مدونة القوانين الوضعية مدونة تهتم بجمع المعرفة القانونية وتقريبها الى الباحث أو طالب كلية القانون أوالحقوق سواء من أجل تحضير بحث أو توسيع معارفه القانونية

بحث جوجل

3/15/2018

حجية البصمة الوراثية في قضايا النسب والقضايا الجنائية

المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الصادق الأمين وبعد:
فان مايتميز عصرنا الراهن بالتطور المذهل لا سيما في المجال البيولوجي وقدرته علي استحداث تقنيات في المعرفة العلمية إذ تمت في السنوات الأخيرة ثورة هائلة كان سببها التطور البيولوجي الذي ساير التطور التكنولوجي، انجرت عنها تقدمات سريعة. هذه الأخيرة فتحت مجالات واسعة لقضايا لم تشهدها البشرية من قبل وكذلك أحدثت تغيرا في ممارسة الطب كتلك المتعلقة بالإرث البيولوجي للكائنات.و كان التراث الجيني مجال جدل عالمي حول مشروعية التقنيات الوراثية.
و لقد تطور علم البصمات تطورا مذهلا فلم تقتصر البصمة علي أصابع اليد فقط بل توصل علماء الأدلة الجنائية إلي التعرف علي الشخص من بصمات عينيه وأذنيه وأسنانه ولا يزال علم البصمات يتقدم بسرعة مذهلة من أجل الوصول إلي تحقيق المطابقة بين الحقيقة الواقعية والقانونية تحقيقا للعدالة.
حتى أن التقدم العلمي كشف خصائص أخرى قد تكون أسهل وأدق وأشد حسما من جميع البصمات السابقة. ولعل البصمة الوراثية أصبحت الآن اشهر هذه الخصائص من أجل التعرف علي هوية الشخص ومن ثمة التوصل إلي معرفة مقترفي الجرائم وإلحاق نسب الأبناء بآبائهم.
و تستعمل ألـADN في حل الكثير من القضايا وذلك لارتباطها المباشر بالإفرازات الجسمية التي تختلف من الجناة أو المجني عليهم ولذلك فقد أولى الكثير من الخبراء الجنائيين اهتمامات كبيرة لتطويراساليب فحص الآثار البيولوجية، حيث تمكن من تطبيق ألـADN وإثبات أن هناك بعض الأجزاء من هذه الأحماض النووية تكون فريدة لكل شخص والذي لم يعد معه ربط الجاني بمسرح الجريمة حلما وإثبات البنوة أمرا مستحيلا.
و نظرا لهذا تظهر أهمية ألـ ADN في القضايا الجنائية، حيث يمكن بواسطتها التوصل إلي إثبات ذاتية الأثر بشكل قطعي في معظم الحالات وكذلك التوصل إلي درجات إثبات عالية لتحديد ذاتية الأثر.ولقد راى الباحث ان هذا الموضوع كثير التشعب لذا حاول الاقتصار الاختصار على موضوع الحجية في قضايا النسب والقضايا الجنائية في ضوء الفقه الاسلامي والقانون والقضاء المقارن، كونها احد الادلة الحديثة، تاركا للقارىء الاطلاع والارتشاف من المؤلفات التي اطنبت في موضوع البصمة بشكل عام.
تساؤلات أو فرضيات البحث:
ما موقف القانون والقضاء المقارن من البصمة الوراثية في الإثبات؟ وما موقف القانون والقضاء اليمني منها؟
ماهو الأساس التشريعي الذي يعتمد عليه القاضي لتكريس تقنية أل ADN كدليل إثبات قانوني؟
و ما مدى حجية البصمة الوراثية في الإثبات وهل يجوز للقاضي أن يكتفي بقرينة البصمة الوراثية كدليل للإثبات دون بقية القرائن الأخرى؟
منهجية البحث:
استخدم الباحث كلا من النهج ألاستردادي التكويني (التاريخي) لمرفة الموضوع في الدراسات الفقهية والقانونية، وأما المنهج المقارن فقد استخدمه الباحث لبيان الذاهب الفقهية في الفقه الإسلامي والقانوني المقارن والاجتهاد القضائي، لكي تتم الرؤية واضحة العيان، فضلا عن المنهج التحليلي للمذاهب الفقهية والقانونية، وذكر الشواهد والأدلة من الأحكام الصادرة عن القضاء ذات الصلة بها الموضوع.
سبب اختيار البحث:
و لعل ما دفعنا إلي اختيار هذا البحث جملة من الدوافع منها:
1- إن ظهور ألـADN والإعتداد به كدليل لا سيما في المجال الجنائي يعد نقلة نوعية في مجال الإثبات .
2- غياب الدراسات الفقهية والقانونية حول هذا الموضوع علي الساحة العربية والوطنية وعدم مسايرة المشرع للتطور العلمي الحاصل في هذا المجال.
3- نتائج الأبحاث العلمية أثبتت نجاعتها علي جميع المستويات الطبية والبيئية والاقتصادية ناهيك علي المجال القانوني.

خطة البحث:
وقسم هذا البحث الى مبحث تمهيدي وثلاثة فصول وخاتمة
الفصل الاول: البصنة الوراثية بين الشريعة والقانون
المبحث الاول: التكييف الفقهي والقانوني للبصمة الوراثية
المبحث الثاني: القيمة الثبوتية للبصمة الوراثية
المبحث الثالث: ظواب وشروط استخدام البصمة الوراثية في الاثبات
الفصل الثاني: مدى حجية البصمة الوراثية في قضايا النسب
المبحث الاول اثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية
المبحث الثاني اثبات ولد الزنا بالبصمة الوراثية
المبحث الثالث تحقيق الهوية بالبصمة الوراثية
الفصل الثالث: مدى حجية البصمة الوراثية في القضايا الجنائية
المبحث الاول: اثبات جرائم الحدود بالبصمة الوراثية
المبحث الثاني: اثبات جرائم القصاص بالبصمة الوراثية
المبحث الثالث: اثبات جرائم التعازير بالبصمة الوراثية
المبحث الرابع:المشاكل والصعوبات التي تواجه استخدام البصمة الوراثية كدليل اثبات

مبحث تمهيدي
مفهوم البصمة الوراثية
حاولت أن اذكر في هذا المبحث نبذة مختصرة عن البصمة الوراثية كمقدمة لما تتناوله الدراسة وسوف اقتصر على تعريف البصمة الوراثية وخصائصها، ثم اتناول مراحل اكتشافها ثم اختتم بذكر اهمية البصمة في الاثبات المدني والجنائي تاركا للقارىء الرجوع اذا اراد التوسع للمراجع المطولة.

المطلب الأول
تعريف البصمة الوراثية وخصائصها
أولا: التعريف بالبصمة الوراثية:
أ: التعريف اللغوي للفظ (البصمة)
البصمة مشتقة من البُصْم وهو: فوت ما بين طرف الخنصر إلي طرف البنصر يقال ما فارقتك شبراً، ولا فتراً، ولا عتباً، ولا رتباً، ولا بصماً. ورجل ذو بصم أي غليظ البصم ( )
وبصم بصماً: إذا ختم بطرف إصبعه، والبصمة أثر الختم بالإصبع ( ).
فالبصمة عند الإطلاق ينصرف مدلولها علي بصمات الأصابع وهي: الانطباعات التي تتركها الأصابع عند ملامستها سطحها مصقولاً، وهي طبق الأصل لأشكال الخطوط الحلمية التي تكسو جلد الأصابع وهي لا تتشابه إطلاقاً حتى في أصابع الشخص الواحد.
ب: التعريف الفقهي:
البصمة الوراثية تقنية علمية جديدة، وكثيراً ما نجد الذين كتبوا في هذا الموضوع يركّزون على الجانب العلمي المتعلق بها ويُغفلون تعريفها، وبعد البحث عن تعريف دقيق لها، وجدتُ محاولات جادة في تعريفها:
التعريف الأول:"البصمة الوراثية البنية الْجِينِيَّة التفصيلية التي تدل على هُوية كل فرد بعينه( ).
التعريف الثاني::"مركب كيميائي ذو شِقَّيْنِ؛ بها ينفرد كل إنسان عن غيره"( ).
التعريف الثالث:"البصمة الوراثية في اصطلاح العلماء: يُقصد بها تحديد هُوية الإنسان عن طريق جزء أو أجزاء من حمض DNA الحمض المتمركز في نواة، أي: خلية من خلايا جسمه"( ).
التعريف الرابع:"هي المادة المورثة، الموجودة في خلايا جميع الكائنات الحية، وهي مثل تحليل الدم أو بصمات الأصابع، أو المادة المنوية، أو الشعر، أو الأنسجة؛ تبيِّنُ مدى التشابه والتماثل بين شيئين أو الاختلاف بينهما"( ).
التعريف الخامس:"المقصود ببصمة الجينات، هو الاختلافات في التركيب الوراثي لمنطقة الأنترون، وينفرد بها كل شخص تماماً وتورث"( )
والمقصود بمنطقة الأنترون هنا المنطقة التي تظهر عليها الاختلافات، وهي مكان من الحمض النووي تظهر فيه هذه الاختلافات؛ لأن 99.9 % من الحامض النووي متماثل عند كل الناس، بينما يقع الاختلاف بين الأفراد في 0.1 % منه فقط( ).
ج- التعريف العلمي:
لقد تعددت التعريفات للبصمة الوراثية من الناحية العلمية، ويمكننا حصر هذه التعريفات الى اربعة:
التعريف الأول: وهي النمط الوراثي المتكون من التتابعات المتكررة خلال الحمض النووي A.D.N، مجهول الوظيفة، وهذه التتابعات تعتبر فريدة ومميزة لكل فرد، ولم تتماثل في شخصين بعيدين وانمافي التعوئم المتطابقة( ).
التعريف الثاني: (الحامض النووي عبارة عن بصمة جينية لا تتكرر من إنسان إلي آخر بنفس التطابق، وهي تحمل كل ما سوف يكون عليه هذا الإنسان من صفات وخصائص، وأمراض وشيخوخة، وعمر، منذ التقاء الحيوان المنوي للأب ببويضة الأم وحدوث الحمل) ( )
التعريف الثالث: وتعرف بأنها تتابع الاحماض الامينية، بتسلسل معين وهذا التسلسل هو الذي يعطي الامر للجين...باظهار صفة، او وظيفة معينة، تتغير لو تغير هذا التسلسل في موضع واحد فقط من ترتيب الحامض النووي( )
التعريف الرابع: وهي عبارة عن صورة لتركيب المادة الحاملة للعوامل الوراثية الحمض النووي الذي يحتوي على الصفات الوراثية للانسان( )
د-التعريف القانوني:
على الرغم من تنصيص بعض التشريعات في الدول الغربية على البصمة الوراثية في قوانينها الداخلية، وإقرار الفعل بها داخل القضاء كدليل نفي واثبات، إلا أنها لم تعرف البصمة الوراثية تاركة امر ذلك للفقه القانوني، وبالرجوع الى الفقه القانوني نجد انه عرف البصمة الوراثية بأنها(الهوية الوراثية الأصلية الثابتة لكل انسان التي تتعين بطريق التحليل الوراثي وتسمح بالتعرف على الأفراد بيقين شبه تام) ( )
وذهب البعض إلى أنها (المادة الحاملة للعوامل الوراثية في الكائنات الحية)( )
وهذه التعريفات وإن اختلفت في التعبيرات؛ فإنها لم تختلف في الاعتبارات، ويمكننا استخلاص مما سبق تعريفاً للبصمة الوراثية فنقول:"البصمة الوراثية هي البُنية الوراثية التي




يتفرّد بها كل شخص عن غيره، والتي تمكّننا من التّحقق من الشخصية، والوالدية البيولوجية( )
ثانياً: خصائص البصمة الوراثية:
تتمتع البصمة الوراثية بخصائص فنية تختص بها وكذلك لها خصائص خلقية ثابتة في كل إنسان، لذا سأتطرق لهاذين النوعين من الخصائص من ناحيتين هما الخلقية والفنية.
أ- الخصائص الخلقية:
إن أصل الخلق من نطفة الأمشاج كما في قوله تعالى: (إن خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلنه سميعاً بصيرا)الانسان:2، وهذه النطفة هي التي يختلط فيها الحيوان المنوي بالبويضة الأنثوية ووالدليل على تفسير معناه ما رواه البخاري: عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن عبدالله قال: مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لا أسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، فجاء حتى جلس ثم قال يا محمد مما يخلق الإنسان , قال يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظام والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم، فقام اليهودي فقال هكذا كان يقول من قبلك ( )
و بذلك نستدل على النطفة بدليله الشرعي قبل ظهور الدليل العلمي عند علماء الوراثة، وكتركيب علمي لهذا الأصل الخلقي فإن الحيوان المنوي يحمل كروموسومات (XY) والبويضة XX) ووفقاً لنظرية علم الوراثة الأولى من نوعها نظرية (مندل) أول مكتشف لعلم الوراثة، فإن الأبناء لا يختلفون عما تكونت منه جيناتهم الأساسية المنتجة من خلايا الأب والأم، ودليلنا في ذلك خطاب الله الخالق سبحانه وتعالى إلى خلقه (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلق من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) الزمر:6.
و الدليل المساند لذلك نستنتجه من السنة الشريفة لما رواه البخاري: عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم أن أم سليم حدثت أنها سألت نبي الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل، فقالت أم سليم وأستحييت من ذلك قالت وهل يكون هذا؟! فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم نعم فمن أين يكون الشبه أن ماء الرجل غليظ أبيض وماء المرأة رقيق أصفر فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه( ).
أي إن الإعجاز رباني وليس بشري فهو إعجاز الخالق العليم منزل القرآن العظيم ذو القدرة العلمية، والذي كان وما زال وسيستمر يعجز عنه البشر.
فللبصمة الوراثية الدلالة الهامة في معرفة الشبه منذ فجر الإسلام، لما رواه البخاري: عن عروة ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن أمرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل تغتسل المرأة إذا أحتلمت وأبصرت الماء؟! فقال نعم، فقالت لها عائشة رضي الله عنها تربت يداك وأٌلت قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعيها وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه( )
مما يعني أن للبصمة الوراثية الدلالة الواضحة حتى وإن كانت من دون بحث بمجرد الشبه يسهل الإثبات، من هذا نستطلع ونسترأي فائدة عظيمة من بيان التركيب الخلقي تتمثل في الدليل العظيم الواضح الثابت الذي وهبنا الله إياه في أنفسنا حتى لا تضيع الأنساب، ويعلم الجاني من فاعل الخير لقوله تعالى (و في أنفسكم أفلا تبصرون) الذاريات:21 ، وقوله تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)فصلت:53.
أي أن البصمة الوراثية علامة مميزة لكل إنسان في نفسه ولنفسه ولنسله، وقد ذهب بعض الفقه إلى أن وظيفة الفحص الوراثي بالحمض النووي من باب الوسيلة الغير مباشرة للإثبات وليست كشهادة الشهود التي بدورها تسبغ على الواقعة محل التقاضي مباشرة، وسيأتي بيان ذلك.
(ب) الخصائص الفنية:
1- أنه لولا ما تتمتع به البصمة الوراثية من خصائص ومميزات ما كانت لها المكانة التي تستعدي أن يستعان بالخبراء للكشف عنها حيث تمتعها بعدم التكرار بين الأفراد، كما أنها من أدق الوسائل للتوصل إلى الفاعل الحقيقي بأسرع الطرق، فتظهر أهم مميزات البصمة الوراثية في تفرد كل شخص بها على حده دون خلط مما يساعد على جلاء الحق وإزالة أي شوائب تشوبه، بل والتثبت على اليقين دون الشك وذلك فيما عدا حالة التوائم المتشابهة( ).
2- كما للبصمة الوراثية الميزة الفنية التي تقطع الشك باليقين، بالتوصل إلى جذور الحقيقة حيث أن ما ينتج عنها من نتائج علمية من واقع الجريمة وحقيقتها، ولها الفائدة القانونية في الكشف عن المجرمين( ).
3- وتتمتع البصمة الوراثية بميزة الدقة، حيث ما تملكه من الإثبات وكذلك النفي، في أي من أنواع الجرائم.
4- أن الله حتى يظهر الحق على الحال التي كانت عليه الجريمة، فإن البصمة الوراثية التي يحملها الحمض النووي لا تتأثر بالظروف الجوية، ولو كانت جافة ولو كانت متعفنة، ومن أي من أجزاء الجسم.
5- وتتميز البصمة الوراثية بعدم إمكانية الخلط بين جزئين متواجدين في مسرح الجريمة ولكن لشخصين مختلفين، حيث يمكن الفصل بينهما مهما كان الحال من الإختلاط، فيسهل فيها الفرز.
6- يمكن التوصل للبصمة الوراثية لأي شخص بالبحث والفحص الدقيق للحمض النووي، ولو كان المصدر عبارة عن بقعة دم أو مني، أو غير ذلك من المصادر مهما كانت قليلة.
7- وتتميز البصمة الوراثية بتعدد وتنوع مصادرها، ممايجعل من الممكن عمل هذة البصمة من أي مخلفات ادمي سائلة(دم، أو لعاب، أو مني)أو أنسجة (لحم، أو عظم، أو جلد، أو شعر) وهذه الخاصية تغني عند عدم وجود اثار البصمات الاصابع للمجرمين في الجريمة.
8- كما ان بصمة الحمض النووي تظهر على شكل خطوط عريضة تسهل قراءتها والتعرف عليها وحفظها وتخزينها في الحاسب الالي لحين الحاجة إليها. ( )


المطلب الثاني
اكتشاف البصمة الوراثية
بعد التطرق للحديث عن تعريف البصمة الوراثية يجب أن نعرف كيفية اكتشافها حيث أنها لم توجد من العدم أو كانت محض صدفة بل كانت عبارة عن تدرج علمي وتسلسل منطقي حتى تم اكتشافها.
بداية عرف العلماء المتخصصون أن ذات الإنسان كجسم هو عبارة عن خلية بداخلها النواة مسؤولية عن حياة الخلية ثم تم معرفة ما بداخل النواة حيث أنها تحتضن الصبغيات أو الكروموسومات الستة والأربعين لتنقسم ثم أكتشف بأن هذه الصبغيات أو الكروموسومات تقع في شكل شريط مرتب عليه حوالي مائة ألف جين تشبه في شكله شكل الخرز على الخيط ثم تم التوصل إلى معرفة أن الجين الواحد مكون من أربعة عناصر متضافرة، بعد الوصول لهذه المرحلة المتقدمة أتحد علماء هذا العصر لدراسة عناصر الجين فيما يسمى بمشروع الجين العملاق، ورغم ما توصل له العلماء إلا أنهم أقروا بكل صراحة أنهم لم يكتشفوا ولا واحد بالمائة من أسرار هذا العلم الفريد من نوعه كأبرز اكتشافات العصر الحديث في المجالين العلمي والطبي( )
أوجز الحديث عن تلك المرحلة والثورة العلمية في المراحل التالية:
أ - الخلية والنواة:
عرفها العلماء بأنها هي عدة تريليونان من الخلايا مكونة لجسم الإنسان، وكل خلية تحتضن نواة هي المسئولة عن حياة الخلية ووظائفها، وكل نواة تحتضن المادة الإرثية والحصيلة الإرثية سواءً أكانت خواص مشتركة بين البشر جلهم أم كانت تفصيلات تختص بالفرد وتميزه كذات عن غيره بحيث تستحيل المطابقة مع فرد آخر( )
ب - الصبغات أو الكر وموسومات داخل النواة وتكاثرها:
هي مادة وراثية تسكن نواة الخلية أكتشفها العلماء، تشكل خيوطاً أو أشرطة ملتفة بشكل لولبي محكم بحيث أنه إذا تسنى فردها لكانت خيطاً أو شريطاً طوله ستة أقدام، كما أنها أجسام دقيقة جداً أطلق عليها العلماء الكر وموسومات وعددها ستة وأربعون، من خواصها التلون عند الصبغ لذا تكنى بالصبغيات أيضاً، يتم تزاوج هذه الصبغيات أو الكر وموسومات بحيث تظهر على شكل ثلاثة وعشرين زوجاً فرد من الأب وفرد من الأم، وتنقسم الكر وموسومات إلى مجموعتين هما: -
المجموعة الأولى: كروموسومات ذاتية وهي اثنان وعشرون زوجاً تتشابه تماماً في كل من الذكر والأنثى وهي تؤثر في الصفات الجسدية.
المجموعة الثانية: كروموسومات جنسية وهي بعدد زوج واحد هو متماثل بالأنثى يطلق عليه X وعدد زوج واحد مختلف في الذكر أحدهما مطابق للأنثى X والآخر هو Y وهي مسؤولة عن الصفات الجنسية( )
ج - الجينات المنظومة على خيوط الصبيغات أو الكر وموسومات:
مع التطور التقني وظهور المجهر بأنواعه المختلفة أكتشف العلماء من خلاله أن شريط أو خيط الصبغيات أو الكر وموسومات يتكون من سلسلتين من حمض (DNA) ويسمى بالحامض النووي لتمركزه في أنوية الخلايا، وهاتان السلسلتان تلتفان على بعضهما البعض بشكل حلزوني بإتجاه عقارب الساعة، حول محور واحد، وتكونان لولباً مزدوجاً على شكل شريط كاسيت طوله ألفان وثمان مائة كم، وهذا الحمض موجود بكل خلايا الجسم ما عدا كريات الدم الحمراء وهو متطابق في كل الخلايا ولا يتغير أثناء الحياة، يترتب على هذا الحمض حوالي مائة ألف جين منظومة كالخرز على الخيط( )
د - مكونات الجين:
في عام 1953 م أكتشف العالمان (جيمس واطسن وفرانسيس كريك) مكونات الجين ولهذا حصلا على جائزة نوبل، حيث أثبتا أن الجين يتكون من حمض النوويك، وهو بدوره متركب من زوجين متكررين من القواعد كل منهما حمضان أمينيان متعا شقان لا يتعاشق كل إلا مع وصيفه، وهذه الأربعة عناصر المتضافرة هي في الواقع حروف لغة الحياة، وبطريقة تكرار القواعد تكون الرسالة، وهذه الأحماض الأربعة هي: الأدنين والثايمين والسيتوزين والجوانين تكون مرتبطة في دقة تكاد تكون تامة حيث الأدنين بالثايمين، والجوانين بالسيتوزين، ثم تكون تكرر هذه الأربعة في صورة زوجين على طول الحمض النووي بشكل منظم مرتب مرصوص( )
هـ - من الجين إلى البصمة الوراثية:
إن تسلسل القواعد الأمينية على جزئي حمض النووي يختلف من شخص لآخر، خاصةً مع ضخامة عددها الهائل الذي يبلغ مقداره حوالي مليارات على كل شريط من هذا الحمض النووي، وإحتمال تطابق تسلسلها على هذا الحمض في شخصين غير وارد كما في حالة بصمة الأصابع التي تتكون من خطوط حلمية ولكنها لا تتطابق في شخصين، وعلى الرغم من أن البشر يشتركون في الجينوم الإنساني، وجينات السمات المعينة كلون العين أو طول القامة أو غيرها تأخذ الموقع نفسه على الكروموسوم وإن تباينت دلالالتها، على الرغم من هذا التطابق الهائل بين جميع البشر فإن تفرد شخص بذاته بما يميزه عن سائر الخلق يكمن في حوالي اثنين إلى عشرة ملايين من بين ثلاثة بلايين من الوحدات القاعدية التي تكون الجينوم( ).


