أمور ثلاثة: هي " التأصيل " و " التصويب " و " التقويم " .
أ‌- التأصيل : ذلك أن العمل يصحح وينور للعقل ليرده إلى أصل الاشتغال الشرعي.
ب‌- التصويب: مقاصد الشرع قيم، والقيم تدق وتخفى، والاشتغال يزيد من تمييزها وإظهارها وتصويب كثير من الأخطاء .
ت‌- التقويم: فالاشتغال يصل بين الغاية والأصل، ويقوم العامل في سبيله تقويم وسيلة للوصل بينهما، وهو أرفع من التأصيل والتصويب، فالأول متردود إلى أصل العمل، والثاني موجه إلى المقصد والغاية، والتقويم صلة الربط بينهما.
حاصل الكلام من المقدمة الأولى :
أن العقل المسدد يقوم على أركان ثلاثة أساسية:
v ركن الموافقة للشرع: التي تجنبه مساوئ التوجيه.
v ركن اجتلاب المنفعة: الذي ينبني على القيم المعنوية، ويتطلب بُعد النظر، ونزاهة النفس.
v ركن الاشتغال : الذي يفيد في تجسيد العمل، وفي رفع قيمة العلم المقترن به، وفي توسيع المدارك، وفي تصحيح السلوك، أصلاً ومقصداً ووسيلة.

المقدمة الثانية: ( دخول الآفة على العقل المسدَّد )
" إن العقل المسدد لا تظهر آفاته في الممارسة العقلانية الإسلامية بقدر ما تظهر في الممارسة الفقهية والممارسة السلفية منها ."

دخول الجانب العقدي في الممارسة الفقهية
العقل المسدد: هو العقل المجرد وقد دخله العمل الشرعي. وهو فعل استوفى شرطين أساسيين هما : شرط " المقاربة النظرية" و شرط " القربان العملي" .
شرط المقاربة: كما تقدم، وهو شرط العقل المجرد.
والقربان العملي: تقرب يحمل فيه العلم على العمل، أو يتلازم فيه العلم والعمل.
فالعقل المسدد جمع بين فضائل الأول والثاني.
وأهل السمع ( الفقهاء ) امتازوا بهذا العقل المسدد، وهم الأولى بإقامة " شروط العقلانية"، وقد تولوا وصف العقل المسدد في باب استنباط الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين من النصوص الشرعية، سواء كانت هذه الأفعال عبادات أو حدوداً أو معاملات.
ومن خلال المقارنة بين الممارسة الفقهية للفقهاء والممارسة النظرية للمتكلمين يتبين لنا وجوه امتياز العمل الفقهي عن النظر الكلامي، في مسألتي " الألوهية " و " الأسماء الحسنى " .
"وإذا ثبت أن المسائل العقدية كمسألة الألوهية والأسماء الحسنى لا تخرج عن الفقهيات من حيث أنها أفعال كأفعال العبادات والمعاملات، وأنها لا تفارق الاشتغال ثبت أيضاً أن المقارنة على مستوى هذه المسائل بين التناول العملي الفقهي والتناول النظر الكلامي لها، سوف يمكننا تبيين الفروق بين هذين التناولين المختلفين وتتبع آثار هذه الفروق في تحقيق الاقتراب المطلوب من هذه المعاني الإلهية"

رد اعتراضي اللاعقلانية واللاتاريخية على الممارسة السلفية
تشاركت الممارسة الفقهية مع الممارسة السلفية بالأخذ بالعقل المسدد، وإن اختلفتا في درجات وكيفيات هذا الأخذ.
وكان الأخذ السلفي للعقل المسدد من خلال : الدعوة إلى العقل المسدد في باب المطالبة بالرجوع إلى الأصول الإسلامية- نصوصاً ورجالاً -. إلا أن خصومهم رأوا في هذه الدعوة خروجاً عن العقلانية – التشبث بالماضي كما هو ! – و عن التاريخية - !
وتوجيه هذه الإدعاءات من قِبل خصومهم من خلال قسمين توجيهيين :
الأول : الاعتراضات المتعلقة بدعوى لا عقلانية السلفية :
أن السلفي يقيس تصوره للمستقبل على أصول ستخرجها من تراث مضى الزمن بأسبابه، فيسلك بذلك طريقاً لا عقلانياً.
الرد على هذه الدعوى :
أ‌- أن الفكر – أياً كان ولأيٍ كان وفي أي مجال كان – يعتمد دائماً وأبداً نماذج " سالفة " يرجع إليها في تحصيل المعرفة وتبليغها، أو قل: إن الفكر لا يستقيم إلا بالارتكاز على ما سلف من نماذج المعرفة. فالسلفي لا يختلف في طريقة تفكيره عن هذا المدعي من ارتكازٍ على نماذج سالفة.
ب‌- أن المدعي يتصور العقل بتصور غربي سلفي – أي سلفية غربية ! - مأخوذة من التراث الغربي فيقع فيما يحذر منه .
ت‌- أن المدعي يرتكب ما يمكن تسميته بـ " قياس الشيء بما لا يقاس به "، فالمجال الذي يشتغل به السلفي هو مجال العقل المسدد والمعرفة العملية، وليس مجال العقل المجرد والمعرفة النظرية.

الثاني : الاعتراضات المتعلقة بدعوى لا تاريخية السلفية:
الدعوى: يزعم الخصوم أن السلفي في تعلقه بفترة ماضية من تاريخه يبرهن على عدم إدراكه بأن موضوع تعلقه هذا يمثل مرحلة تقضي الجدلية التاريخية بضرورة مجاوزتها وطيها.
الرد على هذه الدعوى :
أ‌- أن المدعي واقع فيما يأخذه على غيره، حيث أنه يظل متعلقاً بنموذج عقلاني ونظري ذهب الزمان بأسبابه.
ب‌- أنه يقع في تقديس التاريخ بل تأليهه، إذا يراه متحكماً في كل شيء!
ت‌- أنه ينزع عن الأصول الدينية التي يطلب السلفي الرجوع إليها خصوصيتها وشرفها، حيث إن المدعي يماثل بينها وبين كلام البشر حتى يتيسر له القول بضرورة تجاوزها.
ث‌- أن الوصف اللاتاريخي أولى به " أهل النظر المجرد" و " أهل النزعة التاريخية " : فالأولون يقفون عند حدود البناء المنطقي، ويصرفون صرفاً جانب التكوين التاريخي. والآخرون يجعلون من التاريخ كائناً ذا سلطان لا يقهر، وذا وجود لا ينقطع، مما " يشيء" التاريخ، ويحول مدلوله إلى مطلق لا تاريخي.
· يتبين مما مضى: أن الممارسة الفقهية والممارسة السلفية استقلتا بالأخذ بالعقل المسدد – كما تقدم – وبالتالي تشكلان ميداناً متميزاً لاختبار منهجية العقل المسدد وتَبَيُّنِ حدود هذه المنهجية.

الفصل الثاني : ( الممارسة الفقهية والآفات الخلقية للعقل المسدد )
( 1 ) الممارسة الفقهية والاشتغال بالفرائض
المسألة الأولى : مسألة الألوهية ومسلك القربان:
القربان كما تقدم توضيحه، وأنه طريق يطلب به المكلف أو " السامع " المعرفة الإلهية توسلاً بالفرائض التي فرضها الشرع، فهو يستبدل بالمقاربة النظرية لهذه المعرفة تقرباً عملياً، هو " القربان " . والفرائض قسمان : " قسم اعتقادي " و " قسم اشتغالي" .

القسم الأول : القسم " الاعتقادي " من القربان:
مبنى هذا القسم على المبدأ التالي: " يكون السامع معتقداً إذا عقد النية، ونطق بالشهادتين، وآمن بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الشريعة المطهرة".
والاعتقاد درجات تبتدئ عند تحصيل الاعتقاد، فإذا زاد الاعتقاد بفضل العمل درجة، أخذ السامع في البحث عن مبادئ أو أصول لتأسيس بينات الاعتقاد نفسها عليها، ولتصحيح الاستنتاج منها، وهكذا في سيره من أجل ترقية اعتقاده. والاعتقاد المعتبر هو الذي يحمل صاحبه على العمل أو " الاشتغال ".

القسم الثاني : القسم " الاشتغالي " من القربان:
مبنى هذا القسم على المبدأ التالي : " يكون السامع مشتغلاً إذا عقد النيات، وقام بحقوق الطاعات من امتثال لأوامر الشرع واجتناب نواهيه على ما ينبغي أركاناً وبالقدر المستطاع".
فطلب معرفة الألوهية لدى الناظر والسامع يقتضي طلب طاعة الله بامتثال الأوامر واجتناب النواهي في صورة " قربان " لا طلباً لترتيب البراهين على وفق مقتضيات المنطق في صورة " مقاربة".
وأوال أسماء الصفات التي يتعرف فيها الحق سبحانه وتعالى للسامع أو " المتقرب بالفرائض" هي أسماء " الآمر " و " الناهي"، فتكون أعم صفاته سبحانه وتعالى هي أنه آمر وناه وأخص صفاته أنه إله .
ويلزم عن هذا أن البرهان النظري في مجال الألوهية لا يقترب من الحق إلا إذا انبنى على مقولات عملية مثل " الطاعة" و " طلب المغفرة" و " التوبة"، وطلب الاستدلال على أعم الصفات الإلهية مثل الآمر والناهي... ومن هنا ندرك أن النظر في الألوهية لا ينال حظاً من الاستقامة إلا إذا ازدوج بالعمل بمقتضى أوامرها ونواهيها، وأن العقلانية المبنية على مثل هذا العمل تكون أغنى وأعمق وأصوب من العقلانية النظرية المنفصلة عن العمل.

