مدونة القوانين الوضعية مدونة تهتم بجمع المعرفة القانونية وتقريبها الى الباحث أو طالب كلية القانون أوالحقوق سواء من أجل تحضير بحث أو توسيع معارفه القانونية

بحث جوجل

3/15/2018

لجنة التعويض عن الحبس المؤقت دراسة مقارنة

المقدمة:
هدف العدالة الوصول إلى الحقيقة الواقعية التي يسعى لتحقيقها أناس لا يستطيعون الوصول إليها حتما، لهذا تبقى هذه الحقيقة قضائية، وعليه فإن العدالة ليست معصومة من الخطأ، فقد يحدث وأن تخطأ بصدد قيامها بجمع عناصر الجريمة وربطها وتقييمها في أية مرحلة من مراحل الدعوى الجزائية لاسيما وأن المشرع أجاز لقاضي التحقيق خصوصا ولرجال القضاء إتخاذ جميع إجراءات التحقيق التي يرى بأنها ضرورية للوصول إلى الكشف عن الحقيقة.
ولعل أخطر إجراء من إجراءات التحقيق على الإطلاق هو الأمر بالوضع في الحبس المؤقت ولهذا نجد أن المشرع أحاطه بشروط وإجراءات وضمانات عديدة لفائدة المتهم تماشيا وتكريسا لمبدأ قرينة البراءة وهذا كله لأن الأمر بوضع المتهم رهن الحبس المؤقت يسلب الشخص أعز ما يملك وهو حريته المقدسة على جميع الأصعدة والتي تعتبر المنطلق والمسعى الحثيث للقانون الدولي لحقوق الإنسان، غير أنه ليس من الضروري صدور حكم بإدانة المتهم الذي كان موضوع حبس مؤقت أثناء متابعته جزائيا، فقد يصدر القضاء حكمه ببراءة المتهم في حالة عدم توافر الأدلة الكافية لقيام الجريمة أو حالة عدم توافر أركان الجريمة، وهذا عملا بمقتضى المادة 364 من قانون الإجراءات الجزائية أو حتى في حالة وجود الشك في مدى إسناد الجريمة للشخص المتابع والمتهم بها لأن الشك يفسر دوما لصالح المتهم وهذا أيضا ما تقتضيه قواعد قرينة البراءة والأمر ذاته يقال بشأن حق قاضي التحقيق في إصدار أمر بألاوجه للمتابعة طبقا لنص المادة 163 فقرة أولى من قانون الإجراءات الجزائية.
من هذا المنطلق نصل إلى أن إمكانية حبس المتهم مؤقتا واردة في أية مرحلة من مراحل سير الدعوى الجزائية و في نفس الوقت إمكانية تبرئة هذا المتهم واردة أيضا ولهذا فإن التساؤل يثور حول مدى إستفادة هذا الشخص من تعويض عن فترة الحبس المؤقت التي قضاها والتي قضت العدالة بعد ذلك وأقرت براءته لا سيما وأن الحبس يسلب الشخص حريته المضمونة دستوريا ويبعده عن حياته الاجتماعية، ويعطل أعماله وقد يفقده مصدر رزقه وعول أسرته ناهيك عن المساس سمعته وأسرته وغيرها من الأضرار المحتملة خاصة وأن البراءة لا تزيل كل الشكوك والتي تلحق بعد الحبس المؤقت(1)، وفي حالة القول بإمكانية تعويض هذا الشخص فهل يستفيد من هذا التعويض الشخص الذي يصدر ضده أمر إيداع في جنحة متلبس بها من طرف وكيل الجمهورية وفقا لإجراء التلبس؟ وهل يستفيد من هذا التعويض الشخص الذي إستفاد من البراءة لفائدة الشك وماهي الجهة المختصة بمنح هذا التعويض؟.
لقد تدخل المشرع الجزائري بموجب القانون 01-08 المؤرخ في 26 جوان 2001 وهذا بعد طول الإنتظار وبعد الأصوات التي تعالت من طرف فقهاء وأساتذة القانون ومن طرف المتقاضين على حد السواء بضرورة وضع نظام يتم من خلاله التعويض عن الحبس المؤقت غير المبرر، وبالفعل فقد أعلن المشرع من خلال التعديل السالف الذكر عن ميلاد لجنة التعويض عن الحبس المؤقت غير المبرر وهي لجنة موجودة على مستوى المحكمة العليا تتولى النظر في طلبات التعويض المرفوعة إليها، وهكذا يكون المشرع الجزائري قد حدا حدو المشرع الفرنسي الذي نصب لجنة إصلاح الضرر الناتج عن الحبس المؤقت منذ قانون 70-643، لذلك وجب التساؤل عن النظام القانوني الذي يحكم وينظم عمل هذه اللجنة.
هذا الموضوع سنتعرض له بالدراسة والتحليل من خلال بحثنا هذا معتمدين على التشريع الفرنسي للمقارنة محاولين الإجابة على جملة الأسئلة المطروحة سلفا بغية توضيح وإضفاء النور على هذه اللجنة التي تبقى مجهولة حتى لدى العارفين بالقانون منتهين إلى القول هل هذه اللجنة نجحت في الوصول إلى الهدف الذي أنشأت لأجله وهذا من خلال الخطة المقترحة التالية:
المبحث الأول: تشكيلة اللجنة واختصاصها.
المطلب الأول: تشكيلة اللجنة.
المطلب الثاني: إنعقاد اختصاص اللجنة.
المبحث الثاني: إخطار اللجنة.
المطلب الأول: شروط إخطار اللجنة.
المطلب الثاني: الحالات التي يجوز فيها الإخطار.
المبحث الثالث: سير اللجنة والقرارات الصادرة عنها.
المطلب الأول: إجراءات عمل اللجنة.
المطلب الثاني: قرارات اللجنة.
سنتولى دراسة هذا الموضوع كما سبق الإشارة من خلال ثلاث مباحث معتمدين على المنهج المقارن الوصفي والتحليلي وذلك حسب عناصر الدراسة التي تشمل الجانب العضوي للجنة التعويض ثم الجانب الإجرائي والمتمثل في إجراءات سير اللجنة.
ففي المبحث الأول سنوضح تشكيلة اللجنة في القانون الجزائري والفرنسي وأيضا فكرة انعقاد الاختصاص للجنة للنظر في طلبات التعويض مبينين الخلفية القانونية والقضائية لهذا التعويض من خلال التطور الذي عرفه مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن العمل القضائي إلى غاية تقرير مبدأ المسؤولية لنأتي إلى توضيح أهم فكرة ينبني عليها موضوع بحثنا وهي عدم تبرير الحبس المؤقت فنقول متى يعتبر الحبس المؤقت غير مبرر وبالتالي قابل للتعويض وبالتالي ينعقد إختصاص لجنة التعويض، بحيث نتعرض أولا لمفهوم الحبس المؤقت وشروطه الإجرائية والموضوعية ثم الجهة المختصة بإصدار أمر الوضع في الحبس المؤقت لكي نخلص إلى القول ما هو الحبس المؤقت غير المبرر وما هو الفرق بين الحبس المؤقت غير القانوني وغير المبرر و أيهما قابل للتعويض لكي ننتهي إلى إبداء رأي موضوعي يتوافق والمنطق وأيضا يتوافق وروح القانون وغاية المشرع الجزائري من تقريره لمبدأ التعويض عن الحبس المؤقت والخطأ القضائي.
أما في المبحث الثاني فنتولى دراسة إخطار اللجنة وذلك من خلال الشروط الإجرائية والموضوعية للإخطار والحالات التي يجوز فيها إخطار اللجنة وأهم النتائج المترتبة عن هذا الإخطار موضحين فكرة وجوب توافر عنصر الضرر وشروطه التي نصت عليها المادة 137 مكرر من قانون الإجراءات الجزائرية والتي بمقتضاها يجب أن يكون ثابتا ومتميزا وهذا بالاستناد إلى التطور الذي عرفه هذا الشرط في القانون الفرنسي الذي أصبح منذ سنة1996 قابل للتعويض أي ضرر يصيب الشخص من جراء وضعه رهن الحبس المؤقت.
ونخلص في المبحث الثالث إلى بيان إجراءات سير اللجنة والقرارات الصادرة عنها وهذا من خلال توضيح الإجراءات الواجب إتباعها أمام لجنة إصلاح الضرر في القانون الفرنسي ثم إجراءات عمل لجنة التعويض في القانون الجزائري.








المبحث الأول: تشكيلة اللجنة واختصاصها.
إن البحث في تشكيلة اللجنة المختصة بالتعويض عن الحبس المؤقت غير المبرر له أهمية بالغة لأجل معرفة مدى تناسب عمل هذه اللجنة ودورها مع تشكيلتها البشرية وهو الشيء الذي نتعرض من له في المطلب الأول من هذا المبحث ثم نأتي في المطلب الثاني لمناقشة أهم عنصر من عناصر دراستنا على الإطلاق وهو فكرة عدم تبرير الحبس المؤقت وهذا بعد التطرق بإيجاز إلى الخلفية القانونية والقضائية للتعويض نظرا لأهميتها البالغة والتي تعتبر المنطلق الوحيد لدراستنا الحالية.