المطلب الثالث
أهمية البصمة الوراثية في الإثبات
تساهم البيولوجيا المعاصرة من خلال ألـ: ADNفي موضوع الإثبات في الدعاوى المدنية ووقائع القضاء الجنائي حيث تقدم مبادرة راسخة في الكشف عن الجناة والمجرمين وتحديد الجين الحقيقي في قضايا الاغتصاب والسرقة والمنازعات المتعلقة بدعاوى النسب وهي تقنية ذات قوة تدليلية في إثبات النسب. ونظرا للنجاح الذي وصلته البصمة الوراثية الذي يقدر بـ: 100% شجعت الدول المتقدمة على استخدامها كدليل جنائي وحفظت هذه البصمة مع بصمة الإصبع لدى الهيئات القانونية وقد تم الحسم في الكثير من القضايا بناء على استخدام البصمة الوراثية كدليل جنائي ومدني( ).
اولاً: أهميتها في المادة الجنائية:
لقد ساهمت البصمة الوراثية في تنوير العدالة بكثير من الحقائق كما كان لها الفضل في التعرف على المجرمين ويتضح ذلك فيما يلي:
1- معرفة هوية الجاني:
يتم عن طريق تحديد البصمة الوراثية للبقع الدموية الموجودة في مسرح الجريمة أو الموجودة على لباس المتهم أو المجني عليه وبعد ذلك يتم مقارنة الفصائل الدموية، للبصمة الوراثية لهذه البقع مع فصائل دم متشابهة بهم والبصمة الوراثية لهم( )
2- التعرف على هوية المجرمين في الجرائم الجنسية:
ويتم ذلك بواسطة البصمة الوراثية للسائل المنوي الذي يرفع عن ملابس المجني عليه أو الأماكن الحساسة للمجني عليها أو المجني عليه ومقارنتها بالبصمة الوراثية للمتهم.و كذلك في قضايا الزنا يمكن إثبات زنا الزوجة بالتأكد أن العينة المأخوذة منها للفاعل تخالف عينة الزوج.
وعلى سبيل المثال: في أمريكا عام 1988 تم الحكم على « RANDEL GONEZ » بعقوبة الموت لاتهامه باغتصاب وقتل امرأة من ولاية(Florida)
ويمكن أن يؤدي استخدام البصمة الوراثية إلى البراءة. ففي إحدى قضايا الإغتصاب تعرفت المجنى عليها على المتهم من وسط طابور العرض وتصادف أن اتفقت فصيلة دم هذا المتهم مع فصيلة دم الجاني التي حددتها العينة المأخوذة من المجني عليها، إلا أن تحليل البصمة الوراثية لتلك العينة نفى أن يكون المشتبه فيه مرتكب الجريمة( ).
وهذه الأمثلة تؤكد أن في قضايا الاغتصاب أو هتك العرض يمكن بفحص البصمة الوراثية المستمدة من مني المتهم العالق بالمجني عليه، والبصمة الخاصة للمشتبه فيه، إثبات أنهما لشخص واحد هو الذي ارتكب الجريمة.
3- التعرف على المجرمين في كثير من الجرائم:
وذلك عن طريق الربط بين المتهم وآثار البقع والتلوثات اللعابية الموجودة في مسرح الحادث، يتم الربط إما عن طريق تحديد فصيلة الدم من خلال اللعاب إذا كان من الأشخاص المفرزين أو عن طريق تحديد الحامض النووي.
و مثال ذلك: أمكن إثبات الجريمة على شخص من"برمنجهام"حاول أن يحصل على نقود بوسائل التهديد وذلك بالحصول على عينات من اللعاب في أجزاء الأغلفة التي أرسلت خطابات التهديد فيها وتبين للكيميائي الشرعي أن لعاب المشتبه في أمره ودمه ينتميان إلى اللعاب الذي وجد على الاغلفة فقدم هذا الأخير إلى محكمة جنايات"برمنجهام"( )
فاللعاب يترك آثاره في أعقاب لفائف التبغ والأكواب وأدوات تنظيف الأسنان ويمكن منه تحديد نوع الدم ونسبة الكحول وقد يوجد في مسرح الجريمة على صورة بصاق.
وكما يمكن استخدام بصمات فتحات مسام العرق وسيلة استدلال باعتبارها من الدلائل والعرق يختلف من شخص لآخر من درجة الحساسية للمضادات الحيوية وكذلك سلوكها المنفرد تجاه التحاليل الكيميائية، وقد أثبت الفحص لآثار العرق علاقة بين المتهم وآثار العرق الموجود على بعض المضبوطات في مسرح الجريمة مثل: أغطية الرأس والملابس الداخلية وقد يوجد العرق في ما ترك الجاني من منديل يد أو رباط وعن طريقه يمكن تعقب صاحبه( ).
4- إثبات درجة القرابة في الأسرة:
تستعمل البصمة الوراثية للإثبات والنفي في حالات ادعاء القرابة بغرض الإرث بعد وفاة شخص معين، وكذلك تطبق هذه البصمة الوراثية في معرفة درجة القرابة بين المهاجرين حيث يدعي بعض الأشخاص ممن يحملون جنسيات أوربية أو أمريكية، عند دخول تلك البلاد أو الحصول على إقامة قانونية لذلك فقد لجأت السلطات في تلك البلاد إلى إجراء فحص البصمة الوراثية على هؤلاء الأشخاص لمعرفة الحقيقة، حيث أن هذا البحث يسفر عن بيان صفات وراثية مشتركة بين الأقارب( ).
قد يوجد البصاق في ملابس المجني عليه، وبتحليله قد يوجد به أجسام غريبة تكشف عن حرفة الجاني كآثار الفحم والدخان والجير والخشب وغير ذلك من مواد تطلق غبار عند العمل فيها.
إن طريقة فحص البصمة الوراثية المطبقة بكيفية تقنية دقيقة تقدم فوائد أحسن للقضاء الجنائي بالمقارنة مع طرق التحقق التقليدية الخاصة بالطب الشرعي مثل طريق الفحص الدموي للبحث عن الزمرة الدموية.
ثانياً: أهميتها في المادة المدنية:
الإثبات له أهمية بالغة في المجال المدني وخصوصا في إثبات البنوة، ونركز اهتمامنا على هذا الأخير لأنه حق الطفل في النسب بأن يكون له أب وأم معروفان ومن أهم حقوقه في الشريعة الإسلامية التي يثبت فيها نسب الطفل بثلاث طرق؛ الفراش، الإقرار والبينة وهي في مجموعها تظهر حرص الشريعة الإسلامية على أن يثبت نسب الطفل بأسهل الطرق، والطريق المألوف لثبوت النسب هو الفراش لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) فالولد يصير ابنا للرجل والمرأة إن ولد على فراشهما مع أنه من حق الرجل نفي نسب الطفل المولود على فراشه
و للبصمة الوراثية دور مهمً للغاية في إثبات النسب أو نفيه وكذلك تحديد الهوية، إذ أنها قرينة قوية كما تم الإشارة لذلك فيما سبق، فهي تدل على هوية الإنسان بعينه دون غيره وتميزه بصفات وراثية تخصه.
لذا لها أهمية كبيرة في هذا المجال فهي تحل الكثير من الإشكالات وتحافظ على الأنساب من الاختلاط، وترد الشيء لأصله، وتجعل المجتمعات مستقرة بإستقرار الأنساب وثبوتها، ولا تفسح المجال لانتحال أنساب لأجل تحقيق غايات أو مصالح معينة، وتتجلى هذه الأهمية العظيمة والدور الكبير الذي تلعبه البصمة الوراثية في الحالات الآتية التي يحدث فيها تنازع في زمننا المعاصر وتفصل فيها فيما يتعلق بتنازع البنوة وتحديد الهوية وهي كالآتي:

1 - حالات تبديل المواليد في مستشفيات الولادة:
وهو أن يتم تسليم مولود إلى غير أبويه خطأً أو عمداً، وأيضاً في بعض حالات الطوارئ قد يتم خلط المواليد حديثي الولادة مع بعضهم البعض خاصة في حالات الإخلاء السريع، في مثل هذه الحالات يتنازع رجلان على المولود ولا يمكن للتشابه الخلقي الشديد (القيافة) بين الطفل وأحد الرجلين أن يرقى مطلقاً لأن يكون دليلاً يعتمد عليه بصورة مؤكدة لإلحاقه بأحدهما لعدم وجود القائف المتمكن هذه الأيام( ).
كما أن تحديد فصائل الدم تستخدم للإستبعاد فقط، ولا يمكن إثبات البنوة على أساسها حيث أنها وسيلة نفي فقط وليست وسيلة إثبات، ويمكن إستعمال البصمة الوراثية لحل هذه المشكلة حيث يتم فحص الحمض النووي لأمهات وآباء المواليد وكذلك المواليد أنفسهم، وبمقارنة البصمة الوراثية بين الطفل وكلا الرجلين فإنه يمكن قطعاً نفي المولود عن أحدهما أو عن كليهما أو إثباته لأحدهما إن كان هو أباه، فالبصمة الوراثية تعتمد على التشابه والتطابق في كل ما يمكن أن يكون متوا رق من الأبوين، ولا يمكن أن يكون مستحدثاً جديد.
3 - الحالات التي ينكر فيها الرجل أن الأب لطفل نتيجة نكاح غير شرعي كالاغتصاب أو الزنا:
و ذلك لتبرئة نفسه من هذه الجرائم، بمقارنة البصمة الوراثية لهذا الرجل والطفل يمكن إثبات أنه الأب الحقيقي للطفل، وعند الحنابلة أن ولد الزاني لا يلحق به وإن أعترف به لحديث الفراش السابق، وأختار الشيخ الجليل تقي الدين أنه إذا أستلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه، وفي الإنتصار: يلحقه بحكم حاكم( )
4 - حالات الإدعاء من قبل المرأة لتحقيق غاية معينة:
كالحالات التي تدعي فيها المرأة أن مولدوها يخص رجلاً معيناً لإجباره على الزواج أو طمعاً في الميراث أو في أخذ النفقة، وبمقارنة البصمة الوراثية للمولود والرجل المدعى عليه يمكن إثبات أو نفي إدعائها.
5 - الحالات التي يدعي فيها رجلان نسب الولد المجهول النسب أو اللقيط:
ومما لا شك فيه أنه يمكن القول بأن مقارنة البصمة الوراثية لكلا المدعيين والولد المتنازع عليه أقوى من شهود العدول في مثل هذه الأحوال، فالشهود يشهدون بما يعلمون، وقد يكون علمهم بالشيء غير صحيح.
أما البصمة الوراثية فهي تنتقل من الأباء إلى الأبناء وملازمة للفرد، ولو كانت البصمة الوراثية معروفة لدى الفقهاء القدامى للجئوا إليها لأنها تؤدي إلى إقامة الحجة والبينة على صدق أو كذب المدعي للنسب وهو الغرض الذي يقوم به الشهود العدول، فلو أن البصمة الوراثية لمدعي النسب تطابقت مع الطفل الذي يدعي نسبه فهو ابنه يقيناً، بمعنى أن مقارنة البصمة الوراثية لكل المدعيين والولد قد تكون ذات فائدة عظيمة في نفي النسب عن أحدهما وإثباته للآخر أو في نفي النسب عن كليهما بصورة أكيدة ودقيقة.
6 - الحالات التي يدعي فيها رجل نسب شاب مجهول النسب أو العكس على أساس أنه ابنه وقد فقده منذ فترة طويلة أو أن ينسب شاب نفسه لرجل طمعاً في تحقيق غاية ما:
كأن يدعي شاب نسبه إلى رجل معين فقد ابنه منذ فترة طويلة وذلك طمعاً في أخذ الميراث أو الخلوة بمحارم المدعى به، هنا ظاهر الأمر ليس كباطنه، فالدعوى قد تكون كاذبة! إن مشكلة الأولاد مجهولي النسب واردة وقائمة بين المسلمين في هذا الزمان الذي تحدث فيه جرائم الإغتصاب والزنا، إلا أنه والحمدلله لا يحدث مثل هذا كثيراً لتمسك معظم المسلمات والمسلمين بدينهم ومبادئهم الحنيفة، ولكن هناك بعض المغتصبات والزانيات لهن أولاد لا يعرفن آباءهم الحقيقيين. ( )
فلو فرض أن أحد هؤلاء مجهولي النسب أصبح شاباً غنياً ذا مال ومركز مرموق وله أسرة وأولاد وبنات، ثم حضر رجل ما ولديه بينة (شهود) وقال أنه أب هذا الشاب، أو أن الشاب أدعى أنه ابن رجل ما، فلو حكم الحاكم بالنسب بناءً على هذه الدعوى الكاذبة، هل هذا الحكم يجعل من المدعي به ابناً شرعياً أو المدعي عليه أباً شرعياً، وأن ما يترتب على هذا الحكم صحيح وشرعي كالخلوة بالمحارم أو أخذ الميراث وما إلى ذلك من الأمور المحرمة عليه قبل ثبوت النسب، فهل بعد هذا الحكم بإثبات النسب بالشهود تصبح تلك الأمور المحرمة حلالاً؟! في هذه الحالة يمكن للبصمة الوراثية أن تنفي النسب إذا كانت الدعوى كاذبة فعلاً، وذلك بمقارنة البصمة الوراثية وإثبات عدم تطابقها، وفي هذا النفي منفعة عظيمة وإبقاء لمصلحة، إذ أن الإبقاء على حال جهالة النسب أولى من أن يستحل كاذب أموال وأعراض الآخرين بغير حق، ومما يؤكد ذلك قول الله تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل...)البقرة: 188.
و على العكس إذا أدعى شاب نسبه إلى رجل معين فقد ابنه منذ فترة طويلة وهو يعلم أنه ليس بأبيه وذلك طمعاً في أخذ الميراث... وقبل الرجل هذا النسب، ثم جاء شخص آخر وشهد بأن هذا الشاب ليس ابناً لهذا الرجل، فهل يجوز الأخذ بهذه الشهادة (شهادة الحسبة) في النسب؟
أختلف الفقهاء في هذا الأمر بين مجيز ومانع، إن مقارنة البصمة الوراثية يمكنها تكذيب من يدعي نسبه إلى غير أبيه بصورة أكيدة( ).
7 - الحالات التي تتنازع فيها أمرأتان على أمومة ولد وتساوتا في البينة (الشهود):
فهل يثبتونه لإحداهما أو ينفى عن كلتيهما أو يثبتوه لكلتيهما، من المعروف أنه لا يمكن أن يكون للولد أُمان، لذلك يمكن نفي الولد عن إحداهما وإثباته للأخرى عن طريق مقارنة البصمة الوراثية للولد والمرأتين، وكذلك إذا أدعت أمرأة أمومة ولد فإنه بمقارنة البصمة الوراثية للولد والمرأة يمكن نفي الأمومة عنها أو إثباتها لها بصورة أكيدة، وقد يكون للولد أُمان، إحداهما ولدته والأخرى أرضعته، وتدعي كل منهما الولد، وحيث أن أحكام النسب هي أحكام الإرضاع، وأن الإرضاع لا يغير من البصمة الوراثية للولد، لذلك يمكن نفي الودل عن إحداهما وإثباته للأخرى عن طريق مقارنة البصمة الوراثية( )
8 - الحالات التي يتنازع فيها رجلان على مولود من أمرأة زوجة لأحدهما ومطلقة من الآخر:
فمن الناحية الطبية النظرية يمكن للمرأة أن تحمل من رجلين ولكن بتوأم غير متطابق وليس بجنين واحد، إذ يمكن أن تلقح بويضتان في نفس الوقت بحيوانين منويين إلا أنه يشترط أن يكون وقت الجماع بالرجلين متقارباً وقبل إستقرار البويضة الملقحة الأولى في الرحم كما ذكرنا سابقاً، أي يكون وقت وجود المائين متقارباً، وهناك حالات نادرة جداً مسجلة في المراجع الطبية لنساء حملن من رجلين مختلفين بتوأم غير متطابق أي طفلين مختلفين ويحدث ذلك في المرأة التي يجامعها رجل ثم يجامعها آخر مما يؤدي إلى دخول حيوانات منوية من رجلين إلى رحم المرأة في نفس الوقت التي يكون هناك بويضتان قابلاتان للتلقيح، فتلقح بويضة بحيوان واحد من أحد الرجلين وتلقح الأخرى بحيوان منوي واحد من الرجل الآخر، وهكذا تحمل المرأة من رجلين في نفس الوقت( )
فما أحكم الشريعة الإسلامية بجعل العدة شريعة منعاً لإختلاط الأنساب، فلو أفترضنا حدوث ذلك وأن أمرأة حملت من رجلين بتوأم غير متطابق، فإنه بمقارنة البصمة الوراثية للتوأم مع الرجلين يمكن تحديد نسب كل طفل ومعرفة أب كل واحد منهما، أما التوأم السيامي المتطابق والذي أصله بويضة واحدة وحيوان منوي واحد - إذ أنه من المستحيل أن تلقح البويضة بأكثر من حيوان منوي - فهو من رجل واحد، وبذلك إذا أنجبت المرأة المطلقة بعد زواجها توأماً سيامياً متطابقاً أو مولوداً في خلال ستة أشهر من زواجها - أدنى مدة حمل - أو في خلال أقصى مدة الحمل، وحدث تنازع بين الزوج الأول والزوج الثاني على المولود فإنه يمكن بمقارنة البصمة الوراثية معرفة الأب الحقيقي.

9 - إدعاء المسلم والكافر النسب:
إذا أدعى مسلم وكافر نسب ولد فهما شرعاً متساويان في دعوى النسب، لأنه بنسب الولد إلى الكافر لا نحكم بكفره، ودعوى المسلم والكافر للنسب من القضايا الهامة في هذه الأيام، ولذلك لكثرة زواج بعض المسلمين من الأجنبيات الغير مسلمات، وبعد فترة من الزواج قد يحدث خلاف بين الزوجين وتسافر الزوجة الأجنبية إلى بلدها ويجامعها رجل آخر من ديانتها حيث أن ذلك من عاداتهم، فإذا حدث حمل وولادة قد تدعي المرأة أن المولود هو ابن الرجل المسلم، أو أن ابن الرجل المسلم هو للرجل الأجنبي، هنا بمقارنة البصمة الوراثية للمولود وزوجها المسلم يمكن معرفة نسب الطفل إليه أو نفيه عنه( )
10 - إثبات النسب لطفل الأنبوب (التلقيح الصناعي):
ينشأ طفل الأنبوب عندما يتم تلقيح البويضة بالحيوان المنوي خارج الرحم، ثم تعاد البويضة الملقحة إلى درب الصفاق الخلفي للرحم لينمو الجنين بشكل طبيعي حتى يحين وقت الولادة، وهذا العمل أصبح معتاداً الآن كوسيلة للتلقيح الصناعي، ولكن يشترط رضا الزوجين وأن يكون من الزوج والزوجة، فإذا حدث تلاعب، وذلك بأخذ حيوانات منوية من رجل غير الزوج أو أخذت البويضة من أمرأة غير الزوجة، يمكن إثبات النسب للطفل الحادث بواسطة مقارنة البصمة الوراثية له مع الزوج والزوجة( )
مما سبق إيضاحه وإيراده في معرض سياق الكلام أعلاه يتضح لنا ويتجلى الدور الفعال والأهمية الكبرى للبصمة الوراثية ودورها في إثبات ما يطرأ من نزاعات فيما يتعلق بالنسب سواءً كانت للإثبات أم النفي، وكذالك فيما يتعلق بالجرائم، ولهذا فلا يمكننا ان نغفل عن بيان الاحكام الشرعية والقانونية وهذا ما سنبدأ به في الفصل الأول.