المسألة الثانية : الأسماء الحسنى والتقرب بالعبادة
1- الأركان الثلاثة للتقرب بالعبادة:
إذا كان الطريق الذي يطلب به الناظر معرفة الأسماء الحسنى هو طريق التسمية – كما تقدم -، فإن المتوسل بالعقل المسدد يسلك في طلب هذه المعرفة طريق العبادة، فهو يستبدل بالمقاربة المجردة تقرباً بالعبادة.
التقرب بالعبادة: هو كل طريق يسلك في الطلب إعمال الفكر وإتباع الشرع معاً، فيكون مبنى هذا الطريق على أركان ثلاثة يشارك في اثنين منها مرتبة " التقرب بالتسمية" مع تفوق درجته فيهما وهما " العقلانية" و " الإحسان"، ويختص بواحد منها، وهذه الأركان هي :
أ‌- العقلانية : العابد كالمُسمي ينظر في الأسماء بكل ما أوتي من أدوات التعقل والتعقيل المشروعين.
ب‌- العمل: العابد يلتزم أداء الطاعات والاجتهاد فيها على وجوهها المشروعة والمطلوبة. فما عقله من الطاعات قبله تصديقاً، وما لم يعقله قبله تسليماً، وهذا القبول مسدد إلى الصواب بفضل العمل.
ت‌- الإحسان: يجمع العابد إلى الطلب العقلي للأسماء الحسنى طلباً عملياً، فكان حظه من الإحسان الرباني أوفر وأزكى من حظ المُسمي .
2- النظرية التواترية للأسماء :
انتقلت الأسماء الحسنى إلينا بطريقين وفق عمل منهجي جمع بين " النظر " و " العمل " ، فنقلت بشكل متواتر ، وطلبت معرفتها الصحيحة بإقامة العمل الشرعي .

· خلاصة : يتبين أن مرتبة القربان، التي تتوسل بالعقل المسدد تفضل درجة المقاربة التي تتوسل بالعقل المجرد. فبواسطة الاشتغال بالطاعات، تتدارك مرتبة القربان الحدود التي تتطرق إلى مرتبة المقاربة، فتدفع عنها " النسبية " و " الاسترقاقية" و " الفوضوية"، وتحد من آثار " التشييء" كالتطهير والتحييز والتوسيط، بفضل القيم والمعاني والمعايير التي تستمدها من هذه الطاعات، وتوجه بها الممارسة العقلية، كما أن تُخرج درجات من " الوصف الرمزي" بتحصيلها معاني مدركة لا بالتصور المجرد، وإنما بالشعور المشخص، وأيضاً عن " الوصف الظني" باهتدائها إلى الاستدلال الصحيح على الأسماء الحسنى الدالة على الأفعال، بدل الخرص في عموم الأسماء الحسنى كما يفعل النظر المجرد، وكذلك عن " الوصف التشبيهي" لبلوغها مرتبة في تعظيم الحق وتنزيهه بسبب ما يصلها من ثمرات الامتثال لأوامره والانتهاء عن زواجره.


( 2 ) الآفات الخُلُقية للمارسة الفقهية

1- آفة التظاهر :
التظاهر: - إجمالاً – عبارة عن وصف يقوم بكل متقرب بالطاعات أو كل " قرباني" يقع منه التفاوت في الأعمال بين " واقع الاشتغال " وبين " المقاصد" المتوخاة من هذه الأعمال.
أولاً : واقع الاشتغال : هو ما يأتيه " القرباني " من الطاعات بالسجية لو بقي على قصد التقرب بها إلى الله، من غير أن يداخل هذا القصد اعتبار مراعاة الناس أو اعتبار مرضاة النفس.
ثانياً: المقاصد المتوخاة : نستخرج من " المقاصد من الطاعات " ثلاثة مقاصد أصلية تفيدنا في توضيح آفة التظاهر وهي : " مقصد التقرب إلى الله " و " مقصد التقرب إلى الناس" و " مقصد التَّوجُه إلى النفس" .

بناءً عليه تكون أصناف سلوك التظاهر :
1- التكلف : وذلك في الإتيان بأعمالٍ لا تطابق واقع الاشتغال مع إخراجها عن قصد التقرب بها على الله إلى قصد التقرب بها إلى الناس، أو على الأقل مع إشراك الناس بالله في قصد التقرب بهذه الأعمال.
فمبنى التكلف على أمرين : " التباعد بين الأعمال وواقع الاشتغال " ثم " التقرب إلى الناس " .
2- التزلف : وذلك في الإتيان بأعمال تطابق واقع الاشتغال مع إخراجها عن قصد التقرب بها إلى الله إلى قصد التقرب بها إلى الناس، أو على الأقل مع إشراك الناس بالله في قصد التقرب بهذه الأعمال.
3- التصرف: وذلك في الإتيان بأعمال تطابق واقع الاشتغال مع إخراجها عن قصد التقرب بها إلى الله إلى قصد التوجه بها إلى النفس، أو قل مع إشراك النفس بالله في قصد التوجه بهذه الأعمال. [ ولغموضها سنزيد في تلخيص بعضاً مما ذُكِر حولها ]
وتوضيح التوجه إلى النفس بالأعمال : هي أن ينسب المتقرب أعماله إلى قدراته الخاصة، عقلاً وإرادة ووجداناً، سواء في اعتزام القيام بالطاعات أو في إقامتها أو في تحصيل النتائج من هذه الإقامة أو في هذه الأمور جميعاً. أو نقول إن التوجه إلى النفس هو الشعوب بالاكتساب و " الملكية" للأعمال.
وللتدليل على أن هذا التوجه مضر بالقرباني، نذكر أثرين اثنين يوضحان هذه الصفة الضارة :
أ‌- تعظيم أعمال الذات، بدأ بمرحلة الإعجاب، ثم الاعتداد بالطاعات، ثم المن.
ب‌- تحقير أعمال الغير، بدأ بمرحلة التقليل منها، ثم إظهار الشبهات في طرق إتيانها، ثم التبديع.

2- آفة التقليد:
التقليد: - إجمالاً- عبارة عن الوصف الذي يقوم بكل متقرب بالطاعات أو بكل قرباني يقع منه العمل بقول الغير على سبيل الاتفاق أو على سبيل العادة أو بالاستناد إلى دليل نظري .
أصناف آفة التقليد :
1- التقليد الاتفاقي : هو العمل بقول الغير من غير تحصيل دليل نظري يثبت صحة هذا القول.
وهذا القول يتفق على ذمه الأصوليون والمتكلمون، إلا أن مجرد تحصيل دليل نظري ليس مغنياً عن دفع التقليد الاتفاقي، فإذا ثبت أن المقلد الاتفاقي يأخذ بمقتضى العقل المسدد، ثبت معه أن الدليل الذي يفتقر إليه ليس دليلاً نظرياً، بل دليل متغلغل في العمل، ومحقق الاشتغال على وجه من الكمال لم يحصل للمقلد.
وعلى هذا، فالمقلد الاتفاقي ولو حصل الدليل النظري، فلا يجديه شيئاً في الخروج عن وصف التقليد، لأنه محتاج إلى دليل عملي ينتسب إلى مرتبة تعلو على عمله.

2- التقليد النظري: هو العمل بقول الغير مع تحصيل دليل نظري لا عملي يصحح هذا القول.
وتحصيل الدليل النظري لا يدفع آفة التقليد لأنه لم يقم بتحصيل دليل عملي

3- التقليد العادي: هو العمل بقول الغير مع حصر الدلالة العملية لهذا القول على الحركات الظاهرة، سواء استند هذا العمل إلى دليل يصحح القول المعمول به أو لم يستند إلى دليل.
ويتخذ التقليد الظاهري صورتين :
v صورة " التقليد الإجباري " : أن يُحمل المقلد على العمل إكراهاً، أو قسراً ، أو أن يأتي به وهو له كاره.
v صورة " التقليد الآلي" : أن يأتي الإنسان بالطاعات وهو لا يشعر فيها لا بالثقل ولا بالخفة، كما لو صارت وصفاً آلياً لجوارحه الظاهرة.
وهذا التقليد أضر أصناف التقليد بالقربان، لأنه سبب في موت الإيمان في الصدور واستيلاء القسوة على القلوب، وفي انقطاعها عن التقرب إلى الحي القيوم.

· خلاصة الكلام في التظاهر والتقليد : أن الممارسة الفقهية القربانية قد يختل تسديدها بسبب دخول هاتين الآفتين، إذ ينتج عنهما تساهل في صدق الأعمال، الذي بسببه يهبط إلى رتبة يحرم فيها من التوفيق الإلهي الذي تختص به درجة القربان.

الفصل الثالث : ( الممارسة السلفية والآفات العلمية للعقل المسدد )

أولاً : الممارسة السلفية والاشتغال بالإصلاح :
1- الممارسة السلفية ومواجهة الطرق الصوفية:
تنفيذا لمشروعها الإصلاحي، واستجابة لمبدأ رئيسي من مبادئها، وهو " تطهير الممارسة الدينية"، اتجهت الحركة السلفية إلى محاربة الطرق الصوفية، ومن خلالها التصوف، واتخذت هذه المحاربة مظاهر اختلفت باختلاف مراحل هذه الحركة، ومظاهر هذه المحاربة ثلاثة: " التبديع " و " التجميد " و " موالاة الاستعمار" .
أ‌- التبديع مع السلفية الوهابية: كانت تعتبر رجال التصوف من المبتدعة المخالفين لمنهج السلف الصالح.
ب‌- تجميد الأمة مع السلفية النهضوية: كانت تُحمِّل الطرق الصوفية مسؤولية كبرى فيما آلت إليه الامة الإسلامية من التخلف والجمود.
ت‌- موالاة الاستعمار مع السلفية الوطنية: فقد ورثت عن الوهابية والنهضوية المظهرين السالفين، وزادت عنهما أن نسبت إلى الطرق الصوفية التعامل مع الاستعمار، ومعاكسة القوى التحررية في البوادي والمدن.
تفحص هذه المظاهر من خلال بحث في واقع تلك الفترة :
أن المرحلة التي كانت تمر بها أغلب الطرق أثناء ظهور السلفية الوطنية، هي مرحلة خاصة من تطور الممارسة الصوفية، نسميها بمرحلة " التبرك " :
هذه المرحلة تتميز بعدم وجود " الشيخ المربي "، وفي غيابه لا يسع المنتسبين إلى طريقته إلا المحافظة على تطبيق توجيهاته التربوية، ونقل هذه التوجيهات نقل الرواية لا نقل المعاينة والتجربة، وعدم إدعاء الاستحقاق بأن سلوكهم قدوة لغيرهم.
وفي هذه المرحلة بالذات قد تتعرض الحركة الصوفية لدخول البدع وتزداد كلما طال الأمد بينها وبين " الشيخ المربي" . وبالتالي تتحول من أهدافها التربوية إلى غيرها.
ولا نستغرب أن تجد الحركة السلفية في الممارسة الطرقية التبركية وجوهاً من الانحراف تبرر بها التصدي للطرق الصوفية ومحاربتها قصد القضاء عليها.