المطلب الأول: تشكيلة اللجنة
إن عمل لجنة التعويض عن الحبس المؤقت في القانون الجزائري ولجنة إصلاح الحبس في القانون الفرنسي هو عمل تقني يستلزم البحث في ملف القضية المطلوب التعويض بشأنها والقول ما إذا كان الحبس المؤقت الذي صدر ضد المتهم هو حبس مبرر أو غير مبرر ولن يتجلى هذا إلا بعد دراسة عميقة لجميع عناصر الملف والبحث في مدى شرعية الحبس المؤقت الذي أمرت به الجهة القضائية المختصة.
إن هذه الدراسة وهذا البحث يتولاه أعضاء اللجان السالفة الذكر وهم القضاة المشكلين لهذه الهيئة القضائية والتي نتعرف عليهم من خلال معرفة تشكيلة كل من اللجنتين الفرنسية والجزائرية على حد السواء وذلك على النحو التالي.

الفرع الأول: في القانون الفرنسي.
الجهة القضائية المختصة بتقرير الحق في التعويض في التشريع الفرنسي هي لجنة إصلاح الحبس وهي لجنة خاصة(1) يتم تقديم طلبات التعويض إليها وتتشكل من ثلاثة قضاة للحكم تابعين لمحكمة النقض(2) وهم:
الرئيس الأول لمحكمة النقض أو ممثل عنه رئيسا.
قاضيين للحكم من قضاة محكمة النقض برتبة مستشار أو مستشار Référendaire .
يعين هؤلاء القضاة من طرف مكتب محكمة النقض والذي يعين ثلاث قضاة احتياطيين بنفس الشروط.
ويمارس مهام النيابة العامة النائب العام لدى محكمة النقض، ويمثل الدولة العون القضائي للخزينة العمومية.
كما يتولى مهام أمانة الضبط أمين ضبط بمحكمة النقض يعين من طرف مكتب محكمة النقض وهي التشكيلة التي نصت عليها المادة 149-3 بعد التعديل الأخير 2000-1354 لقانون الإجراءات الجزائية.
ونلاحظ أن أعضاء اللجنة اختيروا من أعلى هيئة قضائية لما تتوافر فيهم من ضمانات كالمقدرة والتجربة والحكمة وحتى لا يقدح أحد في أحكامها، ولهذه اللجنة طابع هجين أو مختلط لأن القواعد التي تحكمها وتنظمها منصوص عليها في قانون الإجراءات الجزائية ويجوز لها أن تؤسس أحكامها على المبادئ العامة في القانون الإداري بالإضافة إلى الطابع المدني الذي أضفاه عليها القانون(1).

الفرع الثاني: في القانون الجزائري.
كما سبق الذكر فيتولى النظر في طلبات التعويض عن الحبس المؤقت في التشريع الجزائري لجنة التعويض التي حددت تشكيلتها المادة 137 مكرر 02 من قانون الإجراءات الجزائية وتضم:
الرئيس الأول للمحكمة العليا رئيسا.
قاضيي حكم لدى المحكمة العليا بدرجة رئيس غرفة أو رئس قسم أو مستشار أعضاء.
ويتولى مهام النيابة العامة النائب العام لدى المحكمة العليا أو أحد نوابه، كما يتولى مهام أمين اللجنة أحد أمناء ضبط المحكمة يتم تعيينه من طرف الرئيس الأول للمحكمة العليا، بينما يتم تعيين أعضاء اللجنة سنويا من طرف مكتب المحكمة العليا الذي يعين ثلاثة أعضاء إحتياطيين لإستخلاف الأعضاء الأصليين عند حدوث مانع لأحدهم يحول دون ممارسته لمهامه.
وبدورنا نبارك المنحى الذي إتجه إليه المشرع لتحديد تشكيلة اللجنة والتي تضم قضاة من أعلى هيئة قضائية لهم تجربة كبيرة وحنكة ومؤهلات من شأنها تمكينهم من دراسة طلبات التعويض والملفات الجزائية والفصل فيها بصفة لا تدع مجالا للشك.
غير أننا نتساءل عن المقصود من الفقرة الثالثة للمادة 137 مكرر02 التي تنص على صلاحية مكتب المحكمة العليا في أن تقرر وحسب نفس الشروط أن تضم هذه التشكيلة عدة تشكيلات كما ورد في نص الفقرة.
لقد ساد اللبس هذه الفقرة فهل كان القصد فيها هو إمكانية ضم عناصر بشرية أخرى إلى التشكيلة القانونية للجنة أم أنه يمكن تعيين عدة قضاة بحسب الشروط السالفة الذكر بحيث يصبح لهم الصفة لتشكيل هذه اللجنة وبالتالي فقد تتشكل اللجنة بعضوية معينة لدراسة ملف (أ) وتشكل مرة أخرى بعضوية قضاة آخرين لدراسة ملف (ب).
وفي الحالتين لا يستوي الوضع، فإذا كان المقصود هو الفرضية الأولى فإننا لا نرى مانع في اللجوء إلى عناصر أخرى لإكمال تشكيلة اللجنة وهذا في حالة ما إذا رأى مكتب المحكمة العليا جدوى من تعيينهم بهذه اللجنة من أجل إعانتها وهو الفرض غير الوارد لأن التشكيلة محددة في القانون وهي من النظام العام لا يمكن تحديد تشكيلة مخالفة لا بالزيادة ولا بالنقصان في عدد الأعضاء ولا في صفتهم.
أما إذا كان المقصود هو ما ذكرته في الفرضية الثانية فإن هذا قد يجرنا إلى الوصول إلى قرارات صادرة عن نفس اللجنة إلا أنها متعارضة فقد تعتبر التشكيلة (أ) أن الحبس المؤقت موضوع التعويض في القضية (أ) هو حبسا مؤقتا مبررا لا يستوجب التعويض وتعتبره التشكلية (ب) حبسا مؤقتا غير مبررا واجب التعويض.

المطلب الثاني: إنعقاد إختصاص اللجنة.
أول سؤال يتبادر إلى الذهن بصدد تحليل موضوع بحثنا هذا وذلك بعد الاطلاع على فحوى المادة 137 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية هو متى يعتبر الحبس المؤقت غير مبرر وبالتالي ينعقد الاختصاص للجنة التعويض، هذا السؤال نحاول الإجابة عنه في الفرع الثاني من هذا المطلب بعد أن نبين الخلفية القانونية والقضائية للتعويض عن الحبس في القانون الفرنسي والجزائري.

الفرع الأول: الخلفية القانونية والقضائية للتعويض.
بالرغم من معرفة المجتمعات من القدم للحبس المؤقت إلا أن معرفتها تلك لم تدلها بالضرورة إلى فكرة التعويض التي لم ينص عليها صراحة في فرنسا إلا سنة 1970 غير أن السوابق التاريخية تؤكد أن القانون عرف بعض التطبيقات لفكرة التعويض والتي تعتبر في مختلف صورها الجذور التي أسس عليها المبدأ، ولعل سبب تأخر المشرع الفرنسي نسبيا عن إقرار هذا المبدأ والتشريع الجزائري أيضا هو فكرة عدم مسؤولية الدولة عن العمل القضائي وهو المبدأ الذي تطور مع تطور مبادئ المسؤولية الإدارية في القانون الفرنسي و هو الشيء الذي نعرضه فيما يلي:

فقرة أولى: مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن العمل القضائي.
إن موضوع المسؤولية عن العمل القضائي كان دائما من أصعب الموضوعات وأكثرها تعقيدا، وتعود هذه الصعوبة إلى عدم الاختصاص المزدوج الذي تصطدم به الضحية، فالقضاء الإداري في فرنسا لا يختص سوى بنظر المنازعات المتعلقة بتنظيم مرفق القضاء، أما المنازعات المتعلقة بتسييره فيختص بها القضاء العادي(1) هذا الأخير كان دائما يعلن عدم اختصاصه بالتصريح بمسؤولية الدولة عن النشاط القضائي إلا إذا وجد نص صريح يقرر هذه المسؤولية وبسبب ذلك ظل مبدأ عدم مسؤولية الدولة عقيدة سائدة لفترة من الزمن على مستوى الفقه والقضاء.
إضافة إلى هذا فإن الحجيةالتي يكتسبها الحكم أو القرار تفترض شرعيته من هذا المعنى ثم إستبعاد مسؤولية الدولة عن العمل القضائي لأن هذه المسؤولية تعني مراجعة أمر تم القضاء فيه وأصبح نهائيا ولهذا فقد ظل مبدأ عدم مسؤولية الدولة القاضي مهيمنا نظرا لطبيعة عمل مرفق القضاء واستقلالية القضاة وعدم خضوعهم إلا لسلطة القانون(2).
كما أن القول بمسؤولية الدولة عن العمل القضائي ينعكس على نفسية القضاة الذين سيخشون حينها تحمل نتائج هذه المسؤولية في كل خطوة يخطونها وفي كل حكم يصدرونه الأمر الذي يؤثر سلبا على عملهم لهذا وجب حمايتهم ضمانا للسير الحسن للعمل القضائي وفي هذا فإن الأستاذ "هوريو" يقول بأن وظيفة الدولة هي الحكم وعندما تحكم يجب أن تكون بمأمن من كل رجوع عليها من جانب الأفراد ومن جهة أخرى يجب أن تتمتع بشيء من الحصانة(1) وهو الشيء الذي يضر مبدأ السيادة الذي يطبع جميع أعمال الدولة.
لهذه الأسباب ولغيرها فقد كانت الدولة غير مسئولة وكتب الأستاذ "لافريير" أن ما تتميز به سيادة الدولة هي أنها تفرض نفسها على كل شخص دون تعويض(2) غير أن جميع هذه الحجج انتقدت ولذلك فقد تقرر مبدأ المسؤولية بعد ذلك لا على أساس الخطأ بل على أساس المساواة أما الأعباء العامة وهو الموقف الذي نتعرض له في الفقرة الثانية.