الفصل الأول
البصمة الوراثية بين الشريعة والقانون
تمهيد وتقسيم:
أردت بهذا الفصل أن اجعله مدخلا لموضوع الدراسة وأن امهد له حتى يكتمل ولذ فقد ذكرت فيه تكييف الفقه الاسلامي والفقة القانوني، ثم بينت القيمة الثبوتية التي تتمتع بها البصمة الوراثية كدليل في الاثبات في كل من القانون والفقه والقضاء المقارن، ثم اختتمته بالظوابط والشروط التي يجب توفرها عند استخدام البصمة الوراثية كدليل اثبات امام المحاكم، في الفقه الاسلامي القانون المقارن، على التقسيم الاتي:
المبحث الأول: التكييف الفقهي والقانوني
المبحث الثاني: القيمة الثبوتية للبصمة الوراثية
المبحث الثالث: ضوابط وشروط استخدام البصمة الوراثية
المبحث الأول
التكييف الفقهي والقانوني
تمهيد وتقسيم:
لقد اتجه الفقه الاسلامي المعاصر للبحث عن هذه المعجز الجديدة في الادلة الحديثة، حيث أفاض معظم الفقهاء البحث في ذلك كي يجعل لها منزلة بين أدلة الاثبات الشرعية، وفي الاتجاه المقابل فان التشريعات القانونية المقارنة وبالأخص الغربية نصت عليها كدليل اثبات وحددت منزلتها الثبوتية، كل ذلك في اثبات النسب والاثبات الجنائي على النحو الاتي:

المطلب الأول
التكييف الفقهي للبصمة الوراثية
البصمة الوراثية كغيرها من النوازل التي ظهرت حديثاً بفعل تقدم العلوم بمجالاتها المختلفة، والتي فتحت باباً لإمكانية استخدام تقنيات جديدة كوسائل للإثبات أمام القضاء، كانت محل دراسة من قبل الفقهاء في السنوات الأخيرة؛ بهدف تحديد قيمتها الثبوتية، ومدى جواز العمل بها كدليل أمام القضاء.
وتتميز البصمة الوراثية بأنها دليل مادي يعتمد الحسَّ؛ لذلك يمكن تكييفها شرعاً بأنها من القرائن، والتي ذهب فريق من الفقهاء إلى قبولها كدليل في الإثبات كابن قيم الجوزية؛ حيث ألف كتاباً في هذا المجال سمّاه"الطرق الحكمية في السياسة الشرعية". والقرينة شرعاً هي:"كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً، فتدل عليه". أو:"ما يدل على المراد من غير أن يكون صريحاً فيه". غير أن القرائن بدورها يمكن تقسيمها إلى قرائن قطعية وقرائن ظنية، والقرائن القطعية هي البالغة حَدّ اليقين، والتي تمثل دليلا مستقلا في الإثبات؛ بحيث تقوم مقام البَيِّنَةِ، أما القرائن الظنية فلا تمثل دليلا مستقلا، ويُستعان بها على سبيل الاستئناس والترجيح( ).
وهذا ما يدعونا للتساؤل حول موقع البصمة الوراثية ضمن القرائن، فهل هي قرينة قطعية أو هي قرينة ظنية؟ انقسم فقهاء في الإجابة عن هذا التساؤل إلى فريقين:
الفريق الأول: يرى أن البصمة الوراثية قرينة قطعية( ). وفي ذلك يقول أحدهم: ويمكن القول بأن البصمة الوراثية هي ذات دلالة علمية قطعية يقينية؛ لإثبات هُوية الإنسان، وتُعَدُّ سبباً شرعياً؛ لحسم نزاع النسب"( ). ويقول آخر:"فقد أثبتت التجارب العلمية المتكررة أن البصمة الوراثية إذا توفّرت شروطُها وأكثرُ عيّناتها مع ملاحظة الدقة والضبط والتكرار دليل قطعي وأكثر نتائجها 100 %"( ).
الفريق الثاني: يرى أن البصمة الوراثية لا ترقى إلى مستوى القرائن القطعية، وهو الرأي الذي تبنّاه البعض حيث قال:"إن النظريات العلمية الحديثة من طبية وغيرها، مهما بلغت من الدقة والقطع بالصحة في نظر المختصين، إلا أنها تظل محل شك ونظر؛ لِمَا عُلِمَ بالاستقراء للواقع أن بعض النظريات العلمية المختلفة في طِبٍّ وغيره يظهر مع التقدم العلمي الحاصل بمرور الزمن إبطالُ بعض ما كان يُقطعُ بصحته علمياً"( ).
وقد برر مؤيدو هذا الرأي بأن الأصل في البصمة الوراثية القطع غير أن الظروف أهدرت من قيمتها؛ ذلك بأنها تفتقر إلى التأثير في نفسية القاضي؛ كون أن إجراء التحليل يتم في غيابه، وعدم وقوف القاضي على نوعية القائمين على المختبر، بالإضافة إلى أن الظروف المحيطة والإجراءات المعقدة عند التحليل أهدرت من قيمتها( )
وقد ذهبت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية من خلال ندوتها الحادية عشرة المتعلقة بالهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني، المقامة في الكويت في الفترة الممتدة بين 23-25 جمادى الثانية 1419 هـ/ الموافق 13-15 أكتوبر 1998 م إلى أن:"البصمة الوراثية من الناحية العلمية، وسيلة لا تكاد تُخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، والتحقق من الشخصية، ولاسيما في مجال الطب الشرعي، وهي ترقى إلى مستوى القرائن القاطعة التي أخذ بها جمهور الفقهاء في غير قضايا الحدود الشرعية"( ). وقد أَيَّدَ هذا الموقف المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، شريطة استيفاء شروطها الكاملة؛ حيث جاء في توصياته أن:"البصمة الوراثية إذا استوفت الشروط الكاملة، واجتنبت الأخطاء البشرية؛ فإن نتائجها تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين، أو نَفْيِهَا عنهما، وتصل نتائجُها إلى 99.9%"( ).
ويرى الباحث في هذه المسألة هو أن قطعية نتائج البصمة الوراثية مرهونة بمدى توفر شروطها من حيث سلامة الأجهزة وكفاءة القائمين عليها، واتباع الخطوات العلمية الصحيحة؛ لذلك فإن الأصل في البصمة الوراثية اليقين والقطعية، إلا أن عامل اليد البشرية والمراحل المعقدة التي يتطلبها التحليل قللت من مصداقيتها، وجعلت نتائجها قريبة من القطع، بمعنى أنها قرينة قطعية من الناحية العلمية، وقرينة ظنية من الناحية العملية.

المطلب الثاني
التكييف القانوني للبصمة الوراثية
ولبيان التكييف القانوني لابد من ذكره في مجال النسب والمجال الجنائي:
اولا: في مجال إثبات النسب:
وفي مجال إثبات النسب، نرى أن الفقه الإسلامي وقواعده وأدلته العامة لا تأبى من الأخذ بهذه التقنية الجديدة (البصمة الوراثية) كدليل لإثبات النسب، قياساً على القيافة، هي الخبرة في إلحاق نسب الولد بمن يشبهه ممن يدعون نسبه بناء على ما بينهما من مشاركة أو اتحاد في الأعضاء، وسائر الأحوال والأخلاق( ).
هذا، وتجد أعمال الخبرة أساس مشروعيتها في قول الله عز وجل: (..فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل:43. وهكذا يجمع الفقهاء على اعتبار البصمة الوراثية وسيلة من وسائل الإثبات، وأنها ترقى إلى مرتبة القرينة القاطعة في غير قضايا الحدود الشرعية، وأنه يجوز اللجوء إلى أهل الخبرة في هذا الشأن( ).
وترتيباً على ما سبق، فإن القيافة تعتبر عملاً من أعمال الخبرة( )، وأن القائم على الاختبار الجيني أو البصمة الوراثية، هو خبير( )، ولهذا اكتفى جمهور القائلين بالقيافة( ) برأي القائف- الخبير- الواحد( ).
أما عن موقف القضاء المصري في هذا الخصوص فقد اعتبر الفحص الوراثي – بصفة عامة- من قبيل أعمال الخبرة، فقد جاء في حكم لمحكمة الزقازيق الكلية للأحوال الشخصية في 28/6/1997م في الدعوى رقم: 944:
(...لما كان من المقرر قانوناً أن رأى الخبير لا يخرج عن كونه عنصراً من عناصر الإثبات لمحكمة الموضوع تقديره دون معقب عليها في ذلك – نقض 5/4/1979لسنة 46الطعن رقم 437- وكان من الثابت من تقرير الطب الشرعي الذي تطمئن إليه المحكمة أن الطفل المتنازع على بنوته هو ثمرة معاشرة جنسية للمدعية والمدعى عليه، فإن المحكمة تقضي بثبوت نسب الطفل سنداً إلى أبيه، مع أمره بعدم التعرض لها، وحيث أن المصروفات شاملة أتعاب المحاماة، فإن المحكمة تلزم بها المدعي عليه لخسرانه الدعوى عملاً بنص المادة(281)من اللائحة الشرعية....) ( ).
والمقصود بتقرير الطب الشرعي في الواقعة، هو تقرير عن فحص المحتوى الوراثي D.N.A، أو البصمة الوراثية( ).
ثانياً: في مجال الإثبات الجنائي:
اختلف الفقه القانوني حول ما إذا كانت البصمات الوراثية تعد عملاً من أعمال التفتيش( ) أم عملاً من أعمال الخبرة الطبية( )، وذلك على رأيين:
الرأي الأول: يذهب غالبية الفقه الفرنسي( )، ويؤيده جانب من الفقه المصري( ) إلى القول بأن تحليل الدم والبول..(البصمة الوراثية) بغرض الإثبات يعد عملاً من أعمال التفتيش، وأن جوازه في هذا المجال مؤسس على هذا التعليل، ويعللون ذلك بأن النتائج المترتبة على هذا التحليل هي أقرب إلى التفتيش من غيره. وبالتالي، فإن غسيل المعدة وفحص الدم والبول... وكذا كل إجراء يهدف إلى التوصل إلى دليل مادي في جريمة البحث عن أدلتها ويتضمن الاعتداء على سر الإنسان، يعد تفتيشاً ويدخل في نطاق التفتيش( ).
الرأي الثاني: ذهب جانب آخر من الفقه إلى القول بأن: تحليل الدم أو البول بغرض الإثبات الجنائي يعد عملاً من أعمال الخبرة الطبية( )، وعليه، يمكن أن ينسحب الخلاف على مصادر البصمة الوراثية الأخرى، كالمني والعرق، واللعاب والشعر والجلد والأظافر.. لكون جميعها عينات بيولوجية، وأنها من نواتج وإفرازات الجسم البشري( ).
وأياً ما كان الخلاف في هذا الشأن، وسواء أكانت البصمات الوراثية تعد عملاً من أعمال التفتيش أو تعد عملاً من أعمال الخبرة الطبية، فإنها في كلتا الحالتين تعتبر من قبيل الأدلة المادية( )، والتي تعد من القرائن القضائية( )، حيث إن فقهاء القانون الجنائي يعتبرون الأشياء المادية التي توجد بمكان الجريمة أو التي يتم العثور عليها مع المتهم أو بجسمه من قبيل القرائن القضائية( )، ويطلق عليها بعض الشراح مصطلح: (القرائن العلمية) أو: (الأدلة العلمية أو الفنية)( )، كما يطلق عليها البعض الآخر من الشراح اصطلاح(الدلائل) ( ).
المبحث الثاني
القيمة الثبوتية للبصمة الوراثية
تمهيد وتقسيم:
يمكن أن يثار بهذا الخصوص، ما هي القيمة الثبوتية للبصمة الوراثية وما منزلتها بين أدلة الإثبات الأخرى؟ وهل تكفي وحدها دليلاً أم لا؟ وهل هذا الدليل ملزم للقضاء( )، أم أن القاضي يستطيع أن يقضي بغير ما هو وارد في تقرير الخبير، ما دام قد أقام قضاؤه على أسباب سائغة تبرره؟ هل القاضي مقيد بهذا الدليل أم لا؟ وإذا كان مقيداً به، فهل نجاوز الحقيقة إذا قلنا بأن الرأي العلمي قد فرض هيمنته على الرأي القضائي؟ أي أن الخبير قد سحب البساط من تحت قدمي القاضي؟ هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه من المطالب الاتية:
المطلب الأول: موقف القانون المقارن
المطلب الثاني: موقف الفقه القانوني
المطلب الثالث: موقف الاجتهاد القضائي