2- النظر في أسباب المواجهة بين السلفية والصوفية:
الحقائق الأولى : حقائق نظرية :
التأمل في طبائع الحركات الدينية والفكرية، يكشف عن وجود قوانين عامة ينضبط بها سير هذه الحركات، نخص بالذكر منها ثلاثة تناسب الآفات المنسوبة إلى الطرق الصوفية :
أ‌- قانون التحول ( الذي يفسر ظاهرة التبدع ) : " ما من عقيدة أو مذهب إلا وهو معرّض مع عامل التطور الزماني وعامل الاختلاف البيئي وعامل التكوين الشخصي لأن تحدث فيه التغيرات، وتطرأ عليه تلونات تبتعد به قليلاً أو كثيراً عن أصوله ومنابعه. " فليس غريباً بموجب هذا القانون أن تطرأ التغيرات على الحركات الصوفية، بل وحتى السلفية.
ب‌- قانون الدور ( الذي يفسر ظاهرة التجميد ) : " ما من عقيدة أو مذهب إلا وله عمر يمر فيه بمرحلتين متقاربتين أو متباعدتين أو متناوبتين تختص إحداهما بالاجتهاد والتجديد، والأخرى بالجمود والتقليد"
ت‌- قانون التغلب ( الذي يفسر دعوى موالاة الاستعمار ) : " ما من عقيدة أو مذهب إلا ويحقق لنفسه أكبر إمكان للتغلب على الخصم بأن ينسب إليه أشنع نقص يمكن أن يُوجَّه إليه في ظروف المواجهة" فأكبر قادح في إمكان الخصم توجيه تهمة خدمة مصالح القوى الاستعمارية.
ولما فات إدراك السلفيين لهذه القوانين انساقوا إلى إطلاق أحكامهم من غير تقييد ولا تخصيص ولا تعيين، وخرجوا بالإدانة الشاملة لرجال التصوف أجمعين، مخالفين بذلك سنة التمييز بين " المتبدعين" و " المُتسلفين" من الصوفية، هذه السنّة التي جرى عليها كبار أئمة السلفية من أمثال " الطرطوشي" و " الشاطبي" و " ابن تيمية " و " ابن قيم الجوزية " – رحمهم الله - .
الحقائق الثانية : حقائق منهجية :
أ‌- أن وصف الطرق الصوفية بالأوصاف الثلاثة الماضية هو وليد مشاركة الواصفين الفعلية في الأحداث، ومثل هذه المشاركة يصاحبها مذهباً يحيد به عن الموضوعية والنزاهة.
ب‌- إن هذه الأوصاف ليست صادرة عن مشاركين في هذه الأحداث وحسب، بل مشاركين يعدون خصوماً صرحاء.
ت‌- إن أحداث هذه المرحلة واجهتها أكبر هواجس وهموم الإصلاح ومن كانت هذه هواجسه قد يميل إلى تعيين بنيات اجتماعية تقليدية يُحمّلها أكبر نصيب من المسؤولية في انتكاس المجتمع.

الحقائق الثالثة : حقائق تاريخية:
أولاهما: أن الطرقية كانت بمثابة تنظيم تقليدي يؤطر ويوجه مختلف فئات المجتمع عند ظهور السلفية الوطنية.
ثانيتهما: أن الحزبية صيغة جديدة وعصرية في التنظيم تحتاج إلى ثقة جماهير تعودت التنظيم الطرقي كما تحتاج إلى تعاطفها وانخراطها.
فحقيقة النزاع تكمن في تواجه بنيتين تنظيميتين مختلفتين، إحداهما تقليدية والأخرى مُحدثة. ولإثبات هذه الدعوى، نسوق الوقائع التالية:
أ‌- أن السلفية الوطنية استعارت بعض وسائل الطرقية نفسها في التعبئة والتأطير، كالقراءة الجماعية.
ب‌- أنها انتزعت الجماهير من الطرقية سواءً بانضمام أتباع الطرقية بهم أو من خلال استقطاب شباب كان من الممكن أن تستقطبها الطرقية.
ت‌- أن حملتها ضد الطرقية اشتدت لما سعى الطرقيون إلى تشكيل كتلة موحدة لصيانة وجودهم واستعادة نشاطهم.
ث‌- أنها خففت هجومها على الطرقية لما استكملت هياكل تنظيمها وأسباب انتظامها في أحزاب .
ج‌- إن من علماء السلفيين من تراجعوا كلياً عن معاداتهم للطرقية، معترفين بدورها الديني والاجتماعي عندما تبينوا العواقب السيئة لتقهقر الممارسة الصوفية وانهيار التنظيم الطرقي.
ومن سمات المنطق الذي يحكم تواجه البنيات التنظيمية المختلفة، أن ينساق أطراف التواجه إلى الشطط في الأحكام، والتطرف في المواقف بسبب ما يتولد من الأحقاد وما يتهدد من المصالح.

ثانياً: الآفات العلمية للممارسة السلفية
وذلك بطغيان الممارسة السياسية والممارسة النظرية على الممارسة العملية، أو باصطلاحنا " القربانية" ، فيها.
طبيعة هذه الممارسات كما أخذت بها الحركة السلفية في مشروعها الإصلاحي:
أ‌- الممارسة القربانية: تخليص الدين مما لحقه من بدع بدلته عن أصله، عودة عملية، بشرط سلوك طريق التقرب إلى الله بواسطة العقل المسدد.
ب‌- الممارسة السياسية: تخليص المجتمع من آثار التخلف، والتبعية للقوى الاستعمارية، من خلال التعبئة الشاملة، وإدخال الإصلاحات الضرورية على كافة المستويات المجتمعة.
ت‌- الممارسة النظرية : تخليص العقل مما علق به من خرافات وأباطيل، باستخدام أساليب التنوير الممكنة والتوعية.
ولقد كانت من توجهات الحركة السلفية في بدايتها الحفاظ على التوازن بين هذه الممارسات الثلاثة " القربانية" و " السياسية" و " النظرية".
لكن هذه المحافظة لا يمكن أن تتأتى إلا بالوفاء على الأقل، بالشرطين التاليين:
أ‌- أن تكون الممارسة السياسية مبنية على الممارسة القربانية .
ب‌- أن تكون الممارسة النظرية غير منفكة عن الممارسة القربانية.
وسيتبين أن هذين الشرطين وقع الإخلال بهما في الممارسة السلفية، حيث تأدت إلى ترجيح الجانب النظري والسياسي على الجانب القرباني.
الآفة الأولى : التجريد :
التجريد: هو إفراد الفعل العقلي النظري بالقدرة على التأمل في النصوص، على اعتبار أن قيمة هذه النصوص تنحصر في التصورات والأفكار التي تُنال بهذا التأمل، وأن العمل بهذه التصورات يكفي لربط الصلة بأصحاب هذه النصوص، وللعمل بها على طريقتهم ولإيجاد الحلول المناسبة للمشكلات القائمة.
نستفيد من هذا التعريف أموراً ثلاثة أساسية:
أ‌- أن الفعل العقلي التجريدي أولى من غيره بتناول النصوص.
ب‌- إن الفعل العقلي التجريدي يؤسس النظر المستقل عن العمل.
ت‌- إن الفعل العقلي التجريدي يؤسس النظر في العمل؛ بمعنى أن بمقدوره البت بصدد ملاءمة العمل لما جاء في النصوص.
وإذا سلمنا بالصفة المنهجية للسلفية، صح لنا أن نقول إنها طريقة أو أسلوب يدعو إلى استنطاق النصوص الأصلية لمعالجة الأوضاع المتردية للمجتمع، وجاز لنا أن نشتق لفظة " التسلف" للدلالة على هذه الصفة.
والملاحظ أن السلفية صرفت همتها إلى تصور منهج " التسلف " على مقتضى مبادئ التعقل التجريدي للنصوص. واتخذ هذا التصور التجريدي لمنهج التسلف صورتين: " التسلف النظري " و " التسلف النقدي" .
أ‌- التسلف النظري: اعتقاد أن كل نظر قائم بشروط العقلانية المجردة، هو وسيلة كافية للاقتدار على استخراج مضامين النصوص الأصلية، مع بناء هذا الاعتقاد في كفاية النظر المجرد على افتراضين اثنين هما:
· بالإمكان إدراك المقاصد الحقيقية للنصوص بهذه الوسيلة، متى التزمنا بقواعد اللغة، وأعراف العرب في التخاطب، واستعنا بأقوال وأخبار السلف.
· كل من تعقل النصوص بهذه الأدوات استحق أن يوصف بصفة المنتهج لطريق السلف " المتسلف".
[ ثم أورد الرد على الافتراضين ... ينظر في الكتاب ]
ب‌- التسلف النقدي : هو التسلف الذي يعتقد صاحبه أن كل نظر عقلي مبني على تحليل معارفنا وتجاربنا المكتسبة ومقرون بالعمل هو وسيلة كافية للتمكن من استنباط معاني النصوص الأصلية مع بناء هذا الاعتقاد على افتراضين:
· بالإمكان الحصول على معيار للتميز بين ما هو في معارفنا وتجاربنا موافق وما هو مخالف للنصوص الإسلامية الأصلية.
· بالإمكان وضع قانون يرتب الاقتران بين النظر والعمل عند المتسلف.
[ ثم أورد الرد على الافتراضين ... ينظر في الكتاب ]