فقرة ثانية: تقرير مبدأ المسؤولية.
لقد عرفت المسؤولية الإدارية الخطئية وغير الخطئية توسعا هائلا شمل مختلف المجالات بما فيها مجالات السيادة وكان لابد أن يشمل هذا التوسع المسؤولية عن العمل القضائي فلم يكن ممكنا قبول مسؤولية الدولة المشرعة دون قبول مسؤولية الدولة القاضي ولهذا فقد هجر القضاة مبدأ عدم مسؤولية الدولة القاضي ليتقرر مبدأ المسؤولية على أساس قواعد القانون الإداري وهكذا أعلن مجلس الدولة صراحة في قراره بتاريخ 14-11-1958 في قضية BLONDET مسؤولية الدولة عن ضياع وثائق الملف القضائي من مفوض حكومة لدى محكمة جهوية لأن هذا الخطأ لم يكن منفصلا عن ممارسة المهام القضائية، هذا وكانت محكمة النقض الفرنسية قد أعلنت بتاريخ 23-11-1956 في قضية "جيري" مسؤولية الدولة ليفتح الباب الذي ظل مغلقا طويلا ليغتنم القضاء هذه الفرصة ليؤكد المبدأ في عدة قضايا لاحقة، وظل الخلاف قائما بشان أساس هذه المسؤولية، فإستعمال القانون مصطلح الخطأ القضائي هو الذي جعل البعض يعتقد أن أساس هذه المسؤولية هو الخطأ إلا أنه ورغم الإشارة إلى الخطأ من خلال المصطلح فإنه من المؤكد أن أساس هذه المسؤولية ليس الخطأ وإنما مبدأ الإخلال بالمساواة أمام الأعباء العامة لأن الخطأ ماهو إلا شرط من شروط بعض حالات المسؤولية ولا يمكن أن يكون أساسا لها(1).
إن مبدأ مساواة الجميع أمام الأعباء العامة يفرض إذن إنهاء حالة اللامساواة وإعادة التوازن المفقود ولن يتأتى هذا إلا بتقرير مسؤولية الدولة وتعويض الضحية ولهذا فإن تقرير المسؤولية بسبب إلتماس إعادة النظر في الأحكام الجزائية الصادرة نهائيا بالإدانة هي مسؤولية غير خطئية لأنه يصعب القول بأن القاضي أخطأ عندما أدان المتهم لأنه يفعل هذا تأسيسا على ظروف ومعطيات معينة، ونفس الشيء يقال بشأن تقرير المسؤولية بمناسبة نظام مخاصمة القضاة غير المسئولين عن الأخطاء التي قد تنتج عن ممارسة مهامهم إلا إذا بلغت هذه الأخطاء درجة معينة من الخطورة وهي توافر حالة غش أو تدليس أو غدر منهم.
وعليه فبعد أن ساد مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن العمل القضائي فإن هذا المبدأ بدأ في التلاشي والزوال مع مرور الوقت والتطور الكبير الذي لحق بمبادئ المسؤولية الإدارية على الشكل الذي سبق توضيحه وتقررت استثناءات على هذا المبدأ شملت نظام إعادة النظر في الأحكام الجزائية الصادرة نهائيا بالإدانة ونظام مخاصمة القضاة ليتم التصريح بتقرير مبدأ المسؤولية بصفة مطلقة ولا ننسى المساهمة الكبيرة لرجال الفقه القانوني الذين سعوا إلى الوصول إلى هذا المبدأ.
أما في الجزائر فلم نجد أية محاولة قضائية لتقرير وتكريس مبدأ مسؤولية الدولة ويبقى الشيء الوحيد الذي يذكر بقوة في الجزائر هو نداءات أساتذة وفقهاء القانون والمحامين لاسيما بعد ظهور قضية الإطارات المحبوسة لشركة كوسيدار التي بقي إطاراتها رهن الحبس المؤقت لمدة 56 شهرًا لتنتهي محاكمتهم بصدور حكم يقضي ببراءتهم حيث تم تشكيل بعد هذا جمعية الإطارات المحبوسة ظلما التي سعت بقوة إلى الحصول على تعويض لإطاراتها آنذاك وورد نص لوزير العدل في جريدة الخبر بشأن إعداد نصوص متعلقة بالتعويض عن الخطأ القضائي على مستوى وزارة العدل وتبقى الخلفية الوحيدة ذات الطابع الرسمي هي توصيات اللجنة الوطنية لإصلاح العدالة التي دعت إلى تقرير مبدأ مسؤولية الدولة عن العمل القضائي وفعلا فقد تدخل المشرع الجزائري في 26 جوان 2001 بموجب القانون 01-08 المعدل لقانون الإجراءات الجزائية وقرر صراحة التعويض عن الخطأ القضائي في نص المادة 531 مكرر وما بعدها وأيضا التعويض عن الحبس المؤقت غير المبرر في نص المادة 137 مكرر.
ونشير إلى أنه لا يوجد في القضاء الجزائري ما يكرس مبدأ التعويض على أساس المساواة أمام الأعباء العامة ما عدا قرار صادر عن مجلس قضاء البلدية منح تعويض لشخص أصيب بجروح وأسس هذا التعويض على أساس المساواة أمام الأعباء العامة وتتخلص وقائع القضية في أن الضحية كان داخل ملعب بلدية البليدة أثناء مباراة رياضية إلا أنه أثناء أعمال شغب وخوفا من انتقالها إلى خارج الملعب تدخل رجال الشرطة وأطلقوا النار محاولة منهم لإخماد تلك الأفعال حفاظا على النظام العام داخل المدينة مما خلق خوف ورعب في نفوس المتفرجين الذين تزاحموا على الباب الرئيسي للملعب لأجل الخروج منه مما أصاب الضحية بكسر وجروح متفاوتة الخطورة وقد تم تعويضها على أساس أن هذه الضحية ليست الوحيدة المعنية بالمحافظة على النظام العام(1).

الفرع الثاني: عدم تبرير الحبس المؤقت.
نتعرض بالتحليل في هذا الفرع إلى مفهوم الحبس المؤقت وشروطه الإجرائية والموضوعية والجهة المختصة بإصداره أو الأمر به حتى نخلص إلى القول متى أن الحبس المؤقت يعتبر غير مبرر.
فقرة أولى: شروط الوضع في الحبس المؤقت.
يقصد بكلمة الحبس لغويا: حبس – حبسا بمعنى سجنه ومنعه وأمسكه.
حبس الشيء: وقفه فلا يباع ولا يورث بل تملك غلته ومنفعته فقط(2).
أما المفهوم الشرعي فهو تعويق الشخص، ومنعه من التصرف بنفسه حيث شاء سواء كان في بيت أو في مسجد أو كان من توكيل نفس الغريم أو وكيل عليه أو ملازمته ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم أسرا.(3)
أما بالنسبة للمفهوم الفقهي فقد إختلف أساتذة وفقهاء القانون في تعريف الحبس المؤقت تبعا لإختلاف وجهات النظر، فعرفه الأستاذ أحسن بوسقيعة بأنه سلب حرية المتهم بإيداعه في الحبس خلال مرحلة التحقيق التحضيري وهو بذلك يعد أخطر إجراء من الإجراءات المقيدة للحرية قبل المحاكمة(1) كما عرف بأنه من أخطر الإجراءات التي تتخذها سلطة التحقيق نظرا لأنه يؤدي إلى سلب حرية المتهم، بينما الأصل في سلب الحرية أنه جزاء جنائي لا يوقع إلا بمقتضى حكم قضائي بالإدانة(2) وعرفه البعض بأنه إجراء استثنائي يسمح لقضاة النيابة والتحقيق والحكم كل فيما يخصه بان يأمر بأن يودع السجن لمدة محدودة كل متهم بجناية أو جنحة من جنح القانون العام لم يقدم ضمانات كافية لمثوله من جديد أمام القضاء(3).
أما بالنسبة للمفهوم الإصطلاحي فلم تتضمن القوانين الإجرائية للدول تعريفا للحبس المؤقت غير أننا نجد المادة 110 من قانون العقوبات السويسري تنص على أنه يعد توقيفا إحتياطيا كل حبس يؤمر به خلال إجراءات التحقيق في الدعوى الجزائية بسبب إحتياجات التحقيق أو دواعي الأمن(4) بينما نجد المشرع الجزائري حدا حدو المشرع الفرنسي فلم يعرف الحبس المؤقت بل إكتفى بالنص على طابعه الإستثنائي فنص في المادة 123 ق.إ.ج. بأن الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي.
إذن بعد أن حاولنا تقديم تعريف الحبس المؤقت نقوم بعرض شروطه الإجرائية والموضوعية على النحو التالي:

أ- الشروط الإجرائية:
من منطلق أن الحبس المؤقت هو الإستثناء فقد أحاط المشرع الجزائري اتخاذه بعدة شروط يجب توافرها حتى نكون بصدد حسب مؤقت قانوني ومبرر وتتجسد شرعية وقانونية الحبس المؤقت في مراعاة الشروط الشكلية التالية:
1- تسبيب أمر الوضع في الحبس المؤقت: نصت المادة 123 مكرر ق.إ.ج على ضرورة تسبيب أمر الوضع في الحبس المؤقت لأن التسبيب يعد ضمانة للدفاع من حيث أنه يتصف بحماية أكثر فعالية للحريات الفردية فهو الذي يضمن صحة وفعالية أداء القضاء لوظيفته الرئيسية وهي تحقيق العدالة وعليه يؤسس القاضي إقتناعه خاصة إذا تعلق الأمر بإجراء خطير كالحبس المؤقت فتسبيبه يحيط حرية المتهم بسياج من الضمان ويجعل من يصدره يتروى قبل تقديره(1) ويجب أن يكون أمر الوضع مؤسسا على الأسباب المنصوص عليها في المادة 123 من ق.إ.ج وهي أن تكون إلتزامات الرقابة القضائية غير كافية وهذا في إحدى الحالات التالية:
- إذا لم يكن للمتهم موطن مستقر أو كان لا يقدم ضمانات كافية للمثول أمام العدالة أو كانت الأفعال جد خطيرة.
- عندما يكون الحبس المؤقت الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الحجج أو الأدلة المادية أو وسيلة لمنع الضغوط على الشهود أو الضحايا أو لتفادي تواطؤ بين المتهمين والشركاء والذي قد يؤدي إلى عرقلة الكشف عن الحقيقة.
- عندما يكون الحبس ضروريا لحماية المتهم أو لوضع حد للجريمة أو الوقاية من حدوثها من جديد.
- عندما يخالف المتهم من تلقاء نفسه الواجبات المترتبة عن إجراءات الرقابة القضائية المحددة لها.
2. تبليغ أمر الوضع في الحبس المؤقت: تنص الفقرة الثانية من المادة 123 مكرر من ق.إ.ج على أنه "يبلغ قاضي التحقيق الأمر المذكور شفاهة إلى المتهم وينبهه بأن له ثلاثة أيام من تاريخ هذا التبليغ لإستئنافه".
من خلال نص هذه المادة يتضح أنه يستوجب على قاضي التحقيق إذا رأى من الضروري إصدار أمر بوضع المتهم رهن الحبس المؤقت أن يبلغه له شفاهة بعد الإستجواب وأن ينبهه إلى حقه في إستئناف هذا الأمر خلال المدة المحددة قانونا ويجب أن يشار إلى هذا التبليغ.
3. تقييد مدة الحبس المؤقت: الأصل أن مدة الحبس المؤقت لا تتجاوز أربعة أشهر وبصفة إستثنائية يمكن أن تكون هذه المدة أقل أو أكثر من أربعة أشهر، وفي هذا الصدد يميز القانون بحسب طبيعة الجريمة ونوعها.
- مدة الحبس المؤقت في مواد الجنح: أشارت المادة 124 ق.إ.ج إلى أنه لا يمكن أن تتجاوز مدة الحبس المؤقت عشرون يوما في الجنح التي يكون الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها هو الحبس لمدة لا تفوق سنتين إذا كان المتهم مقيما بالجزائر ولم يسبق الحكم عليه من أجل جناية أو جنحة بعقوبة سالبة للحرية نافدة لمدة تفوق 03 أشهر.
وتكون مدة الحبس المؤقت أربعة أشهر غير قابلة للتجديد إذا كان الحد الأقصى للعقوبة المقررة قانونا هو الحبس لمدة تفوق سنتين ولا تزيد عن ثلاث سنوات وهو ما جاء في نص المادة 125 فقرة 01 ق.إ.ج أو إذا كان الحد الأقصى للعقوبة المقررة قانونا هو الحبس لمدة تتراوح بين سنتين على الأكثر وأربعة أشهر على الأقل ولم يتوافر شرط من الشروط المنصوص عليها في المادة 124 ق.إ.ج.
وتكون مدة الحبس المؤقت 08 أشهر أي أنه يجوز تحديد المدة إلى أربعة أشهر أخرى مرة واحدة إذا كان الحد الأقصى للعقوبة المقررة قانونا يزيد على ثلاث سنوات وهذا وفقا لنص المادة 125 فقرة 2 ق.إ.ج.
- مدة الحبس المؤقت في مواد الجنايات: الأصل أن مدة الحبس المؤقت في الجنايات هي 04 أشهر ويجوز لقاضي التحقيق وكذلك لغرفة الإتهام بطلب من قاضي التحقيق تمديد هذه المدة وفق الشروط التالية:
* قاضي التحقيق: لقاضي التحقيق إستنادا لعناصر الملف تمديد الحبس المؤقت بأمر مسبب وذلك على النحو التالي:
الجنايات المعاقب عليها بالسجن المؤقت من 05 إلى 10 سنوات يجوز لقاضي التحقيق تمديد الحبس المؤقت مرتين بحيث تبلغ المدة 12 شهر.
الجنايات المعاقب عليها بالسجن المؤقت من 10 إلى 20 سنة أو بالسجن المؤبد أو بالإعدام يجوز لقاضي التحقيق تمديد الحبس المؤقت 03 مرات بحيث تبلغ المدة 16 شهرا.
* غرفة الاتهام: لغرفة الإتهام تمديد الحبس المؤقت مرة واحدة لمدة 04 أشهر بطلب من قاضي التحقيق غير قابلة للتجديد بشرط أن يكون هذا التمديد بعد طلب من قاضي التحقيق ومقدم مرفوقا بالملف لغرفة الاتهام قبل أجل شهر من انقضاء مدة الحبس المؤقت وأن تأمر به غرفة الإتهام قبل نهاية الحبس المؤقت وعليه فتصبح المدة القصوى للحبس المؤقت هي 16 شهر في الجرائم المعاقب عليها بالسجن المؤقت من 05 إلى 10 سنوات و20 شهرا في الجرائم المعاقب عليها بأكثر من هذا.

ب. الشروط الموضوعية:
إضافة إلى جملة الشروط الشكلية السالفة الذكر يجب أن تتوافر الشروط الموضوعية التالية لأجل تبرير الحبس المؤقت وإضفاء الشرعية عليه.
-1عدم كفاية إلتزامات الرقابة القضائية: يستخلص هذا الشرط من نص المادة 123 من ق.إ.ج التي تنص على أنه "إذا كانت التزامات الرقابة القضائية غير كافية فإنه يمكن أن يؤمر بالحبس المؤقت".
يستفاد من هذا النص أن الحبس المؤقت يكون مبررا إذا أمر به قاضي التحقيق بعد تقديره بأن إلتزامات الرقابة القضائية غير كافية لحسن سير التحقيق، وفي هذا تأكيد على أن إجراء الحبس المؤقت هو إستثنائي وإحتياطي يؤمر به في حالة عدم جدوى إجراء الرقابة القضائية.
-2شرط الجريمة: تنص المادة 124 من ق.إ.ج. على أنه "لا يجوز في مواد الجنح إذا كان الحد الأقصى للعقوبة المقررة في القانون هو الحبس أقل من سنتين أو يساويهما أن يحبس المتهم المستوطن بالجزائر حبسا مؤقتا أكثر من عشرون يوما…"
يستفاد من نص هذه المادة أنه لا يجوز الأمر بالحبس المؤقت في جميع الجرائم وإنما في نوع معين منها وبشروط محددة.
فإذا كان هذا الإجراء ممكنا دوما في مواد الجنايات فإنه لا يجوز الأمر به في مواد المخالفات، أما بالنسبة للجنح فيجب النظر إلى العقوبة المقررة قانونا لهذه الجنحة وذلك على النحو الذي تم بيانه في الشرط الشكلي المتعلق بتقييد الحبس المؤقت بمدة تعينة.
-3 توافر الدلائل الكافية: يجب على قاضي التحقيق قبل الأمر بالحبس المؤقت أن يقدر دواعيه لأن إجراء الحبس المؤقت ليس عقابا يوقعه القضاة على الأشخاص المتهمين الذين يعتقد إجرامهم ولم يتم بعد إثبات ذلك بحكم قضائي بالإدانة وعليه فيجب توافر أدلة قوية وكافية على إرتكابه الجريمة المسندة إليه لأن كون المتهم خطير أو قادر على التأثير على الأدلة لا يبرر وحده الأمر بحبسه ما لم يثبت توافر الأدلة الكافية على إتهامه(1) غير أن التساؤل قد يطرح بشأن معرفة وتقدير هذه الدلائل من أجل القول أنها كافية أم لا وفي هذا نجد أن الدلائل تعرف بأنها الأمور التي يدل ثبوتها على توافر عناصر تكفي سندا للأمر بالحبس أو هي شبهات تحيط بالواقعة والمجرم فتؤدي إلى الإعتقاد بنسبها للمتهم على أنه مرتكب الجريمة أو ساهم فيها بطريق أو بآخر(2).
-4الإستجواب: تنص المادة 118 من ق.إ.ج. على أنه "لا يجوز لقاضي التحقيق إصدار أمر إيداع بمؤسسة إعادة التربية إلا بعد إستجواب المتهم…" يتضح من خلال هذا النص أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الأمر بحبس المتهم مؤقتا إلا بعد إستجوابه لأن الإستجواب هو عبارة عن مناقشة القاضي للمتهم حول أدلة الإتهام القائمة ضده وذلك إما بنفيها أو بالتسليم والإحتفاظ بها لأن قاضي التحقيق في ممارسة مهامه يقوم بجمع أدلة النفي وأدلة الإثبات أي لصالح وضد المتهم.