المطلب الأول
موقف القانون المقارن
ويمكن التَّمييز، فيما يتعلق بالقيمة الثبوتية للبصمات الوراثية في التشريعات الغربية، وذلك من خلال معرفة النظام القانوني بين اتجاهين:-
الاتجاه الأول: هو اتجاه حر ويقوم على أساس استخدام اختبارات الدنا، ومن ثم البصمات الوراثية في نطاق كل الجرائم دون أي تَّمييز، وتَّمثل انكلترا هذا الاتجاه.
الاتجاه الثاني: وهو اتجاه مقيد، حيث لا ُتستخدم اختبارات الدنا إلا في نطاق ضيق جدًا، وذلك بقصد التعرف بالسرعة الممكنة، في حالة التكرار الجرمي، على الأشخاص الذين سبقت إدانتهم بموجب حكم قطعي كما هو عليه الحال في الجرائم الجنسية، وتَّمثل هولندا هذا الاتجاه. وفي مثل هذه الحال، لأ يمكن إجراء اختبار AND إلا إذا أمر به قاضٍ، ولا يجوز خزن البصمات الوراثية في السجل الالي إلا بموجب قرار قضائي.وعلى ذلك فسوف نبين هذا نقطتين في النظام الانجلوسسكوني والنظام اللاتيني ثم نتطرق للقيمة الثبوتية في التشريعات العربية.
أولاً: النظام الانجلوسسكوني:
أ-القانون البريطاني:
يسمح القانون الإنكليزي الصادر في عام 1995 والمتعلق بالعدالة الجزائية والنظام العام استخدام اختبارات الدنا من أجل تحديد الهوية الوراثية بصورة واسعة وليبرالية جدًا في نطاق الدعاوى القضائية. ولم تكن النصوص النافذة قبل صدور هذا القانون تسمح بأخذ العينات وإجراء الاختبارات الوراثية إلا في نطاق ضيق يقتصر على الأشخاص المتهمين بجنايات أو بجنح معاقب عليها بعقوبات حبس شديدة. ولكن كان رجال الشرطة يطالبون باستَّمرار توسيع نطاق تطبيق الاختبارات الوراثية، مستندين في ذلك إلى الإحصائيات التي كانت تثبت بأن عددًا لا بأس به من المحكوم عليهم بجرائم خطيرة، كانوا قبل ذلك قد اقترفوا جرائم قليلة الأهمية.
وقد أوصت اللجنة الملكية عن العدالة الجزائية في تقريرها الصادر في عام 1993 بتوسيع مجال استخدام الاختبارات الوراثية من أجل تحديد الهوية.
وعمق المشرع الإنكليزي هذه التوصية في القانون الصادر في عام 1995 بشأن العدالة الجزائية والنظام العام، إذ يسمح هذا القانون باللجوء إلى اختبارات الدنا، وأخذ العينات من كل شخص. مدان بجنحة معاقب عليها بالحبس. ( )
ونص القانون المذكور أيضًا على إنشاء بنك مركزي للمعلومات يحتوي على البصمات الوراثية للأشخاص الملاحقين بجنحة معاقب عليها بالحبس، وكذلك على نتائج التحاليل الوراثية بالنسبة للعينات التي عثِر عليها في موقع الجريمة، والتي لم يَتعرف على أصحابها. وفي حالة ثبوت براءة المدعى عليه، يجب إتلاف العينات، وكذلك مسح بصماته الوراثية من ملفات السجل الآلي.
ولا يطبق القانون الصادر في عام 1995 بأثر رجعي، وإنما يطبق فقط على الأشخاص المحكوم عليهم بعد نشره، ومن ثم يجوز فقط خزن بصمات هؤلاء الأشخاص في السجل الآلي للبصمات الوراثية.
ولكن يقتصر إجراء اختبارات الدنا، في الواقع العملي، على الجرائم الجنسية وجرائم الاعتداء ضد. الأشخاص وجرائم السطو، وذلك نظرًا للتكلفة الباهظة لهذه الاختبارات ( ).
ب- القانون الامريكي:
كما أجاز قانون الجينوم البشري الأمريكي الصادر سنة 1990م اللجوء إلى البصمات الوراثية في مجال العدالة الجنائية، شريطة أن تكون المعلومات الجينية لأزمة للوصول على الحقيقة في دعوى أو تحقيق جنائي، وفي هاتين الحالتين، فإنه يجب أن يكون الأمر بالكشف عن المعلومات الجينية الخاصة صادراً من محكمة مختصة، وبعد سماع أو تقدير وجود أسباب تبرر صدور هذا الأمر، وهذا التقدير من المحكمة يوجب عليها أن تبين ما إذا كانت هناك طريق آخر متاح للحصول على مثل هذه المعلومات، وأن تقدر الفائدة المرجوة من كشف هذه المعلومات مع الضرر الناتج من المساس بحق الشخص في خصوصية معلوماته الجينية( ).
- كما أجاز قانون الخصوصية الجينية لولاية (إلينوي) الأمريكية في الفقرة(ب) من الفصل الخامس عشر، الحصول على العينات البيولوجية بغرض التحقيق أو الاتهام في الدعوى الجنائية، وأنه يجوز كشف المعلومات الناتجة عن التحليل الجيني من هذه العينة بغرض مضاهاتها لمساعدة سلطات التحقيق والاتهام في تطبيق القانون، وقد أجاز القانون أن يتم أخذ العينة أثناء سير التحقيق أو الاتهام بغير رضاء الشخص، وأنه يجوز أن يعتد بها كدليل مقبول أمام المحكمة.
هذا وقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية قواعد بيانات مخزنة على أجهزة الحاسب الآلي، تحتوي على ما تم تسجيله من بيانات ناتجة عن الاختبارات الجينية، تستخدم هذه البيانات في العديد من الأغراض المختلفة، غير أن الاستخدامات الأكثر هي ما يتعلق بجانب الطب الشرعي، والمعلومات الجينية يمكن الحصول عليها مباشرة من مكان وقوع الجريمة بأخذ عينة الدماء، وذلك في جرائم القتل وجرائم العنف، أو من السائل المنوي ي جرائم الاعتداء على العرض( ).
ب- القانون الكندي:
وفي كندا لم يكن هناك أي نص تشريعي، قبل تاريخ 13\7\1995م يسمح صراحة بأخذ عينات بيولوجية من المشتبه بهم أو المتهمين وذلك بهدف إجراء تحاليل وراثية من مقارنة نتائجها نتيجة تحاليل العينات التي تَّم الحصول عليها من موقع الجريمة، لذلك كان المحققون يحاولون الحصول على رضا المتهم من أجل إجراء مثل تلك التحاليل. وأثار هذا الفراغ القانوني بعض الانتقادات التي أدت إلى تعديل القانون الجنائي الكندي في عام
(1995) وبموجب هذا التعديل يمكن للقاضي إصدار مذكرة يسمح بموجبها لعنصر الأمن أن يأخذ عينة بيولوجية من المشتبه به بهدف إجراء تحليل وراثي إذا كان يوجد ضده بواعث تشير إلى أنه أسهم في ارتكاب الجريمة، وفقًا لمادة (487-05) من القانون الكندي م. - ذهبت إليه المادة (487-06 بالحصول على العينات البيولوجية من ثلاثة مصادر اما من الشعر أو من الخلايا الظهارية أو من كمية قليلة من الدم
.، وقد حددت المادة(487/04)أو جرائم العنف. ولا يمكن استخدام العينات التي تَّم الحصول عليها بموجب مذكرة أصولية خارج نطاق هذه الجرائم تحت طائلة المساءلة القانونية.
وأوجب القانون، في حال ما إذا أثبتت التحاليل أن المشتبه به بريء، إتلاف ما تبقى من المادة. البيولوجية وكذلك جميع المعلومات التي تَّم الحصول عليها نتيجة الاختبار البيولوجي( ).
ومن ثم في 30/6/2000م أصدر المشرع الكندي قانونًا جديدًا بشأن تحديد الهوية عن طريق البصمات الوراثية. ويتَّمم هذا القانون الإستراتيجية التشريعية للحكومة الفيدرالية الكندية في مسائل تحديد الهوية عن طريق اختبارات الدنا والتي بدأت بصدور التعديلات المشار إليها بموجب القانون الصادر 1995 والتي سمحت للقضاة بإصدار مذكرات تسمح بأخذ العينات البيولوجية من المشتبه /7/ في 13بهم بهدف إجراء اختبارات الدنا.
ويميز القانون الجنائي الكندي بين الجرائم الأساسية (مثل: الجرائم الجنسية، والقتل، والخطف، والاعتداء مع استخدام السلاح)، التي يمكن أخذ العينات من المشتبه بهم بصورة آلية دون حاجة إلى موافقتهم، وبين الجرائم الثانوية، والتي لا يجوز أخذ العينات البيولوجية من المشتبه بهم إلا إذا رأى النائب العام ضرورة ذلك الإجراء من أجل مصلحة الأمن العام.
وقد أنشأ القانون الصادر في عام 2000 سجلا آليًا للبصمات الوراثية.
ويحتوي هذا السجل على البصمات الوراثية للمحكوم عليهم في جرائم خطيرة. وكذلك يحتوي على البصمات الوراثية التي تَّم الحصول عليها نتيجة التحاليل التي أجريت على الأدلة البيولوجية التي عثر عليها في مسرح الجريمة ولم يعرف صاحبها.
ويمكن استنادًا إلى أحكام هذا القانون، حفظ البصمات الوراثية والعينات البيولوجية فترة غير محددة.
ويمتاز القانون الكندي بأنه يسمح بتبادل المعلومات عن البصمات الوراثية مع البلدان الأجنبية بشأن التحريات والتحقيقات القضائية، وذلك في نطاق اتفاقات ثنائية تجيز مثل هذا التبادل( ).
ثانيا:في النظام الجرماني واللاتيني
1-القانون الألماني:
ويأخذ القانون الألماني بإمكانية إخضاع المتهم لفحص شخصي بناءً على قرار من القاضي، إذا كانت هناك دلائل قوية على ارتكابه الجريمة، وبالتالي، فإن هذه الاختبارات لا تحتاج لتنفيذها رضاء المتهم، بل قد تتم قهراً إذا استدعى الأمر ذلك.
وتشمل الاختبارات الجسدية كل العمليات الطبية التي من شأنها إثبات أو نفي الاتهام، فيشمل العمليات التقليدية من سحب بعض مشتقات الجسم المتجددة أو استقطاع بعض الأنسجة. أما بالنسبة لتحليل الحامض النووي، فمن المستقر عليه فقهاً هو دخول هذا النوع من التحليل في مدلول المادة 81/أ من قانون الإجراءات الجنائية الألماني C.C.P، رغم أن هذا النص كان قد وضع عام 1933م، أي قبل أن تعرف إمكانيات تحليل الحامض النووي D.N.A( ).
هذا، وقد اقترحت لجنة تقصي الحقائق الألمانية في عام 1987م، وضع قاعدة تشريعية خاصة باستخدام تحليل الحامض النووي في الإثبات الجنائي، تحسباً لإساءة استعماله، فاقترحت الآتي: 1- ألا تتم هذه التحليلات إلا بإذن قضائي مسبب.2- ألا تتم هذه التحليلات إلا على خلايا أو أنسجة المتهم.3- أن يكون هذا التحليل حيوي جداً وهام لا يمكن الاستغناء عنه لحسم الدعوى.4- أن يتم التحليل في مراكز بحثية ومختبرات تابعة للبوليس العلمي(مصلحة الطب الشرعي) ( )
2- النمسا:
يجيز القانون النمساوي الصادر في 1/9/1999م. إجراء اختبارات الدنا من أجل الحصول على البصمات الوراثية. وقصر القانون المذكور نطاق الاختبارات على الجرائم الخطيرة. ونص على إنشاء سجل مؤتمت للبصمات الوراثية، حيث يحتوي هذا السجل على البصمات الوراثية للمحكوم عليهم بجرائم خطيرة، وكذلك على الآثار البيولوجية التي تم الحصول عليها من موقع الجريمة، ولم يعرف صاحبها. ويجيز القانون الاطلاع على السجل المؤتمت للبصمات الوراثية من أجل إجراء المطابقات. الدولية ( ).
3- سويسرا:
وكذلك الحال بالنسبة لسويسرا، حيث يجيز القانون الصادر في 13\5\200م وينص القانون على إمكانية إجراء مثل هذه الاختبارات في جميع الجنايات التي تستوجب عقوبة الحبس.
وينص القانون كذلك على استخدام نظام معلومات على سبيل التجربة، من(7 \1عام(2004، يقوم على معالجة المخططات الوراثية للدنا. ويمكن تخزين البصمات الوراثية للأشخاص المحكوم عليهم بعقوبة سالبة للحرية في هذا النظام، وكذلك الحال بالنسبة لبصمات المشتبه بهم.
ولكن في حال البراءة أو تعليق الدعوى يجب مسح بصماتهم من السجل. ويجيز القانون أيضًا إزالة البصمات، في حالة الإدانة، بعد مرور فترة معينة من الزمن تختلف باختلاف خطورة الجرم. المرتكب ( ).
4-القانون الهولندي:
كما أعد المشرع الهولندي مشروع قانون في 2/12/1991م، نظم فيه شروط اللجوء لتحليل الحامض النووي D.N.A، وإجراءاته وضمانات عدم إساءة استخدام النتائج التي يسفر عنها، وذلك على النحو التالي( ).
1- لا يتم تعيين خبير لاختبار الحامض النووي لتحدي الهوية إلا بقرار من قاضي التحقيق.
2- يجب على قاضي التحقيق أن يحيط المتهم علماً بإخطاره كتابة بالساعة والمعمل الذي سيجري فيه لاختبار، كما يجب إخطاره بالنتيجة التي أسفر عنها.
3- يمكن للمتهم أو محاميه أو خبير استشاري من جانبه، أن يحضر الاختبار (مادة 195/أ 1-2 من قانون الإجراءات الجنائية)
4- يحق للمتهم خلال الخمسة عشر يوماً التالية لإعلان نتيجة الاختبار أن يطلب من قاضي التحقيق ندب خبير آخر لإعادة الفحص أو الاختبار(مادة 195/ب من قانون الإجراءات الجنائية). وفي حالة عدم وجود خلية كافية لإجراء الاختبار الثاني يحق للمتهم أن يختار خبيراً يعمل بإحدى المعامل المعترف بها قانوناً لإجراء الاختبار. والغرض في هذه الحالة أن المتهم وافق على أن تؤخذ منه عينة الدم اللازمة لإجراء اختبار تحديد الهوية أو تقديم الاستشاري، وفي حالة رفضه يجوز للقاضي أن يصدر أمراً بإخضاعه لأخذ عينة الدم بمعرفة أحد الأطباء، والذي له أن يستعين بالشرطة إذا لزم الأمر (مادة 195/ف-4-6 من قانون الإجراءات الجنائية). ويجب أن يكون قرار القاضي مسبباً وأن يخطر به المتهم. مع ملاحظة أن القاضي لا يمكنه إصدار مثل هذا القرار إلا إذا تعلق الأمر بجريمة معاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية لمدة ثماني سنوات أو أكثر، أو كانت هناك دلائل قوية على ارتكاب إحدى جرائم العنف التي يعاقب عليها بعقوبة سالبة للحرية لمدة ست سنوات، وفي كل الأحوال لا يجوز إخضاع المتهم لتحليل الحامض النووي إلا إذا كان لازماً للبحث عن الحقيقة (مادة195/د-1-2-3 من قانون الإجراءات الجنائية).
5- وإذا كان دم الشخص الخاضع للفحص غير صالح من الناحية الطبية، فيمكن للقاضي أن يأمر بأخذ عينة من الغشاء المخاطي لغدة الفم أو من الشعر أو من أي خلية أخرى من الجسم(مادة 195/هـ-5-7 من قانون الإجراءات الجنائية).
6- يجوز للمتهم أن يستأنف قرار قاضي التحقيق بالخضوع الإجباري للفحص خلال خمسة عشرة يوماً التالية لإعلانه بالقرار، وتفصل في الاستئناف المحكمة التي تختص بمحاكمته، ويترتب على الاستئناف وقف تنفيذ القرار مؤقتاً لحين الفصل فيه (مادة 195/أ-4) من قانون الإجراءات الجنائية).
7- يتم إعدام المادة المأخوذة من جسم المتهم بعد الانتهاء تماماً من عملية الفحص وظهور النتيجة (مادة 195/أ-4 من قانون الإجراءات).
وبذلك يكون مشروع القانون الهولندي قد وضع ضمانات كافية لإجراء اختبار تحيل الحامض النووي، بما لا يكون هناك أي اعتراض قانوني على هذا الاختبار( ).
ب-النظام اللاتيني:
1-القانون الفرنسي: اعتبر المشرع الفرنسي البصمات الوراثية في القانون رقم 94-653 الصادر في 29 يوليه سنة 1994م( ) دليلاً مستقلاً يمكن بناء الحكم عليها في مسائل النسب والنفقة، حيث نصت المادة 16/11 من القانون المدني الفرنسي- المضافة- على أن:
(... وفي مجال القانون المدني، فإن تحديد شخصية الفرد بناء على تحليل الجينات الوراثية لا يجب البحث عنه إلا بمناسبة إتمام إجراءات تحقيق مصرح به من قبل القاضي المختص، وبصدد دعوى إنشاء أو منازعة في رابطة البنوة، أو دعوى طلب الحصول على نفقة أو الإعفاء منها...).
كما اعتبر المشرع الفرنسي البصمات الوراثية دليلاً مستقلاً في القضايا الجنائية، وهو ما نصت عليه صراحة المادة 226-28 من قانون العقوبات الفرنسي الصادر عام 1994م، والتي حددت نطاق استخدام البصمات الوراثية في ثلاث حالات، منها: التحقيقات والإجراءات الجنائية.
وعلى ذلك، يكون المشرع الفرنسي قد أسس شرعية العمل بالبصمات الوراثية في المجالات السابقة(النسب والنفقة والقضايا الجنائية)، وأصبحت بذلك تطبق بشك اعتيادي في التقصي وفي الحكم أو القرار النهائي، ولهذا لم يتردد البعض من الفقه في وصفها بملكة الإثبات أو سيدة الأدلة، بل ذهب البعض الآخر من الفقه إلى أبعد من ذلك حيث قال: إن البصمات الوراثية تساهم في أمن قضائي كبير( ).
2-القانون الايرلندي: كما يسمح القانون الأيرلندي بإثبات الاتهام عن طريق تحليل بعض عينات الجسد(الدم أو البول أو اللعاب فقط)، وذلك في الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي أو التي يعاقب عليها بالحبس لمدة خمس سنوات على الأقل.
على أنه لا يجوز إجبار المتهم على الخضوع للفحوص الطبية، فيجب أن يعطي موافقة كتابية على قبوله الخضوع لهذا الاختبار، وإذا رفض المهم التعاون، فمن سلطة القاضي أن يستنتج أنه مذنب، وله سلطة التقدير في هذا الصدد( )
3-القانون الدنمركي: وفي القانون الدنماركي، نصوص تسمح بإجراء تحليل جيني للمتهم إذا وجدت أسباب قوية تبرر إدانته في جريمة عقوبتها حبس الحرية مدة تصل إلى ثمانية عشر شهراً أو أكثر.
هذا التدخل على الجسد يشمل عمليات سحب بعض إفرازات الجسد المتجددة (دم – عرق-بول)، أو استقطاع بعض الأجزاء الخلوية (جزء من الجلد) لأجل إتمام التحقيق الجنائي. هذا، وإن كان المشرع الدنماركي لم ينطق صراحة بجواز إجراء تحليل للحمض النووي D.N.A، إلا أن المعترف به والمضطرد عليه أن التدخل الاختباري على الجسد يشمل مثل هذا التحليل للمساعدة في التحقيق الجنائي( ). ولكن لا يجوز أخذ العينة إلا بناء على قرار مسبب من القاضي، ويتم الفحص بمعرفة طبيب، وهذا الأخير هو الذي يقرر ما إذا كان التدخل مسموح به طبياً أم لا.
4-القانون النرويجي: أما القانون النرويجي(الصادر في 1/1/1986م – مادة 157)، والقانون الإنجليزي(الصادر سنة 1984م- المادتان 62-63)، والقانون السويدي، فيقروا بنتائج هذه التحليلات سواء في إطار الاختبارات الجسدية بصفة عامة، أو في إطار بعض القواعد الخاصة بتحليل الحامض النووي.
ولا يشترط القانون النرويجي رضاء التهم لإجراء التحليل، بل يحمل محل إرادته (في حالة الرفض أو صعوبة الحصول على الرضاء) إذن القاضي أو المحقق، كما تسري أغلب القواعد السابقة هنا سواء من حيث ضرورة الحصول على الإذن القضائي بذلك، وأهمية هذا التحليل لإثبات أو نفي الاتهام والحفاظ على سرية نتائج التحاليل( )
ثالثاً: الموقف في التشريعات العربية:
وعلى صعيد التشريعات العربية، فقد ذهبت تشريعات بعض الدول إلى اعتبار البصمات الوراثية أو التحاليل الجينية وإنزالها في إثبات النسب منزلة تساوي منزلة الشهادة والإقرار، ومن أبرز هذه التشريعات.
- التشريع التونسي:
- حيث جاء في قانون الأحوال الشخصية رقم28 لسنة 1998: (.... ويمكن للأب أو للأم أو للنيابة العمومية رفع الأمر إلى المحكمة الابتدائية المختصة لطلب إسناد لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني أن هذا الشخص هو أب ذلك الطفل).
وفضلاً عن ذلك، فإن هناك بعض التشريعات العربية لا تعالج موضوعاً واحداً في الخبرة أو حتى في الفحص الطبي، بل جاءت في مجملها أحكاماً عامة، يمكن أن تندرج تحتها البصمات الوراثية أو ما يوصف بالأدلة العلمية أو التحاليل البيولوجية، ومن ثم، فللقاضي أن يفسر هذه النصوص المتعلقة بالخبرة أو بالفحص الطبي تفسيراً واسعاً يتق مع التطورات العلمية، في بيولوجيا الإثبات( )، ومن الأمثلة على هذه التشريعات:
1- التشريع اللبناني:
2- لم ينص قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني على البصمات الوراثية، ورغم ذلك فإنه يمكن للقاضي الجنائي الجوء إليها والحكم بموجبها عملاً بمبدأ الإثبات الحر الذي يأخذ به المشرع الجنائي اللبناني، والذي نص عليه في المادة 719 التي جاء فيه:
(يمكن إثبات الجرائم المدعي بها بطرق الإثبات كافة ما لم يرد نص مخالف، ولا يمكن للقاضي أن يبني حكمه إلا على الأدلة التي توافرت لديه، شرط أن تكون قد وضعت قيد المناقشة العلنية أثناء المحاكمة، ويقدر القاضي الأدلة بهدف ترسيخ قناعته الشخصية).
وعليه، يكون المشرع اللبناني قد نص صراحة على الإثبات الحر في المجال الجنائي، فالقاضي الجنائي لا يتقيد بدليل معين من أدلة الإثبات – على عكس القاضي المدني- كما يمكن تأسيس العمل بالبصمات الوراثية في المجال الجنائي على القانون رقم 65لسنة 1985م، والذي أجاز الاستعانة بالخبراء للإثبات في القضايا الجزائية، وهو ما أشارت إليه محكمة التمييز بقولها:
(يحق للمحاكم الاستعانة بالخبرة، كما يمكنها الاستغناء عنها إذا ما وجدت في الأدلة ما يكفي لتكوين عقيدتها).
كما قضت بأن: (المحكمة غير ملزمة برأي الخبير، ولها أن تهمله وتستند إلى الأدلة الأخرى التي ترتاح إليها) ( ).
2-التشريع العراقي:
لقد نظم القانون العراقي في المادة(70)من قانون أصول المحاكمات الجزائية على أن حكام التحقيق أو المحاكم أن يرغم المتهم أو المجني عليه في جناية أو جنحة على التمكين من الكشف على جسمه أو قليل من دمه أو أظافره أو غير ذلك مما يفيد التحقيق لإجراء الفحص اللازم، ومفاد كل ذلك أن المشرع العراقي أجاز تحليل الدم.
3-التشريع الكويتي:
إن المتتبع للقانون الكويتي لا يكتشف من النص صراحة على وجوب الخضوع لعملية التحليل والخاصة بالبصمة الوراثية، إلا أنه وبالرجوع إلى قانون الخبرة لاسيما في مادته (11) التي تنص على"إن تخلف الخصم على تنفيذ قرارات الخبير بغير عذر لجأ الخبير إلى المحكمة التي تسلط عقوبة مالية تتمثل في غرامة لا تقل عن خمسة دنانير ولا تزيد عن عشرين دينارا"وذلك بقرار يثبت في محضر الجلسة له نفس القوة التنفيذية للأحكام، ولا يقبل الطعن بأي طريقة ولكن للمحكمة أن تعفي المحكوم عليه من الغرامة أو بعضها إذا أبدى عذرا مقبولا.
4- التشريع المصري:
رغم بقاء البصمات الوراثية بعيدة عن متناول المشرع المصري، إلا أنه يمكن تأسيس العمل بالبصمات الوراثية في القانون المصري على ما قرره قانون المرور رقم 66 لسنة 1973م في المادة66منه، حيث نصت هذه المادة على جواز إجراء الفحص الطبي على قائد المركبة الذي يشتبه في قيادته وهو تحت تأثير خمر أو مخدر( ).
فهذا النص يمكن أن يعبر عن منطق أو منهج التشريع المصري تجاه دلالة الفحوص الطبية، الذي يعتبر الفحص الوراثي (البصمة الوراثية) نوعاً متطوراً منها( ).
كما يمكن تأسيس مشروعية العمل بالبصمة الوراثية في القانون المصري على ما ضمنه المشرع قانون الإجراءات الجنائية من بعض النصوص المتعلقة بالخبرة الطبية والاستعانة بها، حيث نصت المادة 85على أن:
(إذا استلزم إثبات الخبرة الاستعانة بطبيب أو غيره من الخبراء، يجب على قاضي التحقيق الحضور وقت العمل وملاحظته..).
كما نصت المادة (86) وما بعدها من نفس المجموعة على شرط حلف اليمين ليؤدي الخبير عمله، ونظمت مواعيد تقديم التقرير وحق المتهم في الاستعانة بخبير استشاري ورد الخصوم للخبير.
أيضاً، فإن تعليمات النيابة العامة قد تعرضت للاستعانة بالخبرة الطبية في المواد 249حتى المواد 515 من التعليمات، ونظمت ذلك تنظيماً مفصلاً كبيراً من حيث الحالات التي يندب فيها الأطباء الشرعيون وطريقة عملهم وحالات التشريح للجثث وتحليل العينات المضبوطة وغير ذلك من الأحكام( ).
وعلاوة على ذلك، فإنه يمكن تأسيس مشروعية العمل بالبصمات الوراثية في القانون المصري على مبدأ حرية الإثبات الذي يأخذ به المشرع المصري في المجال الجنائي، وهو ما نصت عليه المادة 302من قانون الإجراءات الجنائية المصري بقولها:
(يحكم القاضي الجنائي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته..).
وهذا المبدأ هو ما أقرته محكمة النقض المصرية حيث قضت بأن:
(القانون الجنائي قد فتح – فيما عدا ما استلزمه من وسائل خاصة في الإُبات – بابه أمام القاضي الجنائي على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلاً إلى الكشف عن الحقيقة) ( ).