الآفة الثانية: آفة التسييس :
التسييس: " هو إفراد الجانب السياسي بالقدرة على الإصلاح والتغيير، على اعتبار أن قيمة الفرد تنحصر في الفوائد والآثار السياسية التي يتركها أو يتلقاها في نطاق اجتماعي تتشابك فيه الاختيارات المذهبية والمصالح السلطوية والتنازعات على مراكز القوة."
وآفة التسييس مضرة بالحركة الإصلاحية، إذ أنها تجرها إلى التصارع والتغالب والتحاقد والتكايد، الأمر الذي ينحرف بها عن المجرى الإنساني " التأنيس" .
وجوه إخلال " التسييس " بالعوامل " التأنيسية " :
1- ترك الأخذ بالمعاني الروحية:
لفظ السياسة اتخذ مع التسييس مدلولاً أخص وهو " تدبير الشؤون الرئاسية للمجتمع مع اعتبارها كل شيء ومحيطة بكل شيء ولا شيء فوقها". وهذه الشؤون من جهة مكاسب مادية صرفة، فإن كانت مبلغ مطالب المتسيس أدركنا أنها تودي به إلى ترك الالتجاء إلى أي معنى يخرج عن المادة . ولا نستغرب بعد ذلك أن يتعاون المتسيس متعاوناً مع قوى معادية بهدف المصلحة رغم الافتراق الأخلاقي .
2- ترك العمل بالقواعد الأخلاقية: واستبداله بالعمل بقواعد المصالح والمنافع السياسية!
3- ترك الاستقامة: فالاستقامة لا يمكن الظفر بها إلا من خلال : اجتناب التطرف، والحفظ من التوقف إما بسبب الملل أو الفتور، وتحصيل اليقظة بأخطار التطرف .
وقد وقعت هذه الآفة وذلك بالإفراط في الأخذ بطريق يجزئ مفهوم المجتمع، ويسقط كل الأجزاء إلا واحداً و هو الجزء السياسي، وهيمنته على كل المجتمع، مع أنه غير مستقل بل مقيد بالعنصر التأنيسي. مما يؤدي إلى التعبئة التي قد تأتي بالعنف والتصارع.
· خلاصة الكلام في آفتي " التجريد " و " التسييس" : أن السلفية تبدعت بإخلالها بمبدأ التوازن بين العوامل الدينية والنظرية والسياسية، وذلك بدخول نزعتي التجريد والتسييس إليها. وبذلك تكون السلفية قد تقهقرت عن مرتبتها الحقيقية مرتين، تقهقرت مع التجريد، وتقهقرت مع التسييس. فبسببهما نزلت إلى مرتبة العقل المجرد .



خلاصة : آفات تكميل العقل المسدد

حددنا قسمين رئيسيين من هذه الآفات التي تدخل على الممارسة القربانية:
أ‌- يشتمل القسم الأول على آفتين خُلُقيتين : آفة التظاهر، وآفة التقليد.
ب‌- يشتمل القسم الثاني على آفتين عمليتين : آفة التجريد، وآفة التسييس.

إذا تبين لنا في الباب الأول أن مقولة " عجز العقل الإنساني" ومقولة " أفضلية العقل المجرد" لا يمكن قبولهما باعتبار ما كان من سعي الممارسة الشرعية الإسلامية في تجاوز حدود العقل المجرد، فهل نقبل مقولة " نقص العقل الإنساني" و مقولة " أفضلية العقل المسدد " ؟
ج : لا أحد ينكر أن الممارسة الشرعية الإسلامية اجتهدت في الخروج من آفات العقل المسدد، ويمكن ذكر وجوه ثلاثة من هذا الاجتهاد :
أ‌- أن هذه الممارسة فرضت مزيداً من الضوابط على العمل، حتى يستوفي تمام شروط الصحة. فيخرج من آفتي " التظاهر والتقليد " بقصد طاعة الله، وعدم قبول العمل إلا ما ثبت بالدليل وحصل منه اليقين. وآفتي " التسييس " و " التجريد" باشترااط عدم انفصال العمل عن النظر، وقصد إقامة العدل والحق، وليس الحفاظ على النفوذ .
ب‌- أن هذه الممارسة الإسلامية التزمت بمبدأ التكامل، ومقتضى هذا المبدأ مزدوج : " تكامل خلقي " و " تكامل خُلقي"
- خَلقي : يقوم في ترابط الجانب المادي والروحي، والجانب النظري والعملي، و الجانب العقلي والوجداني.
- خُلُقي: يقوم في إرادة الإنسان بلوغ أقصى درجات الكمال في أفعاله.
ث‌- مبدأ أن العمل ليس مرتبة واحدة، بل هو مراتب متعددة ومتفاوتة، وطالب الكمال لابد له من سلوك عدد من المراتب العملية المتفاوتة، فمن كانت له أعلى مرتبة في العمل، كانت له أعلى مرتبة في الكمال.

وهكذا، يتبين أن واقع الممارسة الإسلامية في أخذه بـ " ضوابط التمام " و " مبدأ التفاضل " و " مبدأ التكامل "، يدل على أن الدعوة كانت قائمة من أجل تخليص هذه الممارسة من الشبهات التي تطرأ عليها سواء على المستوى العقدي أ والعملي أو على المستوى العقلي والسياسي. فلا يمكن إذن أن يصح الإدعاءات المتعارضان السابقان " نقص العقل الإنساني" و " كمال العقل المسدد" .


الباب الثالث : ( العقل المؤيد وكمالاته )

العقل المؤيد يتدارك الآفات التي تقع فيها الممارسة المسددة، وينبني على طرائق تحقيقية وتوجيهات كمالية. والممارسة التي اشتهرت في الإسلام بالتعويل على التجربة وطلب الكمال بالعمل الشرعي هي الممارسة الصوفية " التصوف " .
وأوصاف هذه الممارسة يمكن تبيينها في جانبين متكاملين :
1- جانب المعرفة المتوسلة بالتجربة الحية : " الممارسة التحقيقية " .
2- جانب التربية المبنية على تحصيل الأخلاق النموذجية وتوصيل المعاني الروحية: " الممارسة التخليقية " .
" والممارسة التحقيقية " : تتضح من خلال مسألتين هما :
· مسألة الألوهية.
· مسألة الأسماء الحسنى.
ومن خلالها يتبين لنا الفرق بين الاشتغال الشرعي وبين مجرد الدخول فيه.
و " الممارسة التخليقية" : فسنتناولها بالتحليل على مستوى قضيتين :
· أولاهما: " مكانة النموذج في التخليق" .
· ثانيتهما: " وظيفة الخطاب الإشاري في التخليق".


الفصل الأول: ( مقدمتا العقل المؤيد )

أولاً: مقدمة الصفة التجريبية للعقل المؤيد
· إن العقل المؤيد عبارة عن الفعل الذي يطلب به صاحبه معرفة أعيان الأشياء بطريق النزول في مراتب الاشتغال الشرعي، مؤدياً النوافل، زيادة على إقامة الفرائض على الوجه الأكمل.
ونقف عند معنيين أساسيين واردين في هذا التعريف للعقل المؤيد هما : " العينية " و " العبدية " .
1- وصف العَيْنِيَّة:
اتضح لنا أن العقل المجرد يطلب أن يعقل من الأشياء أوصافها الظاهرة أو " رسومها" ، وأن العقل المسدد يطلب أن يعقل من الأشياء أفعالها الخارجية " أعمالها" . أما العقل المؤيد فيطلب أن يعقل من الأشياء " ذواتها" : أي الأوصاف الباطنة والأفعال الداخلية للأشياء، بالإضافة إلى " رسومها و أعمالها " .
والمراد بـ" الذات "، ما به يكون الشيء هو هو، أو قُل " هُوِّيَّته" . والذات التي يقصدها العقل المؤيد هي ذات متشخصة في الوجود ومتحققة في العيان، ذات نحتاج في إدراكها إلى النظر والعمل معاً، بالاستعانة بالتجربة، أو بتعبير جامع ، إلى " نظر عملي حي "، فهو وحده القادر على الإحاطة بالأعيان.
ولنصطلح على تسمية " النظر العملي الحي" باسم " المُلاَبَسَة " . ومن البين أنه لما كانت الملابسة وصفاً من أوصاف العقل المؤيد، وكان هذا العقل يحتوي العقل المسدد الذي يتصف بالعمل أو بالاشتغال، لزم أن تكون الملابسة " اشتغالاً"، فتقوم بجميع وظائفه من تشخيص وتشريف وتصحيح، وتزيد عليه بعنصر جديد هو : التجربة الحية، لكن هذا العنصر لا ينضم إلى عناصر الاشتغال انضمام العدد إلى أمثاله، وإنما ينعكس عليه انعكاس قوة النمو على الأحياء، فآثار هذه التجربة تنفذ إلى أعماق وظائف الاشتغال، فتحوله عن أوصافه الأصلية.
ولا سبيل إلى معرفة الذات إلا بالجمع بين النظر والعمل والتجربة ( النظر العملي الحي ).

مغالطات الملامسة :
يدعي البعض أن الممارسة حقيقة تجربية: فكل من دخل في الممارسة، فقد دخل في عالم التجربة لأنها مجال " الاحتكاك بالملموس"، مطلوبهم. ونصطلح على تسمية الاحتكاك بالملموس بـ " الملامسة"، لكن نجد هذه الدعوى قائمة على مغالطات ثلاث هي:
أ‌- أن الملامسة تقع عند الدخول في العمل: أي أن مجرد الدخول في العمل يعتبر ملامسة بغض النظر عن مدى الاستغراق !
ب‌- أن العقل المجرد يخلو من الملامسة: وهذا باطل، لأن المقولات العقلية مأخوذة من المحسوسات.
ت‌- أن الملامسة الحاصلة بالعمل أفيد للعقل من النظر: وهذا باطل، لتعلق مفهوم العمل لديهم بأنه الموجه للواقع الخارجي، والاشتغال بالمصالح المادية، وأفقه ليس أوسع من أفق ما هو واقع، بينما النظر يقوم بالتجريد ويطمع إلى قيم تعلو على ما هو متحقق، وعلى هذا يكون النظر أعلى من مجرد العمل. والعقل المسدد كان نظر وعمل، فزاد عن مجرد النظر بالعمل، ولكن العمل لوحده أدنى مرتبة من النظر.