فقرة ثانية: الجهة المختصة بإصدار أمر الوضع في الحبس المؤقت:
يعد قاضي التحقيق بإعتباره الجهة التي تباشر التحقيق القضائي بحسب الأصل هو سلطة إصدار الأمر بحبس المتهم مؤقتا، غير أنه قد يصدر أمر بالحبس من جهات قضائية أخرى كقضاة الحكم أو النيابة، ولبيان هذا سنتعرض إلى كل جهة على حدة حسب الترتيب التالي:
أ -النيابة العامة: منح المشرع الجزائري سلطة إصدار أمر الوضع بالحبس المؤقت للنيابة العامة ويتضح ذلك من نص المادة 59 ق.إ.ج. المتعلقة بمرتكب الجنحة المتلبس بها الذي لا يقدم ضمانات كافية للحضور إلى جلسة المحاكمة بشرط أن تكون هذه الجنحة معاقب عليها بعقوبة الحبس ولم يكن قاضي التحقيق قد أخطر بها، ففي هذه الحالة يمكن لوكيل الجمهورية أن يصدر أمر إيداع ضد المتهم بعد إستجوابه عن هويته وعن الأفعال المنسوبة إليه.
ب -جهات التحقيق: من خلال الإطلاع على نص المادة 109 من ق.إ.ج. يتضح أنه يجوز لقاضي التحقيق إصدار أمر بحبس المتهم مؤقتا، غير أن سلطة قاضي التحقيق في إصدار هذا الأمر ليست مطلقة بل يتوقف ذلك على نوع الجريمة و جسامتها و العقوبة المقررة لها.
كما يجوز لغرفة الإتهام إصدار أمر بحبس المتهم سواء بمناسبة نظرها في القضية كجهة قضائية تتولى التحقيق في الجنايات أو كجهة استئناف تتصدى للطعون المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق، وبهذه الصفة فلها سلطة إبطال الأمر برفض حبس المتهم ويتعين عليها أن تتولى بنفسها إصدار أمر الحبس دون إلزام قاضي التحقيق بذلك وهو ما نصت عليه المادة 192 من ق.إ.ج كما يجوز لها إصدار أمر الحبس في الحالات التي تأمر فيها بإجراء تحقيق إضافي وأيضا في حالة عدم الاختصاص لحين أن ترفع الدعوى إلى الجهة القضائية المختصة وهذا بحسب نص المادة 131 من ق.إ.ج فقرة 03(1).
ج -جهات الحكم: تملك كل من المحكمة والمجلس القضائي سلطة إصدار أمر الحبس المؤقت في حالة عدم إمتثال المتهم بعد الإفراج عنه أو إذا طرأت ظروف جديدة وخطيرة، وهذا ما يستفاد من نص المادة 131 فقرة02 من ق.إ.ج. وكذلك في حالة الإخلال بنظام الجلسة إذ نصت المادة 295 من ق.إ.ج. على أنه "إذا حدث بالجلسة أن أخل أحد الحاضرين بالنظام بأية طريقة كانت فللرئيس أن يأمر بإبعاده من قاعة الجلسة وإذا حدث في خلال تنفيذ هذا الأمر أن لم يمتثل له أو أحدث شغبا صدر في الحال أمر بإيداعه السجن".
و أيضا في حالة الحكم غيابيا على المتهم بالحبس لمدة سنة فأكثر أو حالة تغيير التكييف القانوني للجريمة أو الحكم بعدم الاختصاص وهذا طبقا للمادتين 362-337 من ق.إ.ج.
كما تملك جهة قضاء الأحداث سلطة إصدار أمر بوضع الحدث الجانح في مؤسسة لإعادة التربية طبقا لنص المادة 456 فقرة02من ق .إ.ج.
وبهذا نكون قد تعرضنا بشيء من التفصيل إلى النظام القانوني للحبس المؤقت عموما وذلك نظرا للأهمية القصوى التي تكتسيها دراسة هذه النقطة بالذات للوصول إلى القول متى يعتبر الحبس المؤقت غير مبرر حسب ما ورد في نص المادة 137 مكرر وبالتالي يكون قابل للتعويض وينعقد الاختصاص للجنة التعويض وفي هذا الصدد فإن الحبس المؤقت يكون غير مبررا أو غير قانونيا وللعبارتين نفس المعنى إذا وقع إخلالا بالشروط الإجرائية أو الموضوعية أو إذا صدر عن جهة غير الجهات المختصة بإصداره وذلك حسب الحالات السالف بيانها وعليه فيكون قابل للتعويض بل مستحق له.
ونشير في هذا الصدد إلى صدور قرار عن الغرفة الجنائية بالمحكمة العليا بتاريخ 10 جانفي 1999 تحت رقم 221444 اعتبر حبس المتهم المتابع بجنحة قبل انعقاد محكمة الجنايات بموجب أمر بالقبض الجسدي حبسا غير شرعي.
إلا أننا نتوقف عند عبارة "الحبس المؤقت غير المبرر" فكلمة غير مبرر لا تصلح في رأينا في هذا المقام وذلك للأسباب التالية:
أن السلطة المختصة بإصداره عندما أمرت به إنما كان ذلك وفقا لمعطيات موجودة في ملف القضية ورأت أن هذا الإجراء هو ضروري لأجل الكشف عن الحقيقة أو سير التحقيق لاسيما وأن المشرع الجزائري كغيره من التشريعات العديدة يأخذ بمبدأ السلطة التقديرية الممنوحة للقضاة وليس بالسلطة المقيدة أين يصلح تماما هذا المصطلح وهو الرأي الذي زكاه الأستاذ مسعود شيهوب الذي يرى بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن قاضي التحقيق قد أخطأ أو أساء إستعمال سلطته التقديرية لاسيما وأن أساس المسؤولية هنا والتعويض ليس هو خطأ القاضي وليس عدم التبرير وإنما الإخلال بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة(1).

المبحث الثاني: إخطار اللجنة.
نتعرض بالدراسة في المبحث الثاني إلى إخطار لجنة التعويض في القانون الجزائري والقانون الفرنسي على حد السواء بدءا دائما بهذا الأخير لأنه السباق لهذا التعويض منذ قانون 70-643 وقد قسمناه إلى مطلبين نقوم بدراسة شروط الإخطار في المطلب الأول ثم الحالات التي يجوز فيها إخطار اللجنة ونتائج هذا الإخطار.

المطلب الأول: شروط إخطار اللجنة.
إن الهيئة المختصة بمنح التعويض في التشريع الفرنسي هي اللجنة الوطنية للتعويض التي أنشأت بموجب المادة 149-1 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي والتي أصبحت فيما بعد درجة ثانية للتعويض تتولى الفصل بصفة نهائية في قرارات التعويض الصادرة عن رئيس محكمة الاستئناف كدرجة أولى والتي أصبحت لجنة إصلاح الحبس حاليا وهو التطور الذي سنتولى دراسته بالتفصيل فيما بعد، أما في التشريع الجزائري فبعد أن كرست المادة 137 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية حق المطالبة بالتعويض عن الحبس المؤقت غير المبرر تطبيقا للنصوص الدستورية التي تتعلق بمسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي والذي يبقى في الحقيقة تطبيق جزئي لهذا النص الدستوري لأن الخطأ القضائي يشمل إضافة إلى الحبس المؤقت غير المبرر وطلبات إعادة النظر في الأحكام الجزائية الصادرة نهائيا بالإدانة ثم ظهور أو توفر حالة من حالات التماس إعادة النظر وهي ظهور الضحية عل قيد الحياة المزعوم قتله أو إدانة شاهد سبق أن ساهم بشهادته في إثبات إدانة المحكوم عليه بشهادة الزور أو حالة تناقض الأحكام أو ظهور وقائع جديدة أو تقديم مستندات كانت مجهولة من قبل، فهو يشمل الحجز تحت النظر أيضا، فقد نصت المادة 137 مكرر 01 على أنه يمنح التعويض المنصوص عليه في المادة 137 مكرر أعلاه بقرار من لجنة تنشأ على مستوى المحكمة العليا تدعى "لجنة التعويض" والمسماة في هذا القانون اللجنة.
وبالتالي فإن الجهة القضائية المختصة بنظر طلبات التعويض هي لجنة التعويض التي يتم إخطارها من طرف الشخص الذي كان محل حبس مؤقت غير مبرر أثناء متابعة جزائية إنتهت في حقه بصدور قرار نهائي بألا وجه للمتابعة أو بالبراءة متى ألحق به هذا الحبس ضررا ثابتا ومتميزا وهما اللجنتان اللتان نتعرض إلى شروط إخطارهما الإجرائية في الفرع الأول ثم الشروط الموضوعية في الفرع الثاني.