5- التشريع السوداني:
كما هو الحال في غالبية التشريعات العربية لم ينص المشرع السوداني في قانون الإثبات أو الإجراءات الجنائية على اعتبار البصمات الوراثية، إلا أن إقراره لإجراء الفحوصات الطبية بغرض الإثبات الجنائي يمكن ن ينسحب على البصمات الوراثية، ومن أهم النصوص التي وردت في القانون السوداني في هذا الخصوص ما يلي:
أ- يجوز لأي قاضي أو رجل بوليس، أن يطلب إلى أي شخص مقبوض عليه، بناء على شبهة معقولة لمساهمته في جريمة يعاقب عليها بالحبس، تقديم نفسه للفحص الطبي على يد شخص مرخص له في مزاولة مهنة الطب، أو مساعد طبي، إذا لم يتيسر وجود مثل هذا الطبيب.
ب- أن يكون طلب الفحص الطبي المذكور محققاً لمصلحة العدالة( )، كما لو كان هدفه التثبيت مما إذا كان الشخص المقبوض عليه مرتكباً للجريمة المشتبه فيها أم لا.
ج- أن يكون المطلوب إحالته للفحص الطبي، متهماً في جريمة على درجة من الجسامة، معاقباً عليها بالحبس ولأية مدة، أما إذا كانت العقوبة هي الغرامة فقط، فلا يجوز إحالته لهذا الفحص( ).
د- يحق للمتهم أو الشخص المقبوض عليه، والمطلوب تقديم نفسه لإجراء الفحص الطبي، إحضار أي طبيب يعينه أثناء الفحص، ما لم يكن الوقت الذي يستغرقه في حضوره، قد يفوت الغرض من التحليل أو الفحص( ).
6- موقف المشرع اليمني:
على الرغم أن البصمات الوراثية لم تستخدم دليلاً أمام المحاكم اليمنية ولم ينص المشرع اليمني صراحة عليها، إلا أنه يمكن تأسيس العمل بالبصمات الوارثية في القانون اليمني سواءً في قضايا النسب أو القضايا الجنائية، وذلك على ما قرره قانون الإثبات وقانون الإجراءات الجزائية فقد نص قانون الإثبات رقم(21) لسنة 1992م(13) على طرق الإثبات وذكر منها-تقرير الخبراء ثم جاء في مادته (165) في الباب الثامن في الاستعانة بالخبراء(على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب... وغيرها مما يدق فهمه أن تعين خبيراً (عدلاً) أو أكثر من المؤهلين علمياً وفنياً أو من لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتسعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد إثبات الواقعة المراد إثباتها...).
فهذا النص يعبر عن منطق أو منهج التشريع اليمني تجاه دلالة الفحوص الطبية والذي يعتبر الفحص الوراثي نوعاً منها.
ويمكن أيضاً تأسيس مشروعية العمل بالبصمة الوراثية كدليل إثبات ما ضمنه الشرع اليمني في قانون الإجراءات الجزائية رقم(13) لسنة 1994م، حيث نص في مادته (323) تعد من أدلة الإثبات في الدعوى الجزائية ما يلي:... د-المستندات بما فيها أية تقارير رسمية مرتبطة بشخصية المتهم أو وقائع الجريمة والقرائن والأدلة الأخرى) والمادة (334) وهو قريب من النص المصري (للمحكمة أن تستعين بخبير أو أكثر في أي مسألة يدق فهمها ويبدى الخبير رأيه في تقرير مكتوب موقع عليه...) ونص في المادة (213) يجوز فحص جسم المتهم بما في ذلك أخذ عينات دم متى كان للفحص أهمية بالنسبة للقضية..) يضاف إلى هذه النصوص يمكن تأسيس العمل بالبصمات الوراثية، على مبدأ حرية الاقتناع الذاتي كما هو الحال في المشرع المصري فقد نصت المادة(367) (يحكم القاضي في الدعوى بمقتضى العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته من خلال المحاكمة...).
ومما سبق يظهر أنه يمكن للقاضي اليمني أن يستند إلى دليل علمي كالبصمة الوارثية سواءً في القضايا المدنية أو القضايا الجنائية، ومع ذلك فإن هذا الدليل يخضع للاقتناع الذاتي له إن شاء أخذ به وسبب على هذا الأخذ بشرط أن يكون تسبيباً صائغاً وأن شاء أهدره ما لم يكن أمام القاضي قضية أوجب لها القانون والشريعة الإسلامية دليلاً محدداً، كالحدود.

المطلب الثاني
موقف الفقه القانوني
لا تزال البصمة الوراثية بعيدة عن متناول كثير من الفقهاء( ) إلا أن اختلافهم حول مدى مشروعية الاعتماد على القرائن القضائية في المواد الجنائية، يمكن أن ينسحب إلى البصمة الوراثية، خاصة بعد أن أوضحنا أن البصمة الوراثية تنتمي إلى تلك القرائن، وقد اختلفت كلمة فقهاء القانون الجنائي سواء في مصر أو في فرنسا حول مدى إمكانية بناء الحكم عليها، وذلك على التفصيل الآتي:
أولاً: الفقه الفرنسي:
ذهب جانب من الفقه الفرنسي، إلى أن الإثبات بالقرائن يمثل الضوء الذي يضيء ضمير القاضي ووجدانه نحو الآثار المطلوبة من أجل الوصول إلى الحقيقة، بالإضافة إلى دورها العظيم في خلق القواعد الموضوعية، وهي وظيفة على درجة كبيرة من الأهمية( ).
بينما ذهب جانب آخر من الفقه الفرنسي إلى القول، بأن الإثبات بالقرائن لا يخلو من عيوب وأخطار شأنها في ذلك شأن كافة الأخرى التي لم تتنزه هي الأخرى عن كثير من العيوب، خاصة إذا ما أصاب العيب الركن المادي للقرينة، إذ أن من شأنه أن يؤثر على عملية الاستنباط، لأن ما بني على خطأ سيصبح الاستدلال فيه غير مطابق للحقيقة. وكما يقال: إن معرفة الخطر هي نصف الطريق إلى تجنبه( ).
كما يرى بعض لمؤلفين أن طبيعة القانون الجنائي تنفر من القرائن( )، لذلك يجب إلغاء القرائن الموجودة في هذا المجال، لأنها تمثل إسراف فني غير مقبول في قطاع من القانون يجب أن تسود فيه الإنسانية، حيث لا يمكن قبول إنشاءات فكرية مجردة تمس جوهر الحقيقة الاجتماعية والإنسانية للفرد، ولأن الصعوبة الكبرى تكمن في تقييم القرائن بقيمتها الحقيقية في وقت يرابط فيه أكثر الأخطار شيوعاً، وهو المبالغة في هذا التقييم( ).
ثانياً: الفقه المصري:
اختلف الفقه القانوني المصري حول مدى إمكانية بناء الحكم على القرائن القضائية إلى آراء ثلاثة:
الرأي الأول: يرى غالبية فقهاء القانون الجنائي وشراحه، أن القرائن القضائية من طرق الإثبات الأصلية في المواد الجنائية ولا حصر لها، ولا يخضع الدليل المستمد منها لرقابة محكمة النقض إلا بقدر ما تباشره هذه من إشراف على سلامة الاستدلال واستخلاص النتائج والمقدمات وما تتطلبه فيه من أن يكون سوياً متفقاً مع العقل والمنطق السليم( ).
وتقول الدكتوره/ فوزية عبد الستار في هذا الخصوص:
(وتعتبر القرينة القضائية دليلاً في الإثبات يجوز للمحكمة أن تستند إليه وحده في الحكم، فقد قضى بأن: (القرائن من طرق الإثبات الأصلية في المواد الجنائية، فللقاضي أن يعتمد عليها دون غيرها، ولا يصح الاعتراض على الرأي المستخلص منها ما دام سائغاً مقبولاً) ( ).
ويشرح الدكتور/ محمود نجيب حسني، حجة هذا الرأي بقوله:
(إن مبدأ الاقتناع القضائي يخول القاضي أن يستمد اقتناعه من أي دليل، فلا وجود لدليل يحظر على القاضي أن يستمد اقتناعه منه: فإذا كان مقتنعاً بدلالة قرينة معينة، وتوافرت فيها الشروط المتطلبة في الدليل القانوني، فلا سند من القانون لحرمانه من الاعتماد على الدلالة المستخلصة منها، وهذه القاعدة مقررة في القانون المدني( )، فينبغي تقريرها في الإجراءات الجنائية من باب أولى. وللقرينة قوة واضحة في الإثبات، ولتوضيح ذلك نتبين خطوات عمل القاضي حينما يستمد اقتناعه من القرينة يمر عمله بخطوات ثلاث: إنه يتطلب إثباتاً كاملاً للواقعة التي تستمد القرينة منها، وبعد ذلك يستظهر علاقة سببية منطقية بين هذه الواقعة وبين الواقعة الأخرى التي يرادها إثباتها، وإذا كان في الدعوى أدلة أخرى كشهادة أو اعتراف، فإنه يتحرى مدى الاتساق بينها وبين القرينة، فإذا تبين له ذلك الاتساق، فلا شك بعد ذلك في دلالة القرينة. ويتضح بذلك أن قوة القرينة في الإثبات مستمدة من الثبوت اليقيني لواقعة، ثم من قواعد المنطق التي تفرض نفسها على كل تفكير علمي منظم، ثم من تدعيم أدلة أخرى لها...) ( ).
وتدعيماً لهذا الرأي، يرى البعض أن الدليل المادي أو الفني – ومنه البصمة الوراثية – أكثر تأثيراً على اقتناع القاضي من الدليل المعنوي، حيث يخضع هذا الأخير لاحتمال إساءة الفهم أو عدم الدقة في الملاحظة أو سوء النية، أو يخضع لمؤثرات نفسية، كالإكراه أو الخوف أو الوعيد، بينما لا يعرف الدليل المادي هذه الاحتمالات( ).
الرأي الثاني: ذهب بعض الفقه إلى القول بأن، القرائن القضائية أو الفعلية لا ترقى إلى مرتبة الدليل، وبالتالي لا يجوز الاستناد إليها وحدها في الإدانة( ).
ويدعم أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم بالقول بأن: استناد الحكم إلى القرينة القضائية فقط يعتبر أمراً على جانب من الخطورة، ذلك أن القرائن القضائية، لا يجوز أن تعطي قيمة كبيرة في الإثبات، فاللجوء إليها وحده دون وجود دليل في الدعوى يعني بناء الحكم على الاستنتاج أو الافتراض، الأمر الذي يؤدي إلى الوقوع في الخطأ.
ثم أن الاستنتاج يستمد عادة من الوقائع، والوقائع قد تكون ملفقة (غير صحيحة)، ومن الظلم اعتبار الاستنتاجات المبنية على وقائع غير يقينية دليلاً كاملاً في الدعوى( ).
وفضلاً عن ذلك، فإن الإثبات بالقرائن- كما يرى أنصار هذا الرأي – وإن كان للقاضي السلطة الواسعة بصدده، إلا أنه يستحسن التقليل من اللجوء إلى الإثبات بها، لأن الأحكام لا بد أن تتفاوت من قاضي لآخر، لن هناك تفاوتاً في الأفهام والقدرة والإدراك، فما يراه هذا القاضي سليماً في استنباطه قد يراه آخر عقيماً، ويتنافى مع المنطق والعقل. ولذا، لا يجوز الالتجاء إلى القرائن في الإثبات إلا عندما ينتفي إمكان الإثبات بالأدلة المباشرة، ذلك لأن الإثبات بالقرائن يحوطه الإحساس بالضآلة في مواجهة المجهول، وهذا يجعل القاضي ضحية الإيحاء لنفسه بأنه لا بد سيظفر بالحقيقة، مما لا يصح معه مثل هذا الموقف، لأنه أمر بعيد عن الخيال، ويحتاج إلى المنطق والعقل( ).
الرأي الثالث: ذهب أنصار هذا الرأي إلى جواز الحكم بالمواد الجنائية، بناء على القرائن القضائية إذا عززت بأدلة أخرى، شريطة أن تكون جميع القرائن التي استندت إليها المحكمة وأدت إلى استخلاص الواقعة المجهولة متفقة مع مقتضيات العقل والمنطق، وأن لا تكون هذه القرائن مستفادة من السلوك الخاص بالمتهم( ).
أما استناد الحكم فقط إلى القرائن أو الدلائل، فهذا أمر غير جائز ويكون معه الحكم معيباً( ).
ويرى الباحث أن الراجح من بين هذه الآراء الثلاثة، هو الرأي الأول، الذي يجعل القرائن القضائية من طرق الإثبات الأصلية في المواد الجنائية، ويجوز للمحكمة أن تستند إليها وحدها في الحكم. وسبب الترجيح لهذا الرأي يرجع إلى أن عدم تطبيق القرائن القضائية يمثل من حيث المبدأ مخالفة للنصوص القانوني( ). إذ يترتب على عدم الأخذ بها، متى كانت تصلح وسيلة أو دليلاً للحكم، تعطيل النص القانوني، وهو أمر لا يملكه قاضي الموضوع، مما يجعل حكمه قابلاً للطعن( ).
هذا، وإذا كان المانعون لتطبيق القرائن يرون أن الحكم بها قد يؤدي على الخطأ نظراً لقيامه على الاستنتاج، فإن القرائن قد تعتبر وسيلة لتحقيق صدق الدليل المباشر، كما في استخلاص صدق الشاهد أو غير ذلك، أو صحة أو اعتراف المتهم أو كذبه عندما تأتي الشهادة، أو الاعتراف على الوجه الذي يتفق مع التصور المنطقي للحادث وصورته الحقيقية.
وإذا كان المانعون لتطبيق القرائن في الحكم، يرون أنها تستند إلى وقائع قد تبدو غير صحيحة، الأمر الذي يجعل الحكم بها غير صائب للحقيقة لقيامه على استنتاج غير سليم، فإنه يمكننا أن نجيب عن ذلك بأن: قاضي الموضوع لا يصدر حكمه إلا بعد تفنيد عناصر الإثبات بالدعوى، والإحاطة بها عن بصر وبصيرة، وكما كانت الأحكام الجنائية تستند إلى المنطق والقانون، فمن ثم، لا خوف من تطبيق القرائن التي تجمع بين الدليل القانوني والإقنعي في الإثبات( ).
وأخيراً، فإذا كان المانعون لتطبيق القرائن، يرون أن الحكم بالقرائن يحوطه المساس بالضآلة في مواجهة المجهول، فإننا نؤكد لهم أن الإثبات الجنائي يقوم على أساس الاقتناع اليقيني، وقد يستحيل وفقاً لما يرون إثبات بعض العناصر من خلال الأدلة المباشرة، كا في إثبات القصد الجنائي أو الاشتراك أو التحريض أو الاتفاق أو الصورة الحقيقية للدعوى، وهي أمور قد لا يمكن إدراكها بالدليل المباشر، ومن ثم فلا سبيل ولا مناص إلا باللجوء إلى القرائن لإثباتها. وعلى ذلك، لا يمكن القول بقبول إثبات القصد الجنائي بالقرائن وإثبات عناصر الجريمة الأخرى بالأدلة المباشرة، إذ أنها تعد تفرقة تحكمية لا أساس لها، خاصة وأن القرينة قد تعبر دليل إثبات أصدق من الشاهد أو الاعتراف( ).