مراتب الملابسة:
أ‌- الملابسة مزاولة: معناها قريب من الاشتغال على مستوى العقل المسدد، إلا إنه اشتغال وقع به، بموجب علو مرتبة الملابسة، تَحوُّل تجلى في إيجاب النوافل، وتشكُّل تجلى في التزام مبدأ الوصول.
ب‌- الملابسة مخالطة: مزاولة الاشتغال الشرعي ( الفرائض والنوافل ) حتى تنعكس آثارها على جوارحه ووجدانه فتخالطها، و يقع للمؤيد بهذه المخالطة " الأنس " و " السكينة" .
أما الأنس: فيمده بقوت تتغذى به روحه، ويجد للعمل بسببه حلاوة تستحثه على مزيد من التقرب.
وأما السكينة: فتمكنه من آداب التعامل مع النفس فيراجعها، ومع الغير فيسالمه، ومع المشرع فيرتاح لخدمته.
وهكذا، يتضح أن المخالطة هي انتفاع وجدان المؤيد بالأعمال، انتفاعاً يخلع عليه تخلقاً يقربه من مقصوده.
ت‌- الملابسة مباطنة: وهي التي تغلب فيها الأعمال الباطنة للجوانح، فتنعكس آثارها على الأعمال الظاهرة للجوارح؛ فثمار الأعمال الظاهرة هي الأعمال الباطنة تعود من جانبها بالنفع على الأعمال الظاهرة التي كانت سبباً فيها، فتصير الأعمال الظاهرة هي الأخلى ثماراً للأعمال الباطنة.

2- وصف العبدية:
العبدية : معرفته لذاته في " تبعيتها". والتبعية : الارتباط بشيء في أمرٍ ما لا يتم حصوله إلا بهذا الشيء؛ وتبعية الإنسان خصوصاً هي أن يرتبط بشيء تحصل له به فائدة ما؛ ومعرفة التبعية التي هي مقتضى العبدية، هي معرفة الإنسان للارتباط الذي يحصل له به أكبر الفوائد، ولا فائدة أكبر من تعين وجوده، وتحقق سلوكه، فتكون العبدية هي معرفة الارتباط الذي يحصل به التعيين الوجودي والتحقق السلوكي؛ ونصطلح على تسمية هذا الارتباط باسم " التبعية الأصلية".
وشرط هذه المعرفة : الملابسة. فلا عبدية إلا بملابسة المؤيد للارتباط الذي يحصل به التعين الخلقي، والتحقق الخُلقي، ولا ملابسة لهذا الارتباط الأنفع الواجب في العبدية إلا إذا تم الوفاء بشرطي الملابسة السالفي الذكر، وهما :
· الخروج عن قصد إدراك الصفات. " عالم الأشياء " : " التبعية الشيئية " ، ونصطلح على ترك التبعية للشيء باسم " التخلص"
· الخروج عن قصد إدراك الأفعال. " عالم الأعمال" : " التبعية العملية" ، ونصطلح على ترك التبعية للعمل باسم " الإخلاص".
وإذا استوفت الملابسة الارتباطية العظمى شرط " التخلص " و شرط " الإخلاص" تمهد تحقق شرط ثالث وهو " الخلاص " : وهو معرفة التبعية المحققة للعبدية.

شروط الملابسة :
هي كما تقدم ( التخلص و الإخلاص و الخلاص )
1- التخلص : هو التحرر من رق " الشيئية" أو هو " الحرية الوصفية" .
2- الإخلاص: هو التحرر من رق " العملية" أو هو " الحرية الفعلية".
3- الخلاص: هو التحرر من التخلص ومن الإخلاص معاً؛ وليس الانعتاق منهما. فإذا اجتمع للمتقرب التحرر من سلطان الأوصاف التملكية على قلبه، والتحرر من طغيان الآثار التصرفية على نفسه واتسع مجال حريته الوجودية والسلوكية، استطاع مغالبة نزعته " التربُّبية" التي تتجلى في الدخول في المنازعة وإرادة المشاركة في حق التبعية، هذه المغالبة التي تخلع عليه أوصافاً حميدة وتمده بمعانٍ لطيفة، وبالتالي تمهد له السبيل إلى إدراك مطلوبه من التحقق بالعبدية.
ومتى نال المتقرب درجة العبدية، حصل له التأييد. وليس أدل على هذا التأييد من كون الامتنان الرباني يخرجه من وصف الافتقار إلى وصف الغنى، ومن وصف الاضطرار إلى وصف الاقتدار؛ والغنى صفة الخالق، والاقتدار صفة الفاعل؛ وما زال الحق يغطي العبد بالأوصاف الخالقية والأوصاف الفاعلية ما بقي هو على حال الافتقار والاضطرار، حتى يصير بين يديه متملكاً بخالقيته ومتصرفاً بفاعليته. ومن تكن هذه صفاته، قد حاز من الحرية أكملها.

خلاصة القول في المقدمة الأولى :
بفضل العينية: يلابس المتقرب الأشياء من جهة، ويتحول ويتشكل العمل والنظر عنده من جهة ثانية. فإذا لابس الأشياء، لم تتطرق إليه آفة التظاهر، وإذا تحول وتشكل النظر والعمل عنده لم تتطرق إليه آفة التقليد. وبفضل العبدية، يتحرر من رق الأوصاف ومن رق الأفعال. فإذا تحرر من رق الأوصاف، لم تلحقه آفة التجريد، وإذا تحرر من رق الأفعال، لم تلحقه آفة التسييس.


ثانياً: مقدمة الصفة الكمالية للعقل المؤيد
· إن العقل المؤيد لا تظهر كمالاته في الممارسة العقلانية الإسلامية بقدر ما تظهر في الممارسة الصوفية.
أن الصوفي باتخاذه التجربة الحية سبيلاً في إقامة الأعمال، يكون قد اختار أكمل طريق في التعقل، ولا يكون التعقل كاملاً إلا إذا استوفى الشروط الثلاثة الآتية التي سنرى أن التجربة الصوفية توفيها حقها.
1- شروط كمال العقل:
أ‌- ( مبدأ " اقتران العلم بالعمل " ) : يجب أن لا ينفك العلم عن العمل في الممارسة العقلية: فكل معرفة عقلية كاملة لابد لها أن تنتقل من مستوى التمييز المجرد إلى مستوى التخلق السلوكي.
ب‌- ( مبدأ " اقتران المعرفة العلمية بالمعرفة الغيبية " ) : يجب أن لا تنفك معرفة موضوع أي علم عن معرفة الله في الممارسة العقلية.
ت‌- ( مبدأ " سلامة الزيادات " ) : يجب أن يكون في الممارسة العقلية متسع للاستزادة الدائمة، من غير خروج إلى ما فيه احتمال الضرر.
2- وفاء التجربة الصوفية بشروط كمال العقل:
أ‌- ( مبدأ " اقتران العلم بالعمل " ) : هو ما يعبر عنه الصوفية بـ " اجتماع المقال والحال "، ذلك أن المعرفة لا تستقيم على قوانين علمهم إلا إذا كانت تُلابِس السلوك، كما أن النظر لا يطرد على أصول مذهبهم إلا إذا كان يلابس العمل. فلا ينطق الناطق منهم إلا وهو متحقق بما يقول.
ب‌- ( مبدأ " اقتران المعرفة العلمية بالمعرفة الغيبية " ) : هو ما يعبر عنه الصوفي بـ " رؤية الله في كل شيء"، فهو يدرك تمام الإدراك أن المداومة على الاشتغال بالله عملية تُحقق توسع رحاب المعرفة، وعلامة توسعها أن المتقرب ينتقل من العلم بالموجودات إلى العلم بموجدها، ثم من العلم بالمُوجد إلى العلم بالموجودات، فيصير نظره متراوحاً على الدوام بينهما. فإن نظر بعينه وعقله في الموجودات، لم يَرَ إلا تجليات أسماء الموجد – سبحانه - ، وإن نظر بقلبه إلى الموجد – جلّ في علاه -، ظهرت له بدائع آيِه وجلائل آلائه.
ت‌- ( مبدأ " سلامة الزيادات " ) : هو ما عُرف عن الصوفي بـ " التقرب بالنوافل". فالنافلة زيادة مستقلة عن الفريضة يُخيَّر المتقرب في فعلها، وعلى قدر عنايته بها تفتح له باب الوصول إلى معرفة الله، والحصول على المحبة الإلهية. فإذا هو حظي بنصيب من هذه المحبة، تولت الإرادة الإلهية جميع أقواله وأفعاله وجميع حركاته وسكناته، فخلعت عليه أوصاف التأييد التي تعزز وصف العينية بوصل " الحقَّية " ووصف العبدية بوصف " المحبوبية"، حتى لا يرى شيئاً إلا ويرى الحق فيه ولا يعرف شيئاً إلا ويعرفه به.

· خلاصة القول : إن الصوفي تستولي عليه تجربة التعظيم للشرع، فتجعله يُعنى بتزكية أعماله، حتى تصير موافقة لمعارفه، ثم يُعنى بترسيخ هذه الموافقة حتى تجلب له معارفه معرفة الله وتجلب له أعماله محبته الخاصة.