الفرع الأول: الشروط الإجرائية.
هذه الشروط تتمثل في مجموعة شروط إجرائية تتعلق بالعريضة المقدمة لأجل التعويض وميعاد تقديمها وبدء نشير إلى أن جملة هذه الشروط لم تكن محل تعديل منذ صدور القانون 70-643 ونتعرض لها فيما يلي:
-عريضة التعويض: من خلال نص المادة R26 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي (القسم التنظيمي الصادر بالمرسوم 78-50 المؤرخ في 09 جانفي 1978) يتضح أن اللجنة تخطر بعريضة موقعة من مقدم الطلب، تودع هذه العريضة أو ترسل إلى أمين اللجنة الذي يقوم بقيدها والذي يصدر إيصالا مقابل تسلمه العريضة يسلمه لمقدمها العريضة ويجب أن تتضمن العريضة الوقائع وكل المعلومات اللازمة لاسيما:
• تاريخ وطبيعة القرار الذي أمر بالوضع في الحبس المؤقت وكذا المؤسسة العقابية التي نفد فيها هذا الحبس.
• الجهة القضائية التي أصدرت القرار بألا وجه للمتابعة أو البراءة أو التسريح وكذلك تاريخ صدور هذا القرار.
• طبيعة و مقدار الضرر الذي لحق بالطالب من جراء الحبس المؤقت.
• العنوان الذي يتم فيه التبليغ إلى مقدم الطلب.
كما ترفق هذه العريضة بكل الوثائق المثبتة وأخيرا يجب أن تقدم هذه العريضة في ثلاث نسخ لأجل أن ترسل نسخة إلى العون القضائي للخزينة للإطلاع والرد عليها ونسخة ثانية للنائب العام لدى محكمة النقض والنسخة الأخيرة تبقى لدى اللجنة.
وهذه هي الإجراءات نفسها التي بقيت متبعة أمام الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف بعد أن أصبح التعويض يتم على درجتين بموجب قانون 15 جوان 2000 ماعدا بعض التغييرات الطفيفة تماشيا مع هذا النظام الجديد للتعويض، فقد أحالت المادة 149-4 من قانون الإجراءات الجزائية بعد تعديلها بالقانون 2000-516 السالف الذكر إلى التنظيم لتحديد هذه الإجراءات والتي صدرت في المواد من R29 إلى R40-3 من قانون الإجراءات الجزائية، بموجب المرسوم 2000-1204.
من حيث العريضة فهي نفسها يتم تقديمها إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الذي توجد بدائرة إختصاصه الجهة القضائية التي أصدرت قرار البراءة أو بألاوجه للمتابعة ونشير إلى أنه يمكن لمقدم العريضة وكذلك للعون القضائي للخزينة الاستعانة بمحامي وقد أجازت المادة R29 للمدعي الحصول على نسخة من ملف الإجراءات بدون مصاريف كما أجازت لمحاميه الإطلاع على الملف لدى كاتب الضبط بمحكمة الاستئناف وكذلك للعون القضائي للخزينة.
-ميعاد تقديم العريضة: هذا الميعاد حددته المادة 149-2 من قانون الإجراءات الجزائية التي نصت على أن اللجنة تخطر بعريضة خلال ستة أشهر من صدور قرار ألا وجه للمتابعة أو البراءة أو التسريح الذي أصبح نهائيا ثم بعد هذا المادة R28 بعد أن أصبح التعويض يتم على درجتين .
بالنسبة للمشرع الجزائري فقد أخذ بنفس الإجراءات السالفة الذكر للتشريع الفرنسي فقد نصت المادة 137 مكرر 4 على أن تخطر اللجنة بعريضة في أجل لا يتعدى ستة أشهر إبتداء من التاريخ الذي يصبح فيه القرار القاضي بألا وجه للمتابعة أو البراءة نهائيا.
هذه العريضة تودع لدى أمين اللجنة الذي يسلم إيصالا لمقدمها بذلك ويجب أن تكون موقعة من طرف المدعى أو من طرف محامي معتمد لدى المحكمة العليا ويجب أن تتضمن وقائع القضية وجميع البيانات الضرورية لاسيما:
• تاريخ طبيعة القرار الذي أمر بحبس المتهم مؤقتا وكذلك المؤسسة العقابية التي نفذ فيها.
• طبيعة وقيمة الأضرار المطالب بها.
• عنوان المدعى الذي يتلقى فيه التبليغات.
يتضح جليا من خلال نص هذه المادة أن الشروط الشكلية التي نصت عليها هي نفسها الموجودة في التشريع الفرنسي كما سلف القول إلا أننا نتساءل عن جملة من الأفكار الغامضة التي وجدت في فرنسا والتي نقلها المشرع الجزائري وتتعلق بما يلي:
إن تاريخ تقديم العريضة هو ميعاد ستة أشهر من تاريخ صيرورة القرار بألا وجه للمتابعة أو بالبراءة نهائيا وهنا كان ينبغي أن نبدأ حساب الميعاد من تاريخ تبليغ القرار الذي أصبح نهائيا وليس من تاريخ صيرورته نهائيا، فمقدم عريضة التعويض بعد فوات هذا الأجل الذي لم يبلغ بالقرار القاضي بألا وجه للمتابعة أو بالبراءة يجابه بعدم قبول عريضته لورودها خارج الأجل المحدد قانونا رغم أنه لم يبلغ أصلا.
وكذلك الشأن فيما يخص إمكانية تمثيل المدعى بمحامي فالتشريع الفرنسي لم يشترط أن يكون هذا المحامي معتمدا لدى محكمة النقض في حين نجد أن المشرع الجزائري قد وضع هذا الشرط الذي لا نجد مبرر له ففي الوقت الذي يسمح فيه المشرع الفرنسي للمدعي بالإستعانة حتى بمدافع أو كيل خصومة نجد المشرع الجزائري يشترط كون المحامي مقبول لدى المحكمة العليا وهو الشيء الذي لم نجد له تفسيرا فإذا قلنا بضرورة التقاضي أمام المحكمة العليا بواسطة محامي معتمد لديها وفقا للقواعد العامة فإن نص المادة 137 مكرر 04 يمنح للمدعي حق اللجوء وتوقيع العريضة بنفسه ودون محامي أصلا.