المطلب الثالث
موقف الاجتهاد القضائي
أولاً: القضاء الأوروبي:
أن المتتبع لأحكام القضاء الفرنسي، بخصوص دعاوى النسب والقضايا الجنائية له مدى الترحاب الذي قوبلت به النتائج الحديثة لأنظمة البصمات الوراثية باعتبارها وسيلة نفي أو إثبات، بطريقة لا تقبل الشك، أو بالأحرى، بطريقة تقترب من اليقين. وهو ما يتأكد لنا من خلال استعراضنا لعدد من المنازعات التي عرضت على القضاء، وذلك على النحو الآتي:
1- كانت باكورة الأحكام الصادرة في هذا المجال، من محكمة استئناف باريس( ). في نزاع تتلخص وقائعه في أن سيدة متزوجة أنجبت طفلاً وألحق نسبه لزوجها، ثم طلقت وتزوجت بآخر، وبعدها رفعت دعوى تطلب فيها نفي نسب الطفل من مطلقها وثبوته من زوجها الثاني. فقضت محكمة الاستئناف في 11ديسمبر سنة 1975م بتكليف خبير حددت مهمته بإجراء اختبارات الوراثة بالنسبة للأطراف المعنية، (الأم، الطفل، المطلق، الزوج الثاني)، بغرض توضيح أي من الزوجين يعد مستبعداً ولا يعزى إليه نسب الطفل، وأيهما لا يعد مستبعاداً ويمكن اعتباره الأب، وفي حالة عدم الاستبعاد على الخبير أن يوضح درجة احتمال الأبوة.
وقد أودع الخبير في 3/3/1976م تقريره الذي يفيد استبعاد الزوج الأول، واعتبار الزوج الثاني هو الأب الحقيقي للطفل على وجه يقترب من اليقين، حيث قدر نسبة احتمالات الأبوة بدرجة تصل 999.84 من ألف، واستناداً إلى هذا التقرير قضت المحكمة في 16/12/1976م بلزوم ثبوت نسب الطفل إلى الزوج الثاني باعتباره الأب الحقيقي( ).
2- وفي هذا المجال أيضاً حكم محكمة (نيم) الفرنسية، في قضية قتل واغتصاب، تدور أحداثها حول فتاة تدعى (إيمانويل) البالغة من العمر خمسة عشرة عاماً، عثر على جثتها ملقاة على أحد جانبي موقف بلدية (جارون) بتاريخ 19/1/1996م، وبإجراء الفحوصات التقليدية تبين أنها قد تعرضت لجريمة اغتصاب في المهبل والشرج، ثم خنقت بالوشاح الذي كانت تضعه حول عنقها، وأظهرت نتائج الاختبارات لبعض الآثار المأخوذة من على جسد الضحية، أنها تعود إلى شخص واحد، وتوصلت التحقيقات إلى أن الجاني هو شاب يدعي(إبراهيم. م) من أصل مغربي، يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، وبعد إجراء فحوصات الحامض النوويD.N.A على أجزاء من جسمه، ومقارنتها مع نتائج اختبارات الآثار المرفوعة من على جسد الضحية، وجد تطابق تام بينهما، وبتاريخ 1/9/1997م أدانت محكمة نيم هذا المتهم بجريمتي القتل والاغتصاب ( ).
3- وفي انجلترا، حكم بالسجن لمدة ثماني سنوات على المتهم Robert Melas – 32سنة – لارتكابه جريمة اغتصاب وقعت على سيدة معوقة، وذلك بعد أن أثبت التحليل الجيني للسائل المنوي المأخوذ من على جسد المجني عليها أنه يخص هذا الجاني بالإضافة إلى تطابق تحليل آثار الدماء المأخوذة من على مسرح الجريمة مع فصيلته( ).
هذا، ويمكن أن يؤدي استخدام البصمة الوراثية إلى البراءة، ففي إحدى قضايا الاغتصاب تعرفت المجني عليها على المتهم من وسط طابور العرض القانوني، إلا أن تحليل البصمة الوراثية، نفى أن يكون المشتبه فيه هو مرتكب الجريمة( ).
ثانياً: القضاء الأمريكي:
قضت المحاكم الأمريكية بأن البصمة الوراثية متساوية في قوة الإثبات مع بصمة الأصابع( ) الذي يصلح للحكم بالبراءة والإدانة( )، من خلال إظهار أن العينتين، المستمدة من مسرح الجريمة والمأخوذة من المشتبه فيه، لهما ذات النمط الجيني( ).
وقد أكدت هذا المعنى محكمة نيوجيرسي بقولها:
(أنه أصبح من المقبول عالمياً، في الأوساط الطبية والعلمية، أن نتائج اختبارات فصائل الدم في مجال نفي نسبة الطفل إلى الأب، ليست عبارة عن مجرد رأي خبيراً أو وجهة نظر له، بل هي تقرير واقع علمي، ولما كان الأمر كذلك فلا بد من قبول هذه النتائج أمام المحاكم، فإذا ما قررت المحكمة – أي محكمة الموضوع – أن هذه النتائج ليست قاطعة، فإن قرارها هذا يكون بمثابة أن تصدر المحكمة قراراً بأن الأرض منبسطة) ( ).
ولعل من أبرز القضايا التي استخدمت فيها تحاليل البصمة الوراثية في أمريكا، هي ما طالعتنا به الصحف( ) لعدة أسابيع بما يسمى فضيحة (مونيكا جيت) سنة 1998م، واضطر الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) إلى الاعتراف بواقعة التحرش الجنسي بالمجني عليها(مونيكا) في مكتبه البيضاوي بالبيت الأبيض، وذلك بمجرد التلويح له بتحليل عينة من سائله المنوي الموجود على قطعة من ملابس(الفستان الأزرق) المجني عليها، وقام بالاعتذار للشعب الأمريكي( ).
وفضلاً عن ذلك، فقد أدانت البصمة الوراثية مغتصباً بنيويورك يدعى (كليرنس وليامز 58عاماً) بعد 23عاماً على جريمته، وذلك استناداً على تحليل لعينة من الحامض النووي D.N.A كانت مخبأة في ملف القضية، وتبين في وقت لاحق علاقته بأحد عشر اعتداء جنسياً آخر على الأقل.
وكان (كليرنس وليامز) قد أفلت من حكم بالإدانة خلال محاكمته عام 1974م، لأن الضحية (كاثلين هام) لم تر وجهة على الإطلاق، وقالت: أنها لا يمكنها التعرف عليه. وهو الآن عقوبة تصل إلى السجن50عاماً على الاغتصاب والسرقة.
وقالت (هام 58عاماً) في مؤتمر صحفي بشأن قرارها بالشهادة ثانية: (ظننت منذ 30عاماً أني لن أضع نفسي في هذا الوضع مرة أخرى، إلا أنني شعرت أن علي واجب تصحيح الخطأ). وتابعت (هام) التي رغبت في الكشف عن اسمها علناً، لأنها لا تشعر أنها موصومة، فقالت: (ما زلت مصدومة نوعاً ما...الحامض النووي D.N.A لم يتلاش، الحامض النووي لا يكذب).
وحاول(مايكل روبن) محامي الدفاع تقويض مصداقية فحوص مركز نيويورك الطبي الذي أجرى اختبارات الحامض النووي، وقال للمحلفين: (لا يمكنكم حقاً التعويل على المختبر الذي استخم لإجراء اختبارات الحامض النووي) وقال عضو في هيئة المحلفين: أنه تم التوصل إلى الإدانة في أقل من ساعتين، وبعد الموافقة في تصويت واحد بالإجماع.
وقال (روبرت مورجنتاو) مدعي المقاطعة: (الضحية لا تنسى أبداً لجريمة، والجاني يجب ألا يسمح له بأن يتصور أنه حر في الوطن لمجرد مرور الزمن...) ( ، ).
هذا، ويمكن أن يؤدي استخدام البصمة الوراثية إلى الحكم بالبراءة بعد الحكم بالإدانة، ومن الأمثلة على ذلك: ما قضت به محكمة ولاية(فلوريدا) الأمريكية في قضية تتلخص وقائعها في أن شخصاً يدعي(روبرت هيس) قد وجهت إليه تهمة الاغتصاب والقتل العمد لامرأة تدعى(باميلا)، ولم يكن هناك أي أدلة تدينه في هذه القضية سوى بقايا من سائل منوي عثر عليها في مكان الحادث، وباستخدام تقنية الحامض النووي D.N.A ثم تطابق البصمة الوراثية، الناتجة من هذا السائل المنوي مع البصمة الوراثية الخاصة بالتهم، وبناء على هذا حكم عليه بالموت صعقاً بالكهرباء، فاستأنف الدفاع الحكم وشككت هيئة المحكمة في دقة التحليل، نظراً لإجرائه في معمل خاص، وظلت القضية حتى عام 1995م، حينما أمرت المحكمة بإعادة فحص الحامض النووي بالتقنيات المتقدمة، والذي جاءت نتيجته بعدم التطابق بين البصمتين، وعليه فقد حكمت المحكمة ببراءة المتهم( ).
وهكذا، يظهر من الأحكام القضائية المتقدمة، مدى اقتناع القضاة بالنتائج التي تؤدي إليها البصمة الوراثية باعتبارها دليل مؤكد أو يقيني على نفي السنب أو إثباته، أو توجيه الجريمة إلى شخص ما أو نفيها عنه، وهذا بلا شك أمر يسجل لهم بكل فخر، إذا ما كان يجب لبيئة، تنظر بعين الارتباح لمحاولات التقريب بين الطب والقانون، أن تهدر دليلاً عليماً مؤكداً في مجال مهم كهذا، وخاصة، أن الأدلة الأخرى لا تقدم ما يقدمه هذا الدليل العلمي من مساعدة في إظهار الحقيقة( ).
والباحث لا يخفى تشوقه إلى رؤيا قضاء عربي، يعتمد في تكوين عقيدته وترسيخ اقتناعه، على أدلة علمية لا يصح شرعاً ولا قانوناً أن تهدر. فهي نتاج أبحاث علمية لفكر إنساني متصل، لا يتجافى مع أحكام الشريعة الإسلامية، لأن من المقرر شرعاً وجوب معرفة الوقائع على وجهها الصحيح بالرجوع إلى قول أهل البصر والمعرفة. ولا شك أن الطب الشرعي الحديث وأخصائي علم الوراثة هم أهل البصر والمعرفة في مجال فحص الدم واختبارات الوراثة. فيتحتم الرجوع إليهم في هذا الأمر( ).
ثالثاً: القضاء العربي:
وعلى صعيد القضاء العربي، فإننا نلحظ ما يلي:
استخدم القضاء الشرعي الأردني بدرجتيه الابتدائي والاستئناف البصمة الوراثية كقرينة قاطعة في إثبات ونفي النسب، وهو ما جاء في حكم محكمة الدرجة الأولى بعمان بتاريخ 24/10/2002م في القضية الشرعية رقم 213لسنة 2002م إثبات ونفي النسب، والذي أكدته محكمة الاستئناف الشرعية بعمان بتاريخ 17/12/2002م( ).
وفي حكم آخر قضت محكمة التمييز الأردنية بأن:
(البينة الفنية، هي بينة صالحة للحكم، وذات دلالة قوية في الإثبات، وهي بينة تطمئن المحكمة للأخذ بها واعتمادها في الحكم) ( ).
كما استخدم القضاء اللبناني البصمة الوراثية باعتبارها قرينة ودليلاً عليماً في المجالين المدني والجنائي، وهو ما جاء في حيثيات الحكم رقم 78 الصادر عن محكمة الفرقة الابتدائية الثالثة في جبل لبنان بتاريخ 13/4/2000م في دعوى إثبات نسب، كما جاء في قرار قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان بتاريخ 5/2/1999م في قضية وفاة الطفلة (ناتالي دباس) حيث نص قرار القاضي على أن:
(تحليلD.N.A في حالتنا الحاضرة قد أثبت بشكل جازم أن (ناتالي) هي ابنة(وديع دباس)، حيث أن التحليل قد أثبت أيضاً أن العينات التي أخذت من (ناتالي) بعد رفعها من المدفن، تتمتع وراثية واحدة، وتتفق مع العينت التي استخدمها الدكتور عند تشريح جثة(ناتالي)، أي أنه لم يبق أي شك لدينا بأن الابنة التي جرى تشريحها هي (ناتالي دباس)... وحيث أن التحقيق تناول عدة نواح، وأن الاتجاه نحو الناحية الطبية لم يوقف النواحي الأخرى التي ظلت مسمتمرة، وحيث أننا قد استمعنا إلى عدد كبير من الشهود والأطباء، واستمعنا إلى الجهة المدعية والمدعى عليهم، وحيث أن تقرير الخبير الذي ورد إلينا من واشنطن كان بتاريخ 21/1/1999م، قد تبين من كافة ما ورد أعلاه عدم وجود اعتداء جنسي حصل على(ناتالي دباس...) ( ).
-وفي مصر، أدخلت البصمة الوراثية لأول مرة في المحاكم الجنائية لتستخدم كدليل في تحديد هوية المجني عليه في جريمة قتل. وتتلخص وقائع هذه القضية( ) في ارتكاب جريمة قتل شخص ثم إشعال النار فيه في إحدى المناطق الصحراوية، وقد دلت تحريات الشرطة إلى تحديد مكان الواقعة، إلا أنه لم يعثر فيه على ثمة عظام أو أشلاء لأنسجة آدمية. ومع ذلك، تمكن خبراء الطب الشرعي من الحصول على كمية من الرمال التي توجد بها آثار دماء من محل الواقعة، وأجروا عليها تحليل D.N.A بطريقة الـ P.C.R بهدف عما إذا كانت هذه العينة من الدماء تخص المجني عليه من عدمه، وتم بالفعل استخراج الحامض النووي، ولكن نظراً لقلة كميته، قد تعذر فنياً استكمال باقي أبحاث الحامض النووي، وإن كانوا قد توصلوا بالفعل إلى أن الدماء من جسم آدمي( ).
وبالإضافة إلى ذلك، فإن القضاء المصري قد اعتبر البصمات الوراثية دليلاً رابعاً يضاف إلى أدلة أو طرق الإثبات الأخرى، وهذا ما نصت عليه صراحة محكمة الزقازيق الابتدائية في حكمها الصادر بتاريخ 28/2/1997م في القضية رقم 967لسنة 1994م، والذي جاء في حيثياته: أن المحكمة بعد أن أوردت نص المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929م، وذكرت أسباب النسب وعددت طرق إثباته، وهي ثلاثة: الفراش والبينة والإقرار، فإنها قالت: (ويضاف إليه سبباً رابعاً هو تحليل مقابل الأنسجة وبالأخص الحمض النووي D.N.A البصمة الوراثية) ( ).
وعلى هذا، استقر قضاء محكمة النقض المصرية، فقد اعتبرت القرائن القضائية أو الفعلية أو الدلائل، دليلاً كاملاً يكفي وحده للإدانة، حيث قضت بأن:
(الدليل المستمد من تطابق البصمات هو دليل له قيمته وقوته الاستدلالية المقامة على أساس علمية) ( ).
-القضاء اليمني:
بالنسبة للقضاء اليمني وفي حكم له أقر (...بأن تقدير أراء الخبراء وقوتها الثبوتية مرجعه الى محكمة الموضوع فيما قضت به في حكمها أمر يتعلق بسلطتها في تقدير الدليل ولا معقب عليها...)( ) فموقف القضاء اليمني بالنسبة للبصمة الوراثية كموقفه من الادلة الحديثة التي مرجعها الى سلطة القاضي التقديرية.
المطلب الرابع
مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن
بعد بيان التكييف الشرعي والقانوني للبصمات الوراثية، فإنه يتضح لنا الآتي:
أولاً: أن الفقهاء المحدثين من علماء الشريعة يعتبرون البصمة الوراثية من قبيل القرائن القطعية ووسيلة إثبات ونفي في قضايا النسب المتنازع عليه وفي الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص، وهو ما انتهى إليه المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة التي عقدت بمكة المكرمة في عام 1422هـ.
وعليه، فإن العمل بالبصمة الوراثية في الجرائم الجنائية يكون بهذا التوصيف، فتأخذ حكم القرينة وتنزل منزلتها، فلا تقوى على معارضة ما هو أقوى منها من الأدلة، وقد أبطل جمهور الفقهاء العمل في جرائم الحدود والقصاص.
أما في مجال إثبات النسب، فإن البصمة الوراثية تأخذ حكم القيافة بالقياس عليها وتقع في منزلتها – وإن كنا قد رأينا أن البصمة الوراثية أولى بالحكم من القيافة – وبالتالي، لا يعمل البصمة الوراثية إلا عند عدم وجود الفراش أو البينة أو الإقرار.
ثانياً: يتفق فقهاء القانون المقارن مع فقهاء الشريعة الإسلامية في اعتبار البصمة الوراثية والأدلة العلمية أو الفنية عموماً من قبيل القرائن القضائية أو الفعلية أو الدلائل، حيث قضت المحاكم الأوروبية والأمريكية، بأن البصمة الوراثية تعتبر قرينة نفي وإثبات، وأن الدليل المستمد منها له نفس قوة الدليل المستمد من بصمات الأصابع، الذي يصلح للحكم بالبراءة أو الإدانة، بل أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اعتبرت القرينة البيولوجية مقدمة على القرينة القانونية، وذلك في حكمها الصادر بتاريخ 21 و24/4/1997م( ).
ثالثاً: يرى غالبية الفقهاء المحدثين( )، ومجمع الفقه برابطة العالم الإسلامي( )، والندوة الفقهية المنبثقة عن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية( )، عدم صلاحية البصمة الوراثية للحكم بالبراءة أو الإدانة في جرائم الحدود والقصاص.
وهذا الاتجاه يوافق بعض فقهاء القانون الذين يرون عدم اعتبار القرائن القضائية دليلاً يصلح للإثبات في المواد الجنائية، وذلك لأن القرينة لا ترقى إلى مرتبة الدليل، فلا يجوز الاستناد إليها وحدها في الإدانة( ).
ويرى جانب آخر من الفقه الإسلامي أن البصمات الوراثية تعتبر دليلاً أصلياً ومستقلاً يصلح لبناء الحكم عليه في المواد الجنائية ومسائل النسب. وهذا الاتجه يتفق مع ما قال به الفقه الفرنسي ونص عليه المشرع الفرنسي (المادة 16-11من القانون المدني الفرنسي لسنة 1994م، وفي المادة 226-28 من قانون العقوبات الجديد لسنة 1994م)، والمشرع الألماني (المادة 81/أ من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1933م)، والمشرع الإنجليزي(المادتان 62-63من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1933م)، والمشرع الإنجليزي) (المادتان 62-63من قانون الشرطة والأدلة الجنائية لسنة 1984م)، والمشرع التونسي (قانون الأحوال الشخصية الصادر في 28/10/1998م)، والقضاء الشرعي الأردني، والقضاء المصري (حكم محكمة الزقازيق الابتدائية بتاريخ 28/2/1997م)، وأيدته محكمة النقض المصرية بقولها:
(الدليل المستمد من تطابق البصمات، هو دليل مادي له قيمته وقوته الاستدلالية القائمة على أسس علمية وفنية) ( ).
ويتفق هذا التوصيف السابق للبصمة الوراثية مع الاتجاه الغالب في فقه القانون الجنائي، الذي يرى أن القرائن القضائية أو الفعلية من طرق الإثبات الأصلية في المواد الجنائية، وأن للقاضي أن يبني حكمه عليها وحدها إذا ما توافرت فيها الشروط المطلوبة، بل أن البعض من الفقه الجنائي، قد جنح إلى القول بأن الدليل المادي أو الفني- ومنه البصمة الوراثية – هو أكثر تأثيراً على اقتناع القاضي من الدليل المعنوي، معللاً ذلك: بأن الدليل المعنوي معرض لإساءة الفهم أو سوء النية أو عدم الدقة في الملاحظة، وذلك بعكس الديل المادي الذي لا يمكن أن تتطرق إليه مثل هذه الاحتمالات( ).




المبحث الثالث
ضوابط وقواعد استخدام البصمة الوراثية في الإثبات
تمهيد وتقسيم:
ان استخدام البصمة الوراثية كدليل فني في الاثبات امام المحاكم جعل كلا من الفقه الاسلامي والقانون القضاء المقارن من وضع ظوابط وشروط لاستخدامها كدليل وان كانت هناك تفرقة بين الفقه الاسلامي والقانون المقارن الا انها ضئيلة وسوف نبين ذلك على النحو الاتي:
المطلب الأول: ضوابط قبول البصمة الوراثية في الإثبات.
المطلب الثاني: شروط العمل بالبصمة الوراثية.

المطلب الأول
ضوابط قبول البصمة الوراثية في الإثبات
بما أن العلم يؤكد أن اختبار الحامض النووي أو البصمة الوراثية D.N.A هو أقوى الاختبارات التي يمكن أن يعتمد عليها القضاة في حكمهم على المجرمين والمتهمين، فقد كان لا بد من وضع ضوابط عديدة للتأكد من إجراء هذا الاختبار بدقة متناهية.
وعلى أية حالة، فإنه يمكننا تقسيم ضوابط قبول البصمة الوراثية إلى قسمين:
أحدهما: ضوابط إجرائية. وثانيهما: ضوابط فنية:
أولاً: الضوابط الإجرائية:
أدى العمل بالبصمة الوراثية إلى ظهور مشاكل عديدة، تولد عنها بعض الضوابط الإجرائية التي يتطلب مراعاتها قبل الدعوى إلى تعميم الأخذ بها والعمل بموجبها، ومن أهم هذه الضوابط:

1-جمع العينات وتوثيقها:
يعتمد نجاح تحاليل الحمض النووي (D.N.A)على الطريقة التي يتم بها أخذ العينة وجمعها من مسرح الجريمة وكيفية حفظها، حيث ثبت من الناحية العلمية أن العينات البيولوجية تفقد حيويتها وتفاعلاه إذا لم تجمع وتحفظ بطريقة سليمة، وتحقيقاً لذلك، يجب توثيق جميع العينات، بحيث يتم تدوين العناصر والأجزاء، كما يجب أن تتضمن الاستمارة التي سيحال بواسطتها الأثر إلى المختبر للتحليل، على جميع التفاصيل الخاصة بالعينة، من حيث نوع القضية وظروفها والمطلوب فيها على وجه التحديد، بحيث لا يؤثر سلباً على نتيجة تحاليل البصمة الوراثية، ولهذا اتجهت العديد من التشريعات إلى عقاب كل من تسول له نفسه أن يغير أو يعبث بآثار الجريمة، باعتباره مرتكباً لجريمة الغش الإجرائي( ).
2- اعتماد المعامل المناسبة:
نص مرسوم مجلس الدولة الفرنسي رقم 97/159 الصادر في 6/2/1997م، والخاص بشروط اعتماد الأشخاص الأكفاء بالقيام بالتعرف بالبصمات الوراثية في إطار الإجراءات الجنائية في مادته التاسعة على أنه:
(يجب أن تمتلك المعامل التي تتم فيها مهام التعرف على الأشخاص بالبصمات الوراثية، المرافق والتجهيزات المناسبة لتقنيات بيولوجيا الجزئيات المستخدمة، ويجب أن تنجز الأعمال بضمان الغياب التام لأي تلوث. كما يجب أن تكون المقار المخصصة لحفظ المشمعات والعينات البيولوجية ونتائج التحاليل مجهزة بمنشآت من شأنها أن تضمن الحماية ضد السرقة والتلف وضمان السرية المطلقة وصيانة المشمعات والعينات ونتائج التحاليل).
وفضلاً عن ذلك، فقد نص المبدأ السادس من التوصية رقم 1-92- R لسنة 1992م الصادرة عن المجلس الأوروبي على أنه:
(يجب إجراء هذه التحاليل في معامل طبية تابعة لوزارة العدل، أو حاصلة على ترخيص بذلك)( ).
3- مراقبة النوعية:
نص قانون الصحة العامة الفرنسي الجديد الصادر في 8/5/1996م على أثرين خاصين بشأن تحليل البصمات الوراثية، هما( ):
الأول: ويتعلق بالرقابة على النوعية الخاصة بالحمض النووي D.N.A، وهو ما نصت عليه المادة رقم 761-24 من القانون السابق بوجوب الرقابة على النوعية التي يجب أن تتصف بها تحاليل التعرف بالبصمات الوراثية المنجزة في إطار إجراءات قضائية.
الثاني: ويتناول انتظام الرقاب، حيث نصت المادة رقم 567-3من القانون السابق على أن تنجز الرقابة على النوعية من قبل وكالة الدواء الفرنسية مرتين على الأقل في السنة، وتسلم النتائج فوراً إلى صاحب الاعتماد.
وقد حددت المادة السابعة من مرسوم مجلس الدول الفرنسي رقم 97-109، الجهة المختصة أو الموكلة بمهام الرقابة بوكالة الدواء الفرنسية( ).
4- حماية المعلومات أو المعطيات:
نص المبدأ السابع من التوصية رقم 1-92 – R، الصادرة عن المجلس الأوروبي عام 1992م على أنه: يجب أن يتم تحليل الحامض النووي في نطاق احترام التوصيات والقواعد التي أقرها المجلس الأوروبي والمتعلقة باحترام وحماية المعلومات ذات الطبيعة الشخصية في قطاع البوليس(انظر: التوصية رقم 15-87- R والمتعلقة بقواعد استخدام المعطيات ذات الطبيعة الشخصية في قطاع البوليس).
هذا وقد أجمل المبدأ السادس من توصية المجلس الأوروبي رقم 1-92 – R الشروط الإجرائية السابقة بقوله:
(إن تحليل D.N.A هو إجراء علمي شديد الدقة يجب أن ينجز في معامل تمتلك تجربة كافية وتجهيزات ملائمة وعلى الدول الأعضاء، وضع قائمة للمعامل والمعاهد المعتمدة التي تتوافر فيها المقاييس أو المعايير الآتية:
أ- معارف وكفاءات مهنية ذات مستوى عال، مقترنة بإجراءات ملائمة لمراقبة النوعية.
ب- النزاهة العلمية.
ج- ضمان أمن المنشآت والعينات محل التحليل، التي تمثل هدف التحقيق الذي تتعلق بهم نتائج تحليل D.N.A.
هـ- وضع ضمانات لتنفيذ جميع الشروط المنصوص عليها بهذه التوصية).
وعلاوة على ذلك، فقد أوجبت هذه التوصية السابقة على الدول الأعضاء إيجاد وسيلة لممارسة رقابة دورية، أو منتظمة للمعامل المعتمدة( ).
ثانياً: الضوابط الفنية:
تتمثل الضوابط التقنية للعمل بالبصمة الوراثية، في الآتي:
1- تحديد أساليب التحاليل:
في المرحلة الأولى من التحليل، يجب اختبار المواد أو العينات البيولوجية من حي الكفاءة، وأن يتم تقدير كمية الـ D.N.A المستخرجة من النواة قبل إجراء بقية التحاليل، كما يجب استخدام عينتين في التحليل، عينة موجبة وأخرى سالبة، لإجراء عملية مقارنة العينة المعثور عليها بهما( ).
وقد أوجب المبدأ العاشر من توصية المجلس الأوروبي رقم 1-92-R تبادل المعلومات بين الدول، بحيث يمكن طلب القيام ببعض التحاليل من معمل أو معهد متخصص في ذلك في دولة أخرى غير دولة الواقعة وذلك لحاجة التحقيق الجنائي في قضية ما، بشرط أن يكون هذا المعهد أو المعمل قد استوفى سلفاً اشروط المنصوص عليها في هذه التوصية( ).
2- تحديد المواقع الوراثية:
عند إجراء تحليل البصمات الوراثية، فإنه يجب تحديد المواقع والعوامل الوراثية التي يتم إجراء التجارب عليها، كما يجب تحديد نسبة وجود العوامل الوراثية التي تمت الاختبارات عليها في المجتمع، وذلك من خلال القيام بإحصاءات توضح مدى انتشار هذه العوامل فيه( ).
ومن هنا، فإن الاختبار الثاني يعد قاعدة أساسية في علوم الطب الشرعي أو تحليل البصمات الوراثية، وحقاً معترف به معظم الدول الأوروبية إذ أن كل نظام وراثي يدخل حيز التطبيق في قضية ما، يجب أن يكون منجزاً على الأقل في معملين مختلفين للحصول على الرأي الثاني، وذلك تحقيقاً لمبدأ النزاهة العلمية، الذي نصت عليه الفقرة (ب) من المبدأ السادس من التوصية الصادرة عن المجلس الأوروبي رقم 1-92-R.
وهذا ما يجري عليه العمل في المعامل والشركات المتخصصة، من حيث الحرص على أن تجري القياسات الكمية، وتضاعف عينة إيجابية للمقارنة، غير أنه قد يحدث أن لا يعثر إلا على عينات في مسرح الجريمة، وتكون هذه العينات قد تحللت أو تكون مزيجاً من عينات أفراد عديدين، كما هو الحال في حالة الاغتصاب المتعدد، حيث لا يوجد، في أحيان كثيرة إلا ميكروجرام واحد أو أقل من عينة الحمض النووي D.N.A، وقد لا يكفي لإجراء الاختبار واحد لا أكثر، وعندما لم تكن نتيجة الاختبار حاسمة، لن يسهل إجراء الاختبار مرة أخرى للوصول إلى النتيجة الحاسمة، وهو ما يؤدي إلى عدم قبول القاضي للبصمة الوراثية( ).
وصفوة القول، أن قيمة اختبار الحامض النووي تعتمد كلية على جودة طريقة البحث والدقة في تفسير النتائج التي أسفر عنها. وهذا التحليل يحتاج إلى خبرة واسعة وتخصص رفيع ومعامل ذو كفاءة عالية. ولذلك، فإنه م الضروري مراقبة الطريقة الفنية في المعمل الذي يقوم بالفحوص الجينية.
ويجب أن يتم أخذ العينة في حضور الأطراف حتى يتأكدوا من مصدر العينات، وإلا فإن عمل الخبير يكون باطلاً لمخالفته مبدأ المواجهة. ونظراً لأن تحليل الحامض النووي، هو طريقة فنية جديدة، فإنه يجب وضع قواعد لحفظ العينات والمعلومات التي تنتج عن هذا التحليل.
وعلى هذا، فقوة البصمة الوراثية في الإثبات تعتمد على طريقة جمع العينات وحالتها وكميتها كفاءة المعامل وجودة الفحوص( ).
المطلب الثاني
شروط العمل بالبصمة الوراثية
الفرع الأول: شروط العمل بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي.
الفرع الثاني: شروط العمل بالبصمة الوراثية في القانون الوضعي.