الفصل الثاني : ( الممارسة الصوفية والكمالات التحقيقية للعقل المؤيد )

أولاً: مسألة الألوهية ومسلك القُرب
مسلك القُرب: هو المنضبط بمبدأ العقلانية النظري، ومبدأ الاشتغال السمعي – اللذين سلف تفصيلهما -، ومبدأ التحقق الأفضل، وهذا المبدأ إليه يرجع أساساً الحفظ من آفتي التظاهر والتقليد، وصياغته كما يلي:
1- مبدأ التحقق الأكمل:
· مقتضى التحقق أن يخرج المتقرب عن التعلق بفرائض العبادة ويبذل الوسع في تطهير النفس، وذلك عن طريق إقامة نوافل العبادة بعد أداء فرائضها على الوجه الأفضل، مع المداومة.
والتحقق في جوهره: " تجربة محبة"، وتتخذ هذه المحبة وجهين: " وجه محبة المتحقق لله" ، و " وجه محبة الله للمتحقق".
أ‌- إن محبة المتحقق لله تورثه وصف العينية: لأن المتقرب يأخذ في التعرف على الأشياء جهة أن هذه الأوصاف والأفعال تنزل منزلة معانٍ وقيم تفتح له باب مزيد التعبد لله ومزيد إظهار المحبة فيه، إذ لا يرى وصفاً ولا فعلاً إلا ويجد أنه جهة تستحق أن يُتوجَّه منها إلى الله، فيستشعر روح العبادة في كل شيء.
ب‌- إن محبة الله للمتحقق تُورِّثه وصف العبدية: ودليل الوجود الصحيح عند أهل الذوق ليس الدليل على وجود الله، وإنما الدليل على وجود العبد؛ ليس إثبات الربوبية وإنما إظهار العبودية؛ ليس البحث في أفعال الألوهية وصفاتها وذاتها، وإنما البحث في أفعال العبد وأوصافه وماهيته، هذا البحث هو وحده الكفيل بأن يُجدد الإيمان ويخرج الحظوظ من النفس، فيقبل العبد على حقوق ربه إقبال العارف بالله على الله.
وعليه فإن تحقق المُقرب ( أو التحقيق القربي ) هو تجربة محبة ذات وجهين:
أحدهما: محبة المقرب لله التي تؤدي إلى إدراك أعيان الأشياء عن طريق إدراك الذات ( أو العينية ).
وثانيهما: محبة الله للمقرب التي تفضي إلى إدراك الذات عن طريق التبعية الأصلية ( أو العبدية)
فلما كان إدراك أهل التحقيق للأعيان متوقفاً على إدراك الذات، فقد أطلق عليهم اسم " أهل الباطن"، ولما كان إدراك الذات عندهم متوقفاً على الإدراك للتبعية الأصلية، فقد سموا لأجل ذلك بـ " أهل الذوق ".
وقد أورد ( تسمية " أهل الباطن " وإبطال دعوى الذاتية والغموض ) و ( تسمية " أهل الذوق " وإبطال دعوى معارضة العقل ) ، وللاختصار وعدم الابتعاد عن محور ( العقل المؤيد ) سنورد الخلاصة التي أوردها المؤلف وهي مستوفية بشكل مختصر لخلاصة ما ذكر في إبطال تلك الدعاوى :
" الخلاصة : أن مسلك القرب في معرفة الألوهية يتوقف على تجربة التحقيق التي هي تجربة اشتغالية راسخة، قائمة على المحبة من جانبين، جانب محبة المتحقق لله التي تكسب القدرة على إدراك أعيان الأشياء عن طريق إدراك الذات، أو قل باختصار تمد بوصف " العينية"، وجانب محبة الله للمتحقق التي تُكسب القدرة على إدراك الذات عن طريق إدراك التبعية الأصلية، أو قُل بإيجاز تمد بوصف " العبدية". ولا خوف على المتحقق المتحلي بوصف العينية التي تأخذ بطريق " الباطن " في الإدراك، من الوقوع في " الذاتية" لأنه محفوظ بـ " موضوعية" إدراك التبعية الأصلية، أو في " الغموض" لأنه يتوسل بأبلغ أساليب البيان وبأقرب مقتضيات الحال. ولا خوف على المتحقق المتحلي بوصف العبدية التي تأخذ بطريق الذوق في الإدراك، من الوقوع في اللاعقلانية، لأنه يتوسل بنظر تقلب وتخلق بفضل العمل الذي تحول وتشكل بفضل التجربة الحية، فكان أصوب وأنفع وأسلم نظر لبلوغه الغاية في صحة التوجه وشدة اليقظة وقوة الخلاص.
وما كان من النظر بهذه الأوصاف المثلى فلا يسعه إلا أن يستدل على الألوهية بغير طريق النظر المجرد الذي لم يتحول ولم يتشكل، فبالأحرى أن يتقلب ويتخلق كما في المقاربة، وبغير طريق النظر العملي الذي وإن تحول وتشكل، فإنه لم يتقلب ويتخلق كما في القربان، ألا وهو طريق النظر الحي الذي هو النظر في ذات العبد أوصافاً وأفعالاً، بدل النظر في ذات الحق، حتى يتحقق بالتبعية الأصلية بتعرف الحق له، تفضلاً منه وتودداً. "

ثانياً: الأسماء الحسنى والتقرب بالذكر
1- مبدأ التخلق الأكمل:
إن التقرب بالذكر بصدد الأسماء الحسنى هو كل طريق يُلتزم في طلبها إعمال العقل والإخلاص في الاشتغال الشرعي، فيكون مبنى هذا الطريق على أربعة أركان يشارك في ثلاثة منها مرتبة التقرب بالعبادة المسدَّدة مع امتياز درجته فيها، وهي " العقلانية " و " العمل " و " الإحسان " – وقد تقدم ذكرها في الباب السابق بالتفصيل - . ويختص التقرب بالذكر برُكنٍ رابع نسميه " مبدأ التخلق الأكمل"، ويصير " الذاكر" متخلقاً مستحقاً لوصف العبدية إذا وفّى بالشروط التالية:
أ‌- إذا اجتهد في الإتيان بالنوافل بعد إقامة الفرائض على الوجه الأكمل.
ب‌- إذا كانت ثمرة هذا الاجتهاد أن يتخلق بأكمل الأخلاق المقومة للعبدية.
ت‌- إذا طلب التخلق بمعاني الأسماء والصفات والتحلي بكمالاتها على قدر الإمكان.
ينتج عن هذا أن الذاكر، لما كان يلتمس استكمال الأخلاق بالنوافل وكانت حقيقة الأخلاق أنها تجارب وخبرات لا مجرد أفكار وتصورات، فإن معاني الأسماء تأتيه، وحقائقها تظهر له في التجارب الحية لا في الأفكار المجردة. وبهذا، يكون التقرب بالذكر تجربة حية وتجربة إحسان، حيث إن سبب تعرف الذاكر على معاني الأسماء هو تعرفها ذاتها له، هبةً من الله لا تَعَرُّفُه هو عليها، كسباً منه.
1- تكامل التخلق:
هناك موقفين متعارضين من هذه التجربة الحية:
الموقف الأول: يرى أن هذه التجربة الحية لا تختلف عن التجربة الحسية المعهودة لعامة الناس، وأن تأثير الباطن في الظاهر لا يختلف عن عامة الناس.
الموقف الثاني: أن هذه التجربة روحية لا صلة لها بالتجربة الحسية، وأن المعارف الحاصلة من هذه التجربة لا يمكن مقابلتها بالمعارف الحسية.
والحق : أن التجربة الحية ليست موافقة تمام الموافقة للتجربة الحية، ولا هي مفارقة لها تمام المفارقة. وتفصيل ذلك من خلال الرد على كلا الموقفين :
الرد على الموقف الأول: أن الذاكر لا ينغمس في الحس وإنما يجتهد في تهذيب هذا الواقع بواسطة قيمه العملية، وفي نقله له من صورته المباشرة إلى صورة يصير بها ثمرة من ثمرات العمل، ويسبقه إلى الانفعال بالواقع ما يستولي على مداركه الحسية من المعاني والقيم بسبب غلبة المدارك العملية عليها، فيرى أشياء الواقع بطريقة لم يعهدها المحرومين من هذه الوساطة المعنوية بسبب عدم الاعتقاد أو الاشتغال.
الرد على الموقف الثاني: أن الذاكر لا يتوقف دخوله في التجربة الروحية على تعطَّل مداركه الحسية بالكلية، ولا تكاد تحصل له الفائدة من هذه التجربة إلا بمقدار ما تتأثر بها هذه المدارك، وما تنتفع به من معانيها. والتأثير يخلع على الماديات لباس الكونية الدالة على المكون.
وبهذا يتحقق التكامل والتداخل بين الحس والروح داخل هذا التخلق.

2- تجدد التخلق:
يمكن إنشاء نظرية الأسماء - ( الموافقة لمرتبة التقرب بالذكر – كما يبدو - ) – بالاستناد إلى مبدأ " خبر الواحد المحقق"، وهو خبر يفيد اليقين، ويمكن صوغها:
· نقول أن الداعي باسم ما حقق الاسم ابتداءً إذا :
أ‌- دل بهذا الاسم على مسمى معين ارتبط به في تجربة مباشرة مدَّته بمعنى من معاني المسمَّى.
ب‌- وقصَدَ استعمال هذا الاسم للدلالة به على المسمَّى بالمعنى الذي مدته به التجربة المباشرة الأولى، في كل الأوقات اللاحقة لهذه التجربة.
ت‌- وكان هذا القصد مختصاً بالمسمَّى دون غيره.
واستخدام الذاكر لهذا الاسم أو ذاك من أسماء الحق تبارك وتعالى، يفيد تحلياً وتخلقاً به يخصه دون غيره، وكلما ابتدأ بطريق جديد لاسم آخر كلما تجددت وتنوعت طرق التخلق إن في تجربته الخاصة أو مقارنة بتجارب غيره في هذا الباب.
مِن ميزات التقرب بالذكر:
أ‌- تجدد حقائق الإيمان في قلب الذاكر وقلوب الذين يخبرهم بطرق استعمال الاسم.
ب‌- تعدد طرق التخلق وتنوعها ومعرفة هذا التفاوت تحمي من التبديع وتؤدي إلى التماس الأعذار ممن خالفهم.
ت‌- شدة معرفتهم وتخلقهم بأسماء الإحسان يحثهم على مزيد من طلب الكرم الإلهي عن طريق الاجتهاد في التقرب.
ث‌- ترشيد العقل وتنويره بمراجعة وتقويم مسالك العقل النظرية في طلب التقرب بالأسماء أثناء زيادة درجات التخلق .
دعوى تسمية " أهل الذكر " وإبطال دعوى " ترك العمل " :
هناك من ظن أن تسمية " أهل الذكر " جاءت لاستغراقهم في الذكر المجرد دون الكسب الحياتي، والإصلاح الاجتماعي.
وهذه الدعوى مردودة لما تقدم من سير درجات العقل وتسديده وتأييده، إلا أن المؤلف فصل في الرد عليها بطريقة جميلة جداً إلا أننا سنتركها اختصاراً حتى لا نبتعد عن هيكل مرتبة العقل المؤيد بالاستغراق في تطبيقات هذه المرتبة في التجربة الصوفية.