الفرع الثاني: الشروط الموضوعية.
إضافة إلى جملة الشروط الإجرائية السالفة التحديد في الفرع الأول هناك شروط موضوعية يجب توافرها لأجل إخطار الجهة المختصة بالتعويض وهي الشروط التي سنراها في هذا الفرع بدءا بالتشريع الفرنسي الذي عرف تطورا ملحوظا وكبيرا في أهم شرط من الشروط التي كان يحددها قانون 1970 وهو شرط الضرر الناجم عن الحبس المؤقت ثم نتعرض إلى هذه الشروط في التشريع الجزائري وهذا على النحو التالي؛
إن نظام التعويض الذي وضع بموجب القانون 70-643 حدد ثلاثة شروط للتعويض أحد هما عدل سنة 1996 بموجب القانون 96-1235 وهي:
- صدور أمر بالوضع في الحبس المؤقت: ومفاد هذا الشرط أن حق المطالبة بالتعويض يكون للشخص الذي صدر في حقه أمر بالوضع في الحبس المؤقت وبالتالي فإن الأمر لا يعني الأشخاص الموقوفين للنظر وفقا لإجراءات الحجز للنظر على مستوى الضبطية القضائية كما أن الأمر لا يتعلق بالأشخاص الذين كانوا محل أمر بالقبض ونفذ عليهم.
- صدور قرار بألا وجه للمتابعة أو بالبراءة أو التسريح: ومفاد هذا الشرط في الحقيقة واضح ويتعلق بصدور قرار بألا وجه للمتابعة أو صدور قرار نهائي بالبراءة أو بالتسريح من جهة الحكم.
- وجوب تضرر الشخص من جراء وضعه رهن الحبس المؤقت: نشير في البداية إلى أن هذا الشرط كان محل تعديل، فمع ميلاد قانون 70-643 كان المشرع الفرنسي يشترط أن يكون الضرر الذي يلحق بالشخص الذي كان محلا لأمر الوضع بالحبس المؤقت ضررا جسيما وغير عادي وهذا تماشيا مع أساس المسؤولية التي تقوم على المساواة أمام الأعباء العامة لأن هذه المسؤولية غير خطئية تقوم على الضرر الجسيم وغير العادي والذي يستلزم قيام المسؤولية لتغطيته، كما أن عبء إثبات هذا الضرر الجسيم وغير العادي يقع على المدعي، وهذا الشرط نصت عليه المادة 149 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي قبل تعديلها سنة 11996 بموجب القانون 96-1235 حيث ألغيت عبارة
« Préjudice manifestation anormal et d'une particulière gravite »
وأصبح النص يكتفي فقط بإصابة المحبوس مؤقتا بضرر على أن يخضع تقدير هذا الضرر إلى الجهة القضائية المختصة بالتعويض.
نستخلص من هذا التعديل مدى حرص المشرع الفرنسي على مسايرة التطور الحاصل في ميدان حقوق الإنسان وذلك بإيمانه الكبير بأن القضاة ليسوا معصومون عن الخطأ.
هذا إضافة إلى علاقة السببية بين الضرر الذي لحق الشخص والحبس المؤقت، فالمدعي هنا يقع عليه إثبات أن الضرر الذي لحقه هو جراء الحبس المؤقت.
أما في التشريع الجزائري فتبقى نفسها الشروط الموضوعية السالفة الذكر حيث يستوحى ذلك من نص المادة 137 مكرر من ق.إ.ج. وهذه الشروط يمكن حصرها في:
- صدور أمر بالوضع في الحبس المؤقت: ومقتضاه أن يستفيد من التعويض بموجب هذا القسم الشخص الذي كان رهن الحبس المؤقت فقط وعليه فإن الأمر لا يشمل الأشخاص الموقوفين للنظر ولا الذين كانوا محل أوامر بالقبض رغم أن هذا يدخل أيضا ضمن المفهوم الواسع للخطأ القضائي ولهذا قلنا أن المشرع الجزائري طبق النصوص الدستورية جزئيا فقط والمتعلقة بمسؤولية الدولة عن الخطأ القضائي وهو الشيء الذي يعاب عليه إذ كان من المفروض عليه أن يضمن حرية الأشخاص أثناء مرحلة التحريات الأولية ونفس الشيء بالنسبة للذين يصدر ضدهم أمر بالقبض لأنه الأكيد أنه بمجرد القبض عليه فإنه يساق إلى مؤسسة إعادة التربية.
- أن يكون الأمر بالوضع في الحبس المؤقت غير مبرر: ويبقى هذا الشرط هو حجر الأساس لبحثنا، فبعد أن تطرقنا في المبحث الأول إلى الشروط الإجرائية والموضوعية للحبس المؤقت وكذلك للجهة المختصة بإصداره خلصنا إلى القول أنه كلما إختل شرط إجرائي أو موضوعي أو كان أمر الوضع في الحبس المؤقت صادر عن جهة قضائية غير مختصة بإصداره يكون هذا الحبس غير مبرر وعليه نقول أن المشرع الجزائري أشترط أن يكون الحبس المؤقت غير مبرر حتى يترتب للشخص الحق في التعويض.
وفي هذا فإننا نرى أن إستعمال المشرع لمصطلح غير مبرر جاء في غير محله لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال القول أن القاضي قد أخطأ أو أن الحبس الذي أمر به كان غير مبررا لأن هذا الأخير عندما أمر بهذا الإجراء فإنما كان ذلك استنادا إلى معطيات وعوامل معينة لا سيما وأن المشرع الجزائري يمنح القضاة السلطة التقديرية وعليه بموجب هذه السلطة التقديرية فإنه يتسنى لقاضي التحقيق كأصل عام ولكل جهة قضائية مختصة أن تأمر بإجراء الحبس المؤقت بشرط أن يكون موافقا لجميع الشروط المتعلقة به والسالفة الشرح ونقول أن هذا الكلام كان ممكن أن يصح لو أن المشرع الجزائري يأخذ بالسلطة المقيدة للقضاة.
- صدور أمر بألاوجه للمتابعة أو بالبراءة: لقد منح المشرع الجزائري لقاضي التحقيق الحق في إصدار أمر بألا وجه للمتابعة إذا رأى أن الوقائع لا تكون جناية أو جنحة أو مخالفة أو أنه لا توجد دلائل كافية ضد المتهم وذلك من خلال نص المادة 163 من ق.إ.ج ونفس الحق منحه لغرفة الاتهام وهذا طبقا لنص المادة 195 من نفس القانون وكذلك بالنسبة لصدور حكم أو قرار نهائي بالبراءة من جهات الحكم وهنا نلاحظ الفرق بين المشرع الجزائري والفرنسي الذي يأخذ بنظام التسريح الذي لا يعرفه القانون الجزائري الذي يكرس البراءة فقط.
وعليه فبعد أن يصدر أمر الحبس ويكون غير مبرر ثم يصدر أمر أو قرار بألا وجه للمتابعة أو حكم أو قرار نهائي بالبراءة فإنه يحق للشخص المطالبة بالتعويض أمام لجنة التعويض عن الحبس المؤقت.
- تضرر الشخص من جراء وضعه في الحبس المؤقت: لقد إشترط المشرع الجزائري أن يتضرر الشخص من جراء الحبس المؤقت وأن يكون هذا الضرر ثابت ومتميز إضافة إلى علاقة السببية بين الضرر والحبس المؤقت.
وبهذا نكون قد إنتهينا من حصر الشروط العامة للحبس المؤقت في التشريعين الجزائري والفرنسي لننتقل لدراسة الحالات التي يجوز فيها إخطار اللجنة ونتائج هذا الإخطار.

المطلب الثاني: الحالات التي يجوز فيها إخطار اللجنة ونتائج الإخطار.
تخطر لجنة التعويض المنشأة بموجب المادة 137 مكرر 01 في حالتين:
الحالة الأولى وهي المنصوص عليها في المادة 531 مكرر والمتعلقة بالتعويض عن الخطأ القضائي بمفهوم المادة 531 من قانون الإجراءات الجزائية والمتعلقة بطلبات إعادة النظر في الأحكام الجزائية أين يمكن للمحكوم عليه المصرح ببراءته أو لذوي حقوقه بعد أن تمت إدانته من قبل أن يتحصل على تعويض عن الأضرار المادية والمعنوية التي سببها له حكم الإدانة، ويتم منح هذا التعويض من طرف نفس لجنة التعويض المختصة بتعويض الحبس المؤقت غير المبرر.
إن طلبات إعادة النظر في الأحكام الجزائية الصادرة بالإدانة يجب أن تؤسس على الحالات المذكورة في نص المادة 531 من ق.إ.ج. وهي:
1. إما على تقديم مستندات بعد الحكم بالإدانة في جناية قتل يترتب عليها قيام أدلة كافية على وجود المجني عليه المزعوم قتله على قيد الحياة.
2. إذا أدين بشهادة الزور ضد المحكوم عليه شاهد سبق وأن ساهم بشهادته في إثبات إدانة المحكوم عليه.
3. إدانة متهم آخر من أجل إرتكاب الجناية أو الجنحة نفسها بحيث لا يمكن التوفيق بين الحكمين.
.4كشف واقعة جديدة أو تقديم مستندات كانت مجهولة من القضاة الذين حكموا بالإدانة مع أنه يبدو منها أن من شأنها التدليل على براءة المحكوم عليه.
ونشير بإختصار إلى إجراءات تقديم طلبات إعادة النظر بحيث يرفع الأمر إلى المحكمة العليا لتفصل في الطلب مباشرة إما من وزير العدل أومن المحكوم عليه أو ذوي حقوقه وهذا في الحالات الثلاثة السالفة الذكر أما بشأن الحالة الرابعة فإن الطلب يقدم من طرف النائب العام لدى المحكمة العليا فقط متصرفا بناء على طلب وزير العدل.
وبعد قبول الطلب يتم تعيين مستشار مقرر يتولى دراسة الملف و إتخاذ جميع إجراءات التحقيق لتفصل المحكمة العليا برفض الطلب أو بقبوله وتقضي ببطلان حكم الإدانة.
أما الحالة الثانية التي تخطر فيها لجنة التعويض فهي التي تهمنا في بحثنا هذا والتي تم التطرق إليها والمتعلقة بطلبات التعويض عن إجراء الحبس المؤقت غير المبرر بعد صدور أمر أو قرار بألا وجه للمتابعة أو بالبراءة ويبقى من الضروري توافر الضرر أي أن يتضرر الشخص من هذا الإجراء لكي يمكن إخطار اللجنة ونظرا لأهمية هذا الشرط فقد خصصنا له فرع لدراسته بشيء من التفصيل في التشريعين الفرنسي والجزائري.