الفرع الأول
شروط العمل بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي

اشترط الفقهاء الباحثون والأطباء المختصون في البصمة الوراثية شروطاً عديدة حتى تقبل، والذين رأوا أنها تقاس على القيافة اشترطوا شروط القيافة مع بعض الزيادات( ).
والشروط التي ينبغي توافرها ما يلي:
الأول: أن تقبل البصمة الوراثية من أهل الاختصاص (أي شيوعها وانتشار العمل بها)، لأنها لو استمرت عزيزة نادرة ما حازت الرضا والقبول عند الناس، ولا شك أن رضاهم معتبر لاستقرار الحقوق( )، ولذلك نص الفقهاء في كتبهم في غير موضع: (أن الحكم للكثير الغالب لا بالقليل النادر) ( )، و: (أن الحكم للمعتاد لا بالنادر) ( )، كما أن الله تعالى اعتبر الرضا في الشهادة فقال: (.... فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء...) البقرة: 282.
الثانيً: أن لا يتم التحليل إلا بإذن من الجهة المختصة( ).
الثالث: الاستعانة بأكبر الخبراء في علم الوراثة والبيولوجيا الجزئية وخبراء الطب الشرعي في هذا المجال حتى يستطيعوا تحليل النتيجة التي توصلوا إليها بالشكل الأمثل.
الرابع: أن تكون مختبرات الفحص للبصمة الوراثية تابعة للدولة، وإذا لم يتوافر ذلك يمكن الاستعانة بالمختبرات الخاصة الخاضعة لإشراف الدولة، ويشترط على كل حال أن تتوافر فيها الشروط والضوابط العلمية المعتبرة محلياً وعالمياً في هذا المجال( ).
الخامسً: أن يكون جميع القائمين على العمل في المختبرات الخاصة بتحليل البصمة الوراثية، سواء كانوا من خبراء البصمة الوراثية أو من المساندين لهم في أعمالهم المخبرية، ممن تتوافر فيهم أهلية قبول الشهادة، كما في القائف، إضافة إلى معرفته وخبرته في مجال تخصصه الدقيق في المختبر( ).
السادس: أن يكون القائمون على العمل في المختبرات المنوطة بإجراء تحاليل البصمة الوراثية ممن يوثق بهم علماً وخلقاً، وألا يكون أي منهم ذا صلة قرابة أو صداقة أو عداوة أو منفعة بأحد المتداعيين أو حكم عليه بحكم مخل بالشرف أو الأمانة( )، وينبغي الاهتداء في هذه الرسالة بما يذكره الفقهاء من هذا القبيل في باب عدالة الشهود، وباب القضاء.
السابعً: توافر الخبرة والتجربة فيمن يحكم بذلك، بأن يكون مؤهلاً، ويكون قد اشتهرت عنه الإصابة. وإن لم تشتهر إصابته يجرب، وللتجربة طرق متعددة ذكرها الفقهاء في القائف. فنص الشافعية بأن يعرض عليه ولد في نسوة ليس فيهن أمه ثلاث مرات، ثم في نسوة فيهن أمه، فإن أصاب في المرات جميعاً اعتمد قوله.. والأب مع الرجال كذلك على الأصح، فيعرض عليه الولد في رجال كذلك( ). وإذا حصلت التجربة وتولدت الثقة بخبرته، فلا حاجة لتكرار هذا الاختبار عند كل إلحاق( ).
ونص الحنابلة بأنه يترك الصبي مع عشرة من الرجال غير من يدعيه ويرى إياهم، فإن ألحقه بواحد منهم سقط قوله لأنا تبينا خطأه، وإن لم يلحقه بواحد منهم أريناه إياه مع عشرين فيهم مدعيه، فإن ألحقه به لحق، ولو اعتبر بأن يرى صبياً معروف النسب مع قوم فيهم أبوه أو أخوه، فإذا ألحقه بقريبه علمت إصابته، وإن ألحقه بغيره سقط قوله... وهذه التجربة عند عرضه على القائف للاحتياط في معرفة إصابته، وإن لم يجرب في الحال بعد أن يكون مشهوراً بالإصابة وصحة المعرفة في مرات كثيرة جاز( ).
ونظير ذلك في خبراء البصمة الوراثية: أن يعطي عينات من خلايا آباء أبناء قد علم صدق نسبهم، وعينات من خلايا أشخاص ليس من بينهم نسب، فإن ألحق كلا بأبيه، ونفي النسب عمن لا نسب بينهم، عملت خبرته وإصابته وبالتالي أمكن قبوله قوله( ).
الثامنً: أن يجري اختبار البصمة الوراثية مسلم عدل، لأن قوله شهادة، وشهادة غير المسلم لا تقبل على المسلم إلا في الوصية والسفر ونحوه( ).
وهذا الشرط إنما يكون في حالة إثبات النسب لمسلم، أما في حالة إثبات النسب لغير المسلم، فإن قول غير المسلم يقبل في حق غير مسلم آخر عند بعض أهل العلم، كما في الشهادة( ).
التاسع: يلزم في الإثبات بالبصمة الوراثية أن تكون قطعية، والمراد بالقطع هنا علم الطمأنينة وليس علم اليقين، إذ لا سبيل إلى القطع بمعنى اليقين في باب القرائن( ). وعلى هذا فإنه لا يقبل في الإثبات إلا بالقرائن القوية، وهذ تلك التي تفيد ظناً قوياً واحتمالاً راجحاً، بحيث يتحقق لدينا أن الشيء في الأمور الباطنة يقوم مقامه، لأن الأمور الباطنة هي الحقائق الخفية التي يتعذر أو يتعسر الإطلاع عليها مع تأثيرها في الأحكام، والشارع لا يكلف بالبحث عن حقيقتها في الواقع، لأنه لا تكليف بما لا يستطاع، ولذلك يكتفي بدلائلها، وتعتبر الدلائل قائمة مقام هذه الأمور، فاللفظ الدال على الإرادة الحقيقية دليل على الرضا في العقود واستعمال آلة القتل دليل على قصد القتل( ).
العاشر: أن لا تخالف البصمة الوراثية حكماً عقلياً مقرراً في الشريعة الإسلامية، كأن تثبت، مثلاً، بنوة مولود لمن لا يولد لمثله، مثل الصبي الذي لم يبلغ ونحو ذلك ما ذكره الفقهاء في شروط ثبوت النسب( ).
الحادي عشر: أن تكون البصمة الوراثية ثابتة حتى تكون صالحة لاعتماد الاستدلال بها، وأن توجد صلة حقيقية بينها وبين الشيء الظاهر المصاحب لها التي أخذت منه البصمة الوراثية أو القرينة، ولا بد أن تكون هذه الصلة قوية وقائمة على أساس سليم ومنطق قويم، ولا تعتمد على مجرد الصلة الوهمية أو الضعيفة، فلا بد أن تكون علماً في الدعوى يكاد يماثل العلم الحاصل من الشهود وغيرهم، وهذا يحصل بالتأكيد من قوة المقارنة( ).
الثاني عشر: أن يجري عمل البصمة الوراثية بعدد أكبر من الطرق، وبعدد أكبر من الأحماض الأمينية لضمان صحة النتائج قدر الإمكان، فضلاً عن توحيد الطريقة لضمان صحة النتائج قد الإمكان، فضلاً عن توحيد الطريقة التي يجري بها هذا الفحص من مكان لآخر، وذلك من خلال اخضاعه لمكتب التحقيقات والطب الشرعي( ).
الثالث عشر: أن يجري التحليل في مختبرين على الأقل معترف بهما، على أن تؤخذ الاحتياطات اللازمة لضمان عدم معرفة أحد المختبرات التي تقوم بإجراء نتيجة الاختبار بنتيجة المختبر الآخر( ). أو بعبارة أخرى: اشترط التعدد في إجراء البصمة الوراثية، بأن يكون الخبراء الذين يحكمون بذلك أكثر من واحد.
هذا، وقد اختلف الفقهاء حول اشتراط التعدد في إجراء البصمة الوراثية على قولين:
القول الأول: يرى بعض الفقهاء المعاصرين( ) اشترط التعدد في خبراء البصمة الوراثية أو إجراء التحليل في جهتين مختلفتين، احتياطاً للنسب، وذلك قياساً على الشهاد، فكما لا يقبل في الشهادة إلا قول اثنين عملاً بقوله تعالى: (... واستشهدوا شهيدين من رجالكم...) البقرة: 282، فكذلك لا يقبل في البصمة الوراثية إلا قول خبيرين( ).
القول الثاني: ذهب بعض الفقهاء المعاصرين ( ) إلى جواز الاكتفاء بقول خبير واحد، وهو الراجح من حيث الدليل، وذلك لأن القائف إما حاكم أو قاسم، وقوله في ذلك حكم ويقبل في الحكم قول الواحد( ).
وأما اشتراط التعدد في إجراء البصمة الوراثية قياساً على التعدد في الشهادة، فليس له محل، لأن الحكمة من التعدد في الشهادة كما قال تعالى: (.... أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى...) البقرة: 282. والحكمة هنا منتفية مع الآلة.
غير أن الأمر يجب أن يخضع لقواعد المهنة، فإنهم أعرف بالمفارقات والاختلافات، وربما قرروا تكرار البصمة مرات، كما نلحظ ذلك في الأشعات الطبية، بل وفي صدور الصورة الفوتوغرافية، حيث انتشر اليوم التقاط لقطتين على الأقل عندما يتوجه أحد الأفراد إلى أحد الاستوديوهات للتصوير الرسمي، والعرف حاكم) ( ).
ويرى البعض، أن الأولى أن تعطي العينات المطلوب فحصها إلى جهتين مختصتين كل على انفراد، ودون علم من إحداها بالأخرى، فإن اتفقت النتيجتان وتطابقتا عمل بهما( ).
ويرى الباحث أن الأمر في هذا الخصوص راجع إلى القاضي، فعليه أن يجتهد في اختيار ما يراه راجحاً- كسائر المسائل الخلافية – ومحققاً للمصلحة، لأنه قد يرى من قرائن الأحوال في قضية ما من القضايا من صدق وأمانة وكفاءة عالية وخبرة ودقة متناهية في خبير البصمة الوراثية ما يحمله على الاكتفاء بقوله، بينما قد يظهر له في قضية أخرى من الشكوك ما يدعوه إلى التثبت والاحتياط، فيحتاج إلى قول خبير آخر( ).
الرابع عشر: أن يكون اللجوء إلى قراءة البصمة الوراثية في أحوال محددة، منها:
1- إذا تيقن الزوج أن زوجته لم تحمل منه لأنه استبرأها بحيضة ولم يلسمها بعد ذلك وظهر بها حمل، فإنه يتأنى إلى الوضع ثم يقدم القارئ بعد التثبت ما كشفته له القراءة من اتصال بين الأب والمولود أو عدم الاتصال...
2- إذا اختلط المولود بغيره وتنازع الآباء في الأطفال المختلطين، وهذا أمر وإن كان قليل الحدوث إلا أنه ممكن، فقد يشبُ حريق في المحضن الذي جمع أطفالاً كثيرين في اليوم الأول من الوضع، مثلاً، وعند الهيعة أو الفزع تلتقط الحاضنة جميع الأطفال وتخرج بهم إلى مكان آمن، وضغط الزمن لا يعطيها الفرصة لأخذ الاحتياطات اللازمة، ثم تحدث المشكلة في نسبة كل مولود لأبيه. فهنا يعتمد قارئ الجين لربط كل مولود بوالده، إلا أنه قد يبدوا إشكال في هذه الحالة، إذ يمكن أن يوجد بين هؤلاء المواليد من حملته أمه من غير زوجها، فتنكشف حقيقة المرأة.. ومهمة القارئ هي ربط كل مولود بوالده لا إعلامه الأب بصحة نسبه أو عدم صحته( ).
الخامس عشر: توثيق كل خطوة من خطوات تحليل البصمة الوراثية بدءاً من نقل العينات إلى ظهور النتائج النهائية، حرصاً على سلامة تلك العينات، وضماناً لصحة نتائجها، مع حفظ هذه الوثائق للرجوع إليها عند الحاجة.
هذه هي أهم الشروط التي ينبغي توافرها في خبراء البصمة الوراثية وفي المعامل ومختبرات تحاليل البصمة الوراثية، فإذا توافرت هذه الشروط، فإنه لا مجال للتردد فيما يظهر في مشروعية العمل بالبصمة الوراثية واعتبارها طريقاً من الطرق المعتبرة لإثبات النسب كالقيافة إن لم تكن أولى، كما تقدم بيانه.