الفصل الثالث : ( الممارسة الصوفية والكمالات التخليقية للعقل المؤيد )

أولاً: أركان مهمة التخليق:

يتخذ المنهج الذي يتبعه المقرب في تخليق غيره يتخذ وسائل معارضة لوسائل الإصلاح التسييسي، وعلى رأسها " التسلف " و " التمنذج " .
التسلف: تقدم توضيحه.
التمنذج: أي الاقتداء برجال السلف الصالح " الأخذ من النماذج " .
وهاتين الوسيلتين للتخليق التأييدي تدللان على قضيتين متعلقتين بهما :
القضية الأولى: أن التمنذج واسطة التسلف في التحصيل.
القضية الثانية: أن الإشارة واسطة التمنذج في التوصيل.

القضية الأولى : أن التمنذج واسطة التسلف في التحصيل :
1- مكانة النموذج في تحصيل التسلُّف:
إذا كان هدف التخليق هو ( التسلف العملي )، وكان التسلف العملي هو تحصيل طريقة عملية في الرجوع إلى النصوص الإسلامية الأصلية بقصد الظفر بمضامينها، والاستمداد من معانيها حتى يقع بها الكسب الحياتي و الإصلاح الاجتماعي والواقعي، فلا يمكن لهذا التخليق أن يبلغ هدفه إلا إذا عمل على الوفاء بصنفين من الشروط :
أحدهما: علمي يقضي بالتزام الحقائق العلمية التي تثبت بصدد الاستفادة من النصوص.
والآخر: عملي يقضي بالأخذ عن النماذج في العمل بمضامين النصوص.
فما مدى وفاء التخليق بهذين الصنفين من الشروط؟
أ‌- التخليق والمقتضيات العلمية للأخذ من النصوص:
v الحقيقة التاريخية: مقتضاها أن الفارق الزمني بيننا وبين النصوص الإسلامية الأولى هو واقع لا يرتفع، وأن الأسباب الخارجية والمقتضيات الظرفية لها هي أحداث اختفت عن مشاهدتنا المباشرة، وامتنعت عن تجربتنا الفعلية.
v الحقيقة اللغوية: له وجوه ثلاثة:
أولها: أن الفعل أبلغ من البيان في القول.
ثانيها: أن القول حمَّال لوجوه كثيرة.
ثالثها: أن الذي ينظر في النص لا انفكاك له عن مكونات ذاته الوجدانية والعقلية، وعن مقومات مجاله التداولي.
v الحقيقة الدينية: مقتضاها أن التقرب إلى الله مراتب، وأن أفضلها وأقدرها على تحقيق التسلف ما كان مستوفياً لشرط الرسوخ، ولا يتحقق الرسوخ إلا لمن تلازم عنده العلم بالشيء والعمل به، حتى صار له هذا التلازم وصفاً سلوكياً ثابتاً لا انسلاخ له عنه.
وأصناف التسلف : ثلاثة تقدم توضيح اثنان منها " التسلف النظري " و " التسلف النقدي " ، ويظهر لنا هنا " التسلف العملي": الذي يعتقد أن كل نظر عقلي نازلٍ في مراتب العمل، أو قل كل نظر عملي حي، لما كان قادراً على طي الطبقات التجربية والمعرفية المتراكمة، هو وسيلة كافية لتحصيل القدرة على استخراج مضامين النصوص الأصلية.
ويلزم عن هذه الاعتقاد أن " المتسلف العملي" يفترض الأمرين التاليين :
· أنه بالإمكان طي الطبقات التجربية والمعرفية الموروثة بطريق عملية مُطَهَِرة للعقل ( عملية التطهير ) .
وهذه العملية تهدف إلى رفع الطبقات المتراكمة على مقتضى الحقيقتين : التاريخية واللغوية، لاستعادة قدرة التأمل عبر التربية التجديدية، ووسيلة هذه التربية هي : القيام بالأعمال على خير وجه والمواظبة عليها، والزيادة فيها على قدر طلب الخروج من الطبقات العقلية المتراكمة.
ويتحكم في هذه التربية المبدأ التالي، وهو:
? أن أعمال العبادات الواجبة في هذا التجديد التربوي تتناسب تناسباً طردياً مع الطبقات المترسبة في العقل، أي أنه على قدر ما تراكم من الطبقات العقلية تكون الأعمال الضرورية لإزالتها.
وتترتب على هذا المبدأ النتيجة التالية، وهي أنه :
ü كلما زاد البعد الزمني عن الأصول الإسلامية، احتاج المتسلف إلى الزيادة في الأعمال.
وفي هذه الحقيقة ما يبطل دعوى ( أن قليل العمل عند المتسلف المتأخر يسد مسد كثير الأعمال عند المتسلف المتقدم، احتجاجاً بتطور المعرفة العقلية، والكسبية، والإصلاح الواقعي).
وثمرة هذه التربية التجديدية: تحصيل التكامل الروحي والمادي المقوم لفطرة الإنسان، التكامل المهيء لتحصيل المعاني الأصلية للنصوص الإسلامية.
· أنه بالإمكان دوام العمل على إفادة النظر عن طريق عملية تُرَسِّخ المعاني الدينية والروحية في النفس ( عملية الترسيخ ) .
فلا يكفي اقتران النظر بالعمل ومطابقته له بل ينبغي أن يبلغ العمل من نفس المتسلف درجة يصبح معها هو الممد للنظر بأسبابه وكيفياته ( مقتضى الحقيقة الدينية ) . ولعملية الترسيخ وسيلة وثمرة.
وسيلة الترسيخ: اتحاد النظر والعمل، أما الفصل فهو عملية سابقة لعملية التطهير، وحينما تتم عملية التطهير يعودان للاتحاد، وبذلك تتم وسيلة الترسيخ. فالمتسلف ينظر بقوالب العمل كما يعمل بمقولات النظر.
وثمرة الترسيخ: تحصيل القدرة على التجديد، وذلك بقدرة المتسلف على الاستمداد من هذه المعاني من طريق وجوهها التي تفيد في تقلب الأوضاع الزمانية والمكانية من حوله وتساير تجدد أحوالها.
وبهذا يتبين أن التخليق الهادف إلى تحصيل التسلف العملي يفي بما فات التسلف النظري والتسلف النقدي، عن طريق التطهير والترسيخ.