الفرع الأول: توافر عنصر الضرر وشروطه.
عرف عنصر الضرر كشرط من شروط إخطار لجنة التعويض في التشريع الفرنسي تطورا ملحوظا ذلك أن قانون 17 جويلية 1970 وضع في شكل شرط للتعويض أن يثبت المتهم أن الحبس المؤقت قد سبب له ضررا غير عادي وذو خطورة إستثنائية وفي الحقيقة فإن صور هذا الضرر المتمثلة في كونه "غير عادي وذو خطورة إستثنائية" هي عبارة عن الضرر الذي يرتب المسؤولية غير الخطئية في القانون الإداري والتي تم إعارة مبادئها للوصول إلى مسؤولية الدولة عن العمل القضائي.
ويبقى إثبات هذا الضرر على عاتق المدعى في دعوى التعويض فإذا لم ينجح في إثبات هذا الضرر رفضت اللجنة دعواه وأمام الإنتقادات الكبيرة التي وجهت لهذا الشرط فقد تدخل المشرع الفرنسي سنة 1996 بموجب القانون 96-1235 وعدل هذا الشرط بحيث أصبح بإمكان المدعى الحصول على التعويض بمجرد تضرره من الحبس المؤقت دون ضرورة إثبات أن هذا الضرر غير عادي وذو خطورة إستثنائية وهو في الحقيقة تطور كبير بحيث أصبح التعويض عن الحبس المؤقت غير المبرر في التشريع الفرنسي تلقائي أي أنه يترتب كحق للشخص بمجرد صدور ضده أمر بالوضع رهن الحبس المؤقت غير مبرر، وعليه فقد أصبح التعويض حق وليس منح أو ضريبة تقدم للمدعي وأصبح الضرر بكل أنواعه مستحق للتعويض سواء كان ماديا أو معنويا وهكذا فقد أصبح الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف وكذا لجنة التعويض ملزمين بتقدير قيمة التعويض عن الضرر المادي وعن الضرر المعنوي كلٍ على استقلال.
ويعتبر هذا التطور الحاصل في التشريع الفرنسي تكريس لقرينة البراءة وتدعيم للتطور الحاصل في ميدان حقوق الإنسان.
أما في التشريع الجزائري فإن نص المادة 137 مكرر من ق.إ.ج تنص على أنه يمكن أن يمنح للشخص تعويض إذا ألحق به الحبس ضررا ثابتا ومميزا.
الغموض قد ساد هذا النص؛ ذلك أن الباحث في هذه المادة يجد نفسه أمام عبارتين مبهمتين للغاية، فما معنى الضرر الثابت فهل هناك ضرر متحرك أو متغير وما معنى الضرر المتميز فهل هناك ضرر غير متميز وماهو المعيار الواجب الاستعمال للقول بأن هذا الضرر متميز وذلك غير متميز، ويبقى في رأينا أن المشرع لم يوفق تماما في إستعمال المصطلحات فقد كان قبولنا للنص يكون بأقل شدة لو أنه أخذ أحكام التعويض من حيث بدأ القانون الفرنسي بحيث يأخذ بالضرر غير العادي وذو الخطورة الإستثنائية دون أخذ بعين الاعتبار التطور الحاصل في مجال الضرر على النحو السالف الذكر، غير أنه إبتعد كثيرا عن هذا وأخذ بالضرر الثابت والمتميز وهو الذي لا نجد له تفسيرا وفي هذا فإن المشرع الجزائري مدعو لتعديل نص المادة 137 مكرر لتغيير هاتين العبارتين في أول الأمر أو إلغائهما كلية مسايرة للتشريع المقارن.

الفرع الثاني: النتائج المترتبة عن الإخطار.
إن النتيجة المترتبة عن إخطار اللجنة هي أنها تختص بالنظر في طلب التعويض وإذا تم قبوله فإن ذلك يؤدي إلى منح تعويض للشخص تتحمله الخزينة العمومية.
ونشير إلى كيفية تقدير التعويض فكون جهة التعويض هي جهة مدنية فإن مسألة تقدير التعويض تخضع للمبادئ العامة في القانون المدني أي أن التعويض يخضع للسلطة التقديرية للقضاة أعضاء اللجنة وهي مسألة موضوعية تتعلق بصفة الشخص ووضعيته ومكانته ودوره الإجتماعي و أيضا المدة التي قضاها في الحبس.
ويثور التساؤل حول مدى إمكانية طلب تعيين خبير للقول بالضرر الذي لحق الشخص ومبلغ التعويض الذي يستحقه خاصة إذا تصورنا أن هذا الشخص مثلا يزاول عملا تجاريا كبيرا وقد أمضى مدة سنة رهن الحبس المؤقت فيطلب تعيين خبير لحساب ما كان يمكنه الحصول عليه من أرباح خلال تلك السنة في تجارته.
ويبقى هذا التساؤل بغير جواب في التجربة الحديثة الجزائرية للتعويض غير أنه في فرنسا فإن المطالبة بتقدير مبلغ التعويض عن طريق الخبرة أمر جائز، فالفقرة 02 من المادة 149 من ق.إ.ج إجازت للمدعي طلب تعيين خبير لإجراء تقويما شاملا لحجم الأضرار التي لحقت به وهذا أيضا أعتبره تطورا مهما قصد الوصول إلى تعويض الشخص تعويضا عادلا ومنصفا.
وبهذا نكون قد أنهينا دراسة إخطار اللجنة والأحكام العامة لهذا الإخطار، فبعد أن قلنا أنه كلما اختل أحد الشروط الإجرائية أو الموضوعية للحبس المؤقت أعتبر حبسا غير مبررا و انعقد إختصاص لجنة التعويض بنظر طلبات التعويض إذا توفرت شروط الإخطار أيضا الإجرائية والموضوعية فإننا نتساءل عن نقطة مهمة قبل قفل باب الدراسة في بحثنا هذا في جانب الاختصاص وهي تتعلق بجعل لجنة التعويض في التشريعين الفرنسي والجزائري تابعة لمحكمة النقض والمحكمة العليا الجزائرية رغم أن الدولة ممثلة في وزير العدل طرف في النزاع، فتطبيقا للمعيار العضوي المنصوص عليه في المادة السابقة من قانون الإجراءات المدنية كلما كانت الدولة طرفا في النزاع كان النزاع إداريا يخضع لإختصاص القضاء الإداري وتطبق قواعد القانون الإداري، غير أنه في دراستنا هذه يتضح أن الدولة هي طرف غير أن اللجنة تابعة للمحكمة العليا ولها طابع مدني بصريح النص وتبقى الدراسة مفتوحة في هذا الشأن وما يمكن قوله مبدئيا هو أن نص المادة 137 مكرر من ق.إ.ج هو إستثناء جديد وارد على نص المادة 07 من ق.إ.م.



الفرع الثالث:تقدير التعويض:
ورد في نص المادة 137 مكرر أنه يتم تعويض الشخص عما لحقه من ضرر ثابت و متميز.
و الملاحظ هو أن عبارة "ضرر" وردت بصفة عامة فلم تحدد لا الضرر المادي و لا المعنوي عكس المشرع الفرنسي الذي ينص صراحة على ضرورة تعويض الشخص عن الضرر المعنوي الذي يصيبه ويكون هذا التعويض مستقلا و منفصلا عن التعويض الخاص بالضرر المادي .
في التشريع الجزائري إذا و مع عمومية النص فلا يوجد ما يمنع اللجنة من تعويض الضرر المعنوي بل أن مباديء العدالة تفرض تعويض جميع أجه الضرر.
إن الضرر هو بذاته مناط تقدير التعويض و محله و الضرر نوعان ماديا و معنويا؛ المادي هو ما يصيب الشخص من ضرر يؤدي إلى المساس بجسمه أو ماله أو إنقاص حقوقه المالية أو بتفويت مصلحة مشروعة له تقدر فائدتها ماليا(1) من خلال هذا التعريف يبدو أن للضرر المادي و جهان أولهما يصيب الإنسان في سلامة جسمه و حياته و يعرف بالضرر الجسدي و الثاني يمس بحقوقه أو مصالحه المالية فيكون له إنعكاس على ذمته المالية و عليه فإن وضع الشخص رهن الحبس المؤقت يسبب له الوجه الثاني من أوجه الضرر المادي بمعنى أنه لا يصيبه في جسمه لأن الدولة مسؤولة عن سلامة المحبوسين بل يصيبه في ذمته المالية إذ أنه يعطله عن عمله بل يفقده إياه تماما و بالتالي فإن هذا الأخير يترك عائلته دون عول لإنعدام الدخل المالي كما أنه يتسبب في إفتقار ذمته المالية و لهذا فإن تعويضه يتم على هذا الأساس.
أما النوع الثاني فهو الضرر المعنوي و هو كل ضرر يمس الشخص في شعوره و كرامته و أحاسسه.
أما بالنسبة لتقدير التعويض فإن القانون لم يحدد معايير تقديره و لذلك فإن اللجنة ملزمة بمراعاة المعايير التي يقوم عليها التعويض وفقا للقواعد العامة و منها أن يكون الضرر اللاحق بالشخص مباشر و محقق و شخصي و أن يشمل ما لحقه من ضرر و ما فاته من كسب مع مراعاة مركز المحبوسين إجتماعيا و مكانتهم و مناصبهم و سمعتهم.
فالإطار السامي للدولة الذي يحبس مؤقتا لا يكون تعويضه بقدر تعويض معتاد الإجرام الذي لا يقوم بأي نشاط كما أن المحبوس الذي يترك ورائه عائلة متكونة من عشر أفراد ليس شأنه شأن الآخر الذي لا يترك عائلة و أخيرا نقول أنه يبقى لأعضاء اللجنة كامل السلطة في تقدير التعويض و منح الشخص تعويضا عادلا و منصفا.
شارك المقال

0 تعليق:

إرسال تعليق

ابحث في هذه المدونة