ب‌- التخليق والمقتضيات العملية للأخذ عن النماذج:
تقدم أن التخليق يستند على عمليتين " التطهير" وهي بمنزلة " تجديد التربية"، و " الترسيخ " وهي بمنزلة " تأييد التجربة".
يترتب على ذلك أن مدار التخليق على مبدأ واحد ووحيد هو " مبدأ العمل"، والعمل يفيد كيفيات معينة لا يمكن أن تكون تفاصيلها كلها مبثوثة في النصوص، وما كان مبثوثاُ في النصوص فلا يفيد بياناً كافياً للعمل، فإن تقرر هذا، لزم أن يَتم طلب كيفيات التطهير ووجوه الترسيخ بطريق عملي وهو طريق التوجه إلى سلوك مشخَّص صادر عن عامل عملاً حياً مع مراقبة تفاصيل هذا السلوك بالجوارح والمثابرة على هذا التوجه والمراقبة، حتى يقع الاستيعاب المطلوب للكيفيات، وخير شاهد على ذلك واقعتان تاريخيتان:
الأولى: تسلف الأوائل، كان تسلفاً متوجهاً إلى السلوك ومراقبة دائمة له، كما توجه الصحابة إلى مراقبة النبي صلى الله عليه وسلم باستمرار، حتى أنهم ربما توقفوا عن الفعل الذي أباحه لهم قولاً مع تركه إياه، حرصاً منهم على الاقتداء بالفعل على العمل بالقول. ومن بعدهم التابعين ومراقبتهم لسلوك الصحابة – رضي الله عنهم – وهكذا .
الثانية: تسلف الإمام مالك – رحمه الله – وأخذه عن أعمال أهل المدينة.
ولأن التوجه والمراقبة ميل مركوز في الفطرة، وأن الكيفيات تتغير مع الزمن فظهرت الحاجة إلى " النموذج" الذي يتم الاقتداء به كقدوة حية.
وهذا النموذج ( القدوة الحية ) لابد أن يكون بصيراً بشؤون المراقبة، ومتحققاً بالفهم، ومتمرساً بالتجديد، وموضوع له القبول بين الناس، ولا يزال المتسلف بخير ما حافظ على اتصاله بهذا النموذج.
القضية الثانية: أن الإشارة واسطة التمنذج في التوصيل.
1- وظيفة الإشارة في توصيل التمنذج:
علمنا أن هدف التخليق هو ( التسلف العملي ) ووسيلته في التحصيل هي ( التمنذج ) ووسيلته في التوصيل هي ( الإشارة ) .
والمراد هو التدليل على هذه الدعوى:
· من المعلوم أن أهل التخليق يختصون بخطاب يتميز بسمتين جوهريتين:
- أولاهما: انه مزود بمعجم اصطلاحي تقني دقيق لا يقف على معانيه إلا من اشتغل بعلم التخليق، وانخرط في سلك المتسلفين.
- ثانيتهما: انه مختص بإيثار التعبير غير المباشر على التعبير المباشر.
أما الأولى: الخاصية الاصطلاحية للخطاب التخليقي مشتركة بينه وبين كل المجالات المعرفية التي تتعاطى مصطلحات خاصة بها، فلا حاجة للوقوف عندها من أجل المتحاملين المتحيزين ضدهم.
أما الثانية: استعمال التعبير غير المباشر فهو منتشر لديهم ويكادون ينفردون بها، ويصطلحون على تسمية هذا الأسلوب الخاص في التبليغ باسم " الإشارة" حتى عُرفوا به، فقيل " أهل الإشارة"، حتى جيء بتعليلات مختلفة لهذه الظاهرة اللغوية منها:
· أن المعاني الغيبية أسرار لا ينبغي البوح بها لغير أصحابها.
· أن المعاني الروحية رقائق متعالية على التجربة العادية التي وضعت اللغة الطبيعية للتعبير عنها.
· أن هذه المعاني متفاوتة فيما بينها، ولا تدرك المعاني إلا بحسب مرحلة المتقرب، فتكفي الإشارة .
· أن هذه المعاني داخلية لا تقوى اللغة على إظهارها، وإلا لفقدت دلالتها الحية.
وهذه التبريرات على ما في بعضها من صواب إلا أنها جميعاً تغفل جانب التمنذج الذي يقوم عليه التخليق، والذي يجعل هذا الخطاب أنسب وسيلة لتبليغه.
وللإشارة من الأوصاف التبليغية ما يجعلها أوفى بغرض النموذج من العبارة، لأنها تقابل ما عند النموذج من الأوصاف التخليقية، وهي :
أ‌- الإشارة مشخصة تشخص النموذج: فهي تعبير مشخص، بمعنى أنه متصل بالتجربة الوجدانية والواقع الخُلقي للمخاطب.
ب‌- تواتر الإشارة كتسلف النموذج: فتواتر الإشارة يقوم على شروط هي أن يقع ابتداءً حدث معين، وأن يعرف هذا الحدث أحد بالمعاينة، فيدل عليه بوصف مخصوص، وأن ينقل عنه غيره هذا الوصف مباشرة، ويتتابع هذا النقل .
والناقل للوصف يقوم مقام النموذج، واتصال السند العملي متعلق بالنموذج لا بالقول المنقول عنه.
واختصاره: أنه يدل بطريق التواتر، فلا يكون المعول عليه فيه هو مدلول اللفظ المجرد بقدر ما هو معرفة وتجربة الواضع لهذا اللفظ والناقل له.
ت‌- قيمية الإشارة كتحقيقية النموذج: فالمعنى الذي يلابسه النموذج حقيقته أنه دلالة عملية، وأنه قيمة مقرونة أساساً بالممارسة الحية يوصلها إلى المتسلف بالإشارة التي لا يفهمها غيره، وكذلك ملاحظة المتسلف للمعاني التي يتصف بها النموذج هي بالذات الممارسة القيمية التي تحملها الإشارة، فالإشارة تنطوي على القيمة كما ينطوي النموذج على التحقق... فيتواجدان معاً .
ث‌- الإشارة متجددة تجدد النموذج: النموذج يتكيف بحسب تجدد الأحوال الزمانية والمكانية، ويبادر بتعيين الطريق الروحي المناسب لأهدافه التخليقية قبل تغير الظروف، وبذلك يكون واقعاً متجدداً، فكذلك الإشارة معنى متقلب، فيكون التعبير الإشاري دالاً على معنى قائم، أو معنى لم يقم به النموذج بعد، أو معنى يطالب بقيامه والتهيؤ له، وكل معنى مقرون بطريقة معينة في التعقل لها أحكامها ومقتضياتها التي تميزها عن غيرها، فتكون الإشارة متجددة بحسب تجدد المعاني، فالإشارة تحمل على تجديد العمل في قلب المتسلف كما يجدد النموذج مواقفه التخليقية، سواءً بالمسايرة أو بالمبادرة.
ج‌- التعلق بالنموذج كقرب الإشارة: ذلك أن قيمة النموذج بمدى الشعور بالانجذاب إليه، وهذا الانجذاب يزيد بحسب القرب، فكذلك الإشارة واستعمالها يزيد في إفادة القرب بين المتخاطبين بها، بإشارات دالة على قربه من الجماعة ثم الأقرب في فهمه الصحيح، ثم الأقرب في الخصوصية الدالة على حال المستمع بوجه لا يفيد به القول العباري.
ح‌- التشبه بالنموذج كعلاقة المشابهة في الإشارة: ذلك بالتشبه الخُلُقي بالنموذج، هذا التشبه الذي هو الخاصية الجوهرية للاقتداء، والاقتداء الروحي، ومن ثم التشابه في التعبير الإشاري، لعلاقة المشابهة بين المشار به وبين المشار له.

ثانياً: الصفة الالزامية لمهمة التخليق
مهمة التخليق تقتضي كمالات خاصة – كما تقدم – وهي – للتذكير - :
v ( مبدأ " اقتران العلم بالعمل " )
v ( مبدأ " اقتران المعرفة العلمية بالمعرفة الغيبية " )
v ( مبدأ " سلامة الزيادات " )
وهذه الكمالات وخصوصية هذه الأوصاف تعلمنا بأن مهمة التخليق مهمة ثقيلة؛ ومن مظاهر ثقلها مظهران أساسيان:
أولهما: أن المقرب لا يخير في تحملها ( التكليف بالتخليق ) .
ثانيهما: أن غيره لا يمكن أن يقوم مقامه في تحملها ( اغتصاب التخليق ) .
أولاً: التكليف بمهمة التخليق في الأمور التالية:
أ‌- العقل المؤيد مناط التكليف التخليقي.
ب‌- التخليق أمانة عند المقرب: لابد أن يقوم بحقوقها ومسؤولية أدائها على الوجه المطلوب.
ت‌- التخليق فعل اضطراري للمقرب
ث‌- التخليق مظهر محبة: فهو أقوى الأفعال الدالة على المحبة، والمحبة أشد الأحوال دلالة على القرب، فالمقرب لابد له من الوفاء بشروط التخليق وتقديمه على غيره من الأعمال الجالبة لمزيد من التقرب.

ثانياً: اغتصاب مهمة التخليق:
لما كان التخليق تكليفاً اضطرارياً، كان كل من تصدى له ولم يستوفي شرط الاضطرار " ترك التصرف بالكلية لما فيه من منازعة للتبعية الأصلية" منتحل لواجب غيره، ويستحق وصف " المغتصب" .
و يمكن التمييز بين أشكال مختلفة من الاغتصاب وهي :
أ‌- اغتصاب المقارب: خروج المتقرب بالعقل المجرد إلى الإصلاح قبل وجود استعداد الدخول في العمل الشرعي، بسبب الاغترار بالتجريد، والاعتقاد في التسييس، ذلك أنه يستبدل بالتعالي الذي هو تدرج في منازل الروح وتقرب من الحق تعالياً إلحادياً هو تنقل في مراتب المادة وانقطاع عن الحق، كما أنه يستبدل بالتأنيس الذي هو تغلغل في القيم الخلقية تأنيساً إلحادياً هو انغماس في القيم الحيوانية.
ب‌- اغتصاب القرباني: خروج القرباني هو خروج المتقرب بالفرائض إلى التخليق قبل حصول استعداد النزول في مراتب العمل الشرعي الخاص به ( أي الخاصة بالتخليق )، ويحمل عليه الاغترار بالتسديد والوقوف عند الظاهر، كما ينشأ عنه التشدد والتحجر .
ت‌- اغتصاب المتنمذج: هو خروج المتقرب بالنوافل إلى التخليق قبل حصول استعداد التحقق والتخلق الخاص به ( أي الخاص بالتخليق )، سواء كان بعدم الدخول في التعرف أو بعدم تمامه، ويبعث على هذه الممارسة الاغترار بالتأييد والالتفات إلى الباطن، كما يتولد عنها التسلف المجرد والتبدع المغرض.





خاتمة الكتاب : ( موجز في قوانين مراتب العقلانية )

أنشأ المؤلف نموذجاً نظرياً لوصف وتحليل وتقويم " الفعالية العقلية" التي يظهر بها الانسان باعتباره كائناً متقرباً. يتألف هذا النموذج من طبقات ثلاث متمايزة فيما بينها، كل طبقة منها تختص بنوع من هذه الفعالية العقلية:
الطبقة الأولى: تختص بالنوع الذي ينتج عن عدم الاستفادة من العمل الشرعي، إن مجانبة أو مخاصمة، وقد سماها بـ " العقل المجرد" وسمى صاحب هذا العقل بـ " المقارب".
الطبقة الثانية: تنفرد بالنوع الذي ينشأ عن الدخول في العمل الشرعي، اجتلاباً للتوفيق الإلهي؛ وقد سماه بـ " العقل المسدد" وسمى صاحب هذا العقل بـ " القرباني".
الطبقة الثالثة: يختص هذا النوع الذي ينتج عن النزول في مراتب العمل الإسلامي، طلباً للتولية الإلهية، وقد سماه بـ " العقل المؤيد " وسمى صاحب هذا العقل بـ " المقرَّب" .
وهذا النموذج يرتب القوانين التي ينضبط بها تفاضل مراتب التقرب الثلاث؛ فكل ما حسن في مرتبة منها، فهو في المرتبة التي تليه أحسن، والأفضل حسناً هو الأفضل في اجتلاب التقرب.
وعقلانية المقرّب هي أشمل وأكمل العقلانية الثلاث، لانها تجمع فوائد عقلانية المقارب وفضائل عقلانية القرباني بالإضافة إلى الكمالات المميزة لمرتبتها، فهي بهذا الجمع أكمل العقليات الثلاث.


هذا والله هو المُبَصِّر والمسدد والمؤيد بتوفيقه وإحسانه .
شارك المقال

0 تعليق:

إرسال تعليق

ابحث في هذه المدونة