الفرع الثاني
شروط العمل بالبصمة الوراثية في القانون المقارن
أدى العمل بالبصمة الوراثية وإستخدامها إلى ظهور مشاكل كان لا بد من تداركها، وتم عمل ذلك من خلال تولد قواعد قانونية متعلقة بتجربة العمل في إستخدام البصمة الوراثية برزت بشكل ملفت من بد كل القواعد الأخرى وأسهب صاحب كتاب بحث العلم والقانون ومحقق الهوية الأخير"البروفسور الشهير إريك لاندر"في إيجازها والإسهاب في الحديث عنها في رأي قانوني لفقيه شهير في مجال البصمة الوراثية بدليل شهرة كتابه الآنف الذكر على مستوى العالم، وهذه القواعد البارزة تكون كالتالي:
القاعدة الأولى: القبول العام لأهل الاختصاص:
و تعرف هذه القاعدة بقاعدة فراي ، وهي قاعدة أصدرتها محكمة فدرالية سنة 1923 م عند محاكمة جيمس فراي، وهو شاب أسود أتهم بقتل رجل أبيض في واشنطن دي سي، وطالب محاميه المحكمة أن تقبل نتائج إختبار ضغط الدم الإنقباضي دليلاً على ذلك، وهو صورة مبكرة لكشف الكذب، وبناءً على القاعدة العامة التي تسمح للخبراء بأن يدلوا بشهادتهم في مواضيع خبرتهم أو معارفهم، ولما كان جهاز كشف الكذب عندئذٍ تكنولوجيا جديدة فقد وضعت المحكمة قاعدة إستدلالية أكثر صرامة، تقول: (يصعب أن نحدد متى يعبر المبدأ العلمي الخط الفاصل بين مرحلة التجريب وبين مرحلة الثبوت والتطبيق، في مكان ما من منطقة الغبش هذه لا بد أن تدرك القدرة الإستدلالية للمبدأ العلمي، ستمضي المحاكم طويلاً تسمح بشهادة الخبراء المرتكزة على مبدأ علمي أو كشف حسن التحقيق، لكن ما ترتكز عليه الشهادة لا بد أن يكون مرسخاً ليحظى بقبول عام في المجال الذي ينتمي إليه) ( )
و من هذا النص يتضح أن المحكمة رفضت قبول نتائج كشف الكذب إعتقاداً أن جهاز كشف الكذب لم يكن يحظى بالقبول العام لأهل الإختصاص، وهذه القاعدة القبول العام في المجال الذي ينتمي إليه هي التي سمحت للمحاكم الأمريكية الأخذ ببصمة الحمض النووي، لأن تحديد الحمض النووي مقبول على نطاق واسع في التطبيقات الطبية، والحمض النووي ثابت تماماً لا يتغير في كل خلايا الجسم، وهو مغاير للحمض النووي لخلايا الآخرين، والتطابق الإيجابي مستحيل، وفي تقرير لشركة لايفكودز كتطبيق عملي لهذه القاعدة في إختبار الحمض النووي في إحدى قضايا القتل عام 1988 م، نص على أن الدم الموجود على الساعة التي كانت في يد المتهم يتوافق مع دم الأم القتيلة، وأن تكرار نموذج شرائط الحمض النووي هو واحد في المائة مليون في العشيرة الإسبانية في الولايات المتحدة الأمريكية( ).
القاعدة الثانية: اختبار الموضوعية:
و المقصود بهذه القاعدة معاودة إختبار الحمض النووي في أكثر من موضع منه للتيقن من نتائجه، وأن تضاعف عينة إيجايبية للمقارنة، وهذه القاعدة ربما تبدو يسيرة من الناحية النظرية إذ يتصور تحت الظروف المعملية المثلى أن العينات طازجة ونظيفة ومن شخص واحد،
فإذا ظهر ثمة تشكك في النتائج أخذت عينات جديدة وأعيد الإختبار وهو أمر يرفع من معدل دقة الإختبارات، كما أن العمل جرى في الشركات المتخصصة بوضع حرارة خاصة لعينة المقارنة، إنما في الواقع العملي فإن بصمة الحمض النووي تكون حقاً مشكلة
و تظهر مصاعبه في الطب الشرعي المختص بالجرائم، إذا ليس أمام البيولوجي إلا العمل على ما عثر عليه من عينات في موقع الجرائم، وربما كانت هذه العينات قد تعرضت إلى إعتدائات بيئية، فقد تكون قد تحللت وقد تكون مزيجاً من عينات من أفراد عدة، كما يحدث في حالة الإغتصاب المتعدد كثيراً ما لا يجد البيولوجي الشرعي إلا ميكروجرام واحد أو أقل من عينة من الحمض النووي، أي ما يكفي لإجراء إختبار واحد لا أكثر، فإذا لم تكن نتيجة الإختبار حاسمة لن يسهل أن يكرر الإختبار، ويحكي إريك لاندر أنه أشترك بصفته شاهداً خبيراً في قضية نيويورك ضد كاسترو حيث قتلت بوحشية فيلمابونس وابنتها البالغة من العمر سنتين في شقتها في برونوكس، وكانت متزوجة زواجاً عرفياً وألقى زوجها التهمة على بواب العمارة جوزيه كاسترو، تلاحظ وجود بقعة دم صغيرة على ساعة يد كاسترو أرسلت إلى شركة لايفوكودز لإختبار الحمض النووي، وردت الشركة بأن الدم الموجود على الساعة يتوافق مع دم الأم القتيلة، وفي التحقيق الأولي عن مدى قبول البينة من الحمض النووي ظهرت مشاكل عديدة فنية أنتهت إلى أنه كان من المفروض تكرر التجربة ما دام قد ظهر التباس.
غير أنه عندما بدأت المحاكمة كان الحمض النووي الموجود على الفلتر قد أستهلك ولم يعد ممكناً تكرار العمل، وكان حكم القاضي في النهاية أن بينة بصمة الحمض النووي مقبولة من ناحية المبدأ، لكن التحليل في هذه القضية لم يتبع المبادئ المقبولة.
وحكم بأن بينة الحمض النووي عن التوافق بين الدم الموجود على الساعة وبين دم القتيلتين بينة غير مقبولة قانونية، ثم يقول إريك لاندر: أن من بين الأمور المهمة التي أبرزتها قضية كاسترو تأكيدها أن النظر وحده لا يكفي بل لا بد أن تجرى القياسات الكمية وتضاعف عينة إيجابية للمقارنة( ).
القاعدة الثالثة: الوقوف على طبيعة عدة التقنية:
يتطلب إستخدام بصمة الحمض النووي أيضاً معلومات غاية في الدقة عن طبيعة عدة التقنية، وتوضح تلك القاعدة قضية إغتصاب طفل، وهي قضية مين ضد ماكلويد، في هذه القضية بدا أن الحمض النووي للمتهم وعينة السائل المنوي متماثلان، لكن نمطي التشريط كانا مزحزحين عمودياً كل منهما بالنسبة للآخر، كما يقول التحليل الذي قامت به شركة لايفوكدز، قد يشير مثل هذا الإختلاف إلى أن العينتين جائتا عن فردين مختلفين، أو أنه نتيجة لظاهرة تسمى زحزحة الشرائط حيث يحدث أحياناً في المجال الكهربي أن تهاجر عينة أسرع من أخرى بسبب إختلاف في تركيز العينة، أو تركيز الملح، أو وجود ملوثات أو غير ذلك من أسباب، وبهذا تبدو الشرائط وقد تزحزت إلى مواقع أخرى. ( )
ولكي نقرر الصحيح من الإحتمالين علينا أن نحلل العينات بإستخدام مسبر للحمض النووي من موقع ثابت، مونومورفي، موقع لا يتغير بين أفراد العشيرة يحمله كل فرد، فإذا وقعت النماذج المونومورفية في نفس المكان قلنا: أنه لم تكن ثمة زحزحة للشرائط، ولنا إذن أن نفسر الفروق بين النماذج البوليمورفية على أنها حقيقة فعلاً، أما إذا كانت النماذج المونومورفية قد تزحزحت بنفس القدر الذي تزحزت به النماذج البوليمورفية، فلنا أن نستنبط أن الشرائط قد تزحزت حقاً، فنحاول أن نصحح الأثر.
يقول إريك لاندر: لقد عرضت قضية ماكلويد مشاكل تصحيح ظاهرة الشرائط بطريقة مسرحية، تمت التحقيقات خلال أسبوع واحد، قامت شركة لايفوكدز يوم الأربعاء بعرض موقع مون ومورفي واحد تزحزح بمقدار 3.15 % وشهدت بأن هذا التزحزح النسبي لا بد أن يكون ثابتاً على طول الحين، وعلى أساس هذا التزحزح تكون العينتان متوافقتين، وفي يوم الخميس واجه الدفاع الشاهد بسجلات المعمل ذاتها التي تبين أنه قد أستخدم مسيرا منومو رفيا آخراً أشار إلى زحزحة قدرها 1.72 % إذا استخدمنا هذا المسير الأخير فإن العينتين لا تتوافقان، في يوم الجمعة كانت القضية واضحة أمام القاضي، وفي يوم السبت، وقبل أن ينادي على شاهد واحد، سحبت أدلة الحمض النووي، وأسقطت كل الإتهامات الجنائية، على الرغم من أن زحزحة الشرائط ظاهرة معروفة جيداً، وإذا حدثت تلك الظاهرة في بحث أو فحص طبي ونتج عنها إلتباس خطير فإننا ببساطة نكرر التجربة، وليس لدينا في التطبيقات القانونية مثل هذا الترف( )
القاعدة الرابعة: الحذر من التكنولوجيا المتطورة:
يقول إريك لاندر: من الحكمة أن نحترس من الثقة الزائدة في التكنولوجيا فضلاً عن الإستخدام المتحيز لها، إن للتكنولوجيا الجديدة ميلاً إلى أن تخلق متطلبات جديدة، وكلما أزدادت قدرة التكنولوجيا من ناحية المبدأ - تكنولوجيا مثل بصمة الحمض النووي - قل على الأغلب تفحصها كما يجب والإعراض عليها عند التطبيق، علينا أن نكون في غاية الحذر بالذات بالنسبة لهذه التكنولوجيا الأكثر قدرة والأكثر قيمة، وإلا أنقلبت بشكل يزعج تسامحنا تجاه العمل دون النظر إلى معياريته( ).
والواقع أن هذا بدأ فعلاً بالنسبة لبصمة الحمض النووي، ثمت محامون للدفاع يحاولون أن يقبلوا لأجل مصلحتهم تحاليل الحمض النووي التي يتولاها الإدعاء، مدعين أن ما بها من إختلافات طفيفة تبريء عملاءهم، ولحسن الحظ فإن تعيين الهوية ببصمة الحمض النووي تحسن بإستمرار من ناحية بسبب تحسن التكنولوجيا، ومن ناحية أخرى بسبب كل ما يبذل من مجهودات وكل ما تطرحه الممارسة العملية من مشاكل، ولعل الدرس الذي لقنته التكنولوجيا المتطورة هو نصب العداء بين الحسن والأحسن( )
وبالإضافة إلى الشروط والقواعد السابقة، فقد أوجب المشرع الفرنسي ضرورة توافر شروط للأخذ بالبصمة الوراثية في المجالين المدني والجنائي على حد سواء، ومن أهم هذه الشروط ما يلي( ).
أولاً: أن يكون الأمر متعلقاً بإحدى الدعاوى القانونية المرفوعة أمام القضاء، والتي يكون القاضي فيها بسبيل التحقق من ادعاءات الأطراف، وهذه الدعاوى تنحصر – كما حددتها المادة 16-11 من القانون المدني الفرنسي رقم 94-653 لسنة 1994م – في دعاوى إنشاء البنوة أو المنازعة فيها (دعاوى النسب)، أو دعاوى المطالبة بنفقة أو المطالبة بالإعفاء منها.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، يمكن إجراء هذه التحاليل في حالات أخرى بعيدة عن القانون المدني، وهذه الحالات حددها المشرع بأنها إما: بصدد إجراءات؟؟( )، أو بصدد تحقيق معجل لإجراءات قضائية، وإما بصدد أغراض علاجية، وأخيراً، قد يكون بصدد أبحاث علمية.
وبذلك يكون المشرع الفرنسي قد حدد نطاق هذه الاستخدامات بدعوى مرفوعة أمام القضاء، وأن يكون الأمر بصدد دعوى إنشاء بنوة شرعية أو طبيعية، أو إنكار البنوة الشرعية أو الطبيعية أياً كان المدعي أو المدعى عليه في هذه الدعاوى.
كما تستخدم هذه الوسيلة في حالة دعوى طلب الحصول على نفقة للطفل أو للأم أو طلب الإعفاء منها( )، ولأهداف البحوث العلمية والعلاج.
وقد نصت المادة رقم 226-28 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد على أن:
(كشف شخصية الإنسان عن طريق بصماته الوراثية، لا يجوز إلا في إحدى ثلاث: في الأغراض الطبية( )، والبحوث العلمية، وفي نطاق إجراءات جنائية صحيحة).
ثانياً: يلزم أن يأمر أو يسمح بهذا التحليل من جانب الجهة القضائية المختصة(مادة 16-11من القانون المدني المضافة)، أي ضرورة الحصول على إذن بإجراء الفحص، سواء كان الإذن صادراً من جهة التحقيق قبل وصول القضية لحوزة المحكمة (النيابة العامة)، أو كان صادراً من القاضي المختص.
ووفقاً لهذا الشرط، لا يستطيع أي شخص من تلقاء نفسه أن يطلب إجراء هذا الفحص (تحليل البصمة الوراثية) بصفة شخصية وبدون أن تكون هناك دعوى أو إذن من الجهة المختصة، ويمتنع عن الجهة القائمة بأمر التحليل أن تقوم به قبل استيفاء هذه الشروط. وهذا بالطبع لخطورة الآثار الناجمة عن مثل هذه الفحوصات في كافة المجالات( ).
ثالثاً: أن يحصل خبير البصمة الوراثية مقدماً على رضاء الخاضع للفحص- كتابة وقبل اتخاذ أي إجراء آخر – إلا إذا كان الفحص أو تحديد الشخصية يتم لغرض طبي لمصلحة الخاضع للفحص، وبشرط احترام عقيدته.
ومعنى هذا الشرط – وفقاً لما نصت عليه المادة 145/15 من قانون الصحة العامة الفرنسي- أن إجراء الفحص الجيني للخصائص الوراثية للشخص أو بغرض تحديد شخصيته بناء على تحليل الحض النووي D.N.A – وفيما عدا إتمامه لأغراض الإجراءات القضائية – فإنه لا يمكن أن يتم إلا لغرض طبي أو لغرض البحث العلمي وبعد الحصول على رضاء الأطراف( ).
وفي حالة إجراء هذا الفحص لغرض طبي(أو تحديد الشخصية لغرض طبي)، فيجب أن يكون الرضاء كتابة... وبصفة استثنائية، يمكن الاستغناء عن رضاء الشخص إذا كان الفحص سيتم لمصلحته وبشرط احترام عقيدته (ثقته)، كما يمكن الاستغناء عن هذا الرضاء إذا روعيت نفس الشروط السابقة، وتعلق الأمر بتحديد شخصية الفرد لأغراض طبية( ).
وعليه، فأي غرض آخر للفحص غير الغرض الطبي أو البحث العلمي، لا يدخل تحت البند السابق، كما هو الحال والشأن للفحص بغرض إثبات حالة الشخص المرضية للالتحاق بالعمل، أو الفحص كشرط لتوقيع بوليصة تأمين على الحياة( ).
وعلاوة على ما سبق، فإنه يلزم في هذا الرضاء أن يكون مقدماً، أي يتم قبل أي تدخل جيني، وإلا فلا ينتج أثره ولا يعتد به إذا جاء بعد إتمام التدخل الجيني، كما يجب أن ينصب هذا الرضاء على موضوع محدد، هو الغرض من هذا التدخل، كما يجب – أيضاً- أن يكون الشخص أهلاً للرضاء، فإن كان عديم الأهلية فيجب الحصول على قبول ممثلة القانون، مع مراعاة مصلحة الشخص نفسه، وأهلية الرضاء في القانون المدني بلوغ الشخص سن الرشد(وهي إحدى وعشرين سنة ميلادية)، وقد اشترط البعض في نطاق القانون الجنائي ضرورة توافر الأهلية الكاملة، ويأتي هذا الشرط تطبيقاً وتأكيداً لمبدأ احترام السلامة المادية لجسم الإنسان( ).
رابعاً: يجب أن تكون موافقة الشخص المعني أو صاحب الشأن على إجراء تحليل البصمة الوراثية حرة ومستنيرة (مادة 16 فقرة 10-11)، (ومادة رقم5 من إعلان اليونيسكو العالمي لحقوق الجينوم البشري).
وبناء على هذا الشرط، فمن حق أي شخص أن يمتنع عن إجراء هذا الفحص متى وجد أن في ذلك انتهاك لحريته الشخصية، ولكن عليه أن يرتضي وجود قرينة ليس في صالحة.
ويأتي هذا الشرط تطبيقاً للقواعد العامة للمساس بالجسد الإنساني، فيجب أن يكون الرضاء بعيداً عن كل إكراه أو غلط أو تدليس أو خداع، كما يجب أن يكون الشخص المعني على دراية تامة بكافة توابعه وخلفياته( ).
هذا، وتنص المادة 223- 8 من العقوبات الفرنسي الجديد على أن:
(واقعة ممارسة أو العمل على ممارسة بحث طبي على شخص ما دون الحصول على موافقة حرة وواضحة وصريحة من الشخص المعني أو من أصحاب السلطة العائلية أو من الوصي في الحالات المنصوص عليها في قانون الصحة العامة، يعاقب بالحبس لمدة ثلاث سنوات وغرامة مقدارها 300000فرنك).
وتطبق المادة 223/2 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد في حالة إجراء الفحص الطبي الحيوي رغم سحب الموافقة من الشخص المعني( ).
خامساً: أن يكون القائمون على أمر التحليل من أصحاب الكفاءة المهنية، وأن يكونوا معتمدين ومسجلين كخبراء قضائيين وهذا ما نصت عليه صراحة المادة16/12 من القانون المدني الفرنسي( ).
وعليه، فلا يمكن أن يكون من حق أي جهة أن تتخصص في هذا الفرع من الطب أو تملك مؤهلات إجراء هذه الفحوصات أن تجريها، فالأمر جد خطير ويترتب عليه حقوقاً تكتسب أو تهدر، بل وتمس الشرف والكرامة في أغلب حالتها.
لذا، فقد حرص المشرع الفرنسي على قصر جهة الاختصاص بإجراء هذه الفحوصات على خبراء بعينهم، حاصلين على ترخيص خاص بعد استيفاء شروط سيصدر بها مرسوم من مجلس الدولة، وبصفة عامة يجب أن يكون هؤلاء الأشخاص مسجلين كخبراء قانونيين إذا ما تعلق الأمر بإجراءات قانونية( ).
كما نصت المادة السادسة من القانون رقم 653لسنة 1994م على إضافة المادة 6/1 إلى القانون رقم 71-498 الصادر في 29يونيه لسنة 1971م، والمتعلق بالخبراء القانونيين، والتي تنص على أن:
(يكون مؤهلاً لإجراء الفحص الجيني بغرض التعرف على هوية الشخص إذا ما تعلق الأمر بإجراءات قانونية كل شخص مسجلاً في القائمة المنصوص عليها في هذا القانون (رقم 71/498) من المادة الثانية منه، وحاصلاً على ترخيص بعد استيفاء الشروط التي سيصدر بها مرسوم من مجلس الدولة).
هؤلاء هم الأشخاص المؤهلون لإجراء هذه التحاليل الجينية، وليس غيرهم، كما أنهم هم المخاطبون بالنصوص محل البحث. هذا، ولمكافحة التجاوزات في استخدام الاختبارات الوراثية تعاقب المادة 226-26 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد بالسجن لمدة سنة واحدة وغرامة مقدراها 100000فرنك على كل من يجري أي من هذه التحاليل بدون أن يكون مرخصاً له بإجرائها( )، ويكون للشروع في الجريمة هذه نفس العقوبة الأصلية. (مادة 226/28-29)، فإنها تنص على جزاء الشطب من قائمة الخبراء القانونية كل خبير يرتكب الجريمة المنصوص عليها في المادة 226/28 من قانون العقوبات الجديد( ).
وفي السادس من فبراير عام 1997م صدر مرسوم مجلس الدولة الفرنسي رقم 97-109 والخاص بشروط اعتماد الأشخاص الأكفاء للقيام بمهام التعرف على الأفراد بالبصمات الوراثية في إطار إجراءات جزائية. وقد حدد هذا المرسوم الشروط الواجب توافرها في هؤلاء الأشخاص في الآتي:
1- أن يكون القائمون على تحليل البصمة الوراثية حائزين على الاعتماد الخاص من اللجنة المنشأة لذلك، وهو ما نصت عليه المادة الثالثة من هذا المرسوم بقولها:
(لا يقوم بإجراء التعرف بالبصمات الوراثية في إطار إجراء قضائي إلا الأشخاص الماديون أو المعنويون الذين لديهم القدرة – وفق شروط محددة- الاعتماد الممنوح لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد من طرف اللجنة المنشأة بنص المادة الأولى من هذا المرسوم) ( ).
2- أن يكون القائمون على تحليل البصمة الوراثية مسجلين بهيئة الخبراء القضائيين، وقد نصت على هذا الشرط المادة الرابعة من مرسوم مجلس الدولة الفرنسي السابق بقولها:
(لا يمكن أن يمنح الاعتماد المذكور في المادة الثالثة إلا لأشخاص طبيعيين أو معنويين مسجلين على أحدى القوائم المنشأة بموجب المادة الثانية من قانون 29/7/1971م، المتعلق بالخبراء القضائيين، والمادة (157) من قانون الإجراءات الجنائية).
3- أن يكون القائمون على تحليل البصمات الوراثية حائزين على المؤهلات العلمية الخاصة، وقد حددت المادة الخامسة من مرسوم مجلس الدولة سالف الذكر، هذه المؤهلات بنصها الآتي:
(يمنح الاعتماد المذكور في المادة الثالثة لأشخاص طبيعيين لديهم على الأقل إحدى المؤهلات (الشهادات) التالية:
أ- دكتوراه في العلوم البيولوجية.
ب- دبلوم الدراسات المتخصصة في الوراثة البشرية.
جـ- دبلوم الدراسات المتخصصة في البيولوجيا الطبية.
د- دبلوم الدراسات المتخصصة في الوراثة الطبية.
هـ- دبلوم الدراسات المتخصصة التكميلية في بيولوجيا الجزئيات أو الجينات البشرية.
4- أن يكون للحاصلين على إحدى المؤهلات العلمية السابقة تجارب تطبيقية في مجال البيولوجيا الجزئية، وهذا الشرط هو ما أفصحت عنه الفقرة الثانية من المادة الخامسة من مرسوم مجلس الدولة الفرنسي بقولها:
(إن الأشخاص الحائزين على المؤهلات السابقة يجب عليهم القيام بأعمال أو تجارب ذات مستوى عال أو كاف في نشاطات التطبيق المتعلق ببيولوجيا الجزئيات).
وأخيراً، ومما ينبغي التنويه إليه، أن المحكمة الفيدرالية الأمريكية قد اقرت جواز الاستعانة بالبصمة الوراثية، مستندة في ذلك إلى عدة معايير أو ضوابط تحدد مدى قبول الدليل العلمي أمام القضاء، وتتمثل هذه المعايير في الآتي:
أ- أن يكون رأي الخبير دقيقاً ومنتجاً في الدعوى.
ب- أن يكون الخبير متمكناً من المادة العلمية في مجال الخبرة المطلوبة.
جـ- أن تتوافر كتابات ومناقشات علمية في موضوع أعمال الخبرة المطلوبة.
د- بيان مدى الاعتماد على شهادة الخبير ومناقشاته أمام المحكمة.
هـ- توضيح مدى احتمال حدوث خطأ في إجراءات القيام بالخبرة.
و- بيان مدى احتمال تلفيق التهمة أو معاملة صاحب العينة معاملة غير عادلة( ).







الفصل الثاني
مدى حجية البصمة الوراثية في قضايا النسب
تمهيد وتقسيم:
لقد اثار الظهور العجيب للبصمة الوراثية في المجال الطبي حلولا للمشكلات التي تثار بشأن قضايا النسب على الصعيد الفقهي والقانوني والقضائي في كل من الفقه الاسلامي والقانون والقضاء المقارن الا أن تلك القضايا ليست على نمط واحد فيمايمكن أن توصل اليه البصمة الوراثية، فهناك اثبات النسب ونفيه، وهناك حالة اثبات ولد الزنا-أي الولد غير الشرعي-وهناك قضايا التحقق من الشخصية المفقودة، فأحكام هذه تختلف في الفقه الاسلام عن أحكامه في القانون المقارن وسوف نعرض ذلك على هذا النحو:
المبحث الأول: إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية
المبحث الثاني: إثبات ولد الزنى بالبصمة الوراثية
المبحث الثالث: التحقق من الشخصية بالبصمة الوراثية


المبحث الأول
اثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية
المطلب الأول: الفقه الاسلامي
المطلب الثاني: القانون المقارن

المطلب الأول
إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي

الفرع الأول
اثبات النسب بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي
اتفق الفقه الاسلامي على أن: الفِرَاشَ، والبَيِّنَةَ، والإِقْرَارَ أَدِلَّةٌ في إثبات النسب، وأما القيافة فمختلف فيها، ومن المعلوم في الفقه الاسلامي أن هناك مذهبين في اثبات النسب بالقيافة، المذهب الأول: الجمهور ويذهب الى جواز اثبات النسب بالقيافة، والمذهب الثاني: الحنفية والهادوية ويذهب الى عدم جواز اثبات النسب بالقيافة، واليوم وقد ظهر دليل جديد وهو البصمة الوراثية، فما مَنْزِلَتُهَا من أدلة إثبات النسب السالفة الذِّكْرِ؟
اختلف الفقهاء المعاصرون في تحديد مَنْزِلَةِ البصمة الوراثية كطريق لإثبات النسب بالنسبة إلى الطرق الأخرى على قولين:
القول الأول: يجب تقديم البصمة الوراثية على الطرق الشرعية الأخرى؛ لأنها تحقق ما تحققه الأدلة الأخرى وزيادة. وبه قال بعضهم؛ بدليل:
1- من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللهِ﴾ الأحزاب: 5، إن منطوق الآية يدعو إلى أن يُنسب الشخص إلى الأب الحقيقي( )، ومقتضى قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ ﴾ أن نعرف الأب الحقيقي، وأن نبذل في ذلك جهداً في المعرفة؛ لكي يأتي نسب الولد لأبيه حقاً سواء أكان شرعياً أو غير شرعي، سواء أكان من زنى أو من زواج ضاعت وثائقه( ).
2- من المعقول:
أ- إن أدلة النسب التي ذكرها الفقهاء لا تخرج في الحقيقة عن أُطُرِ الأدلة الشرعية في الإثبات مطلقاً؛ لأنها تهدف إلى كشف وإظهار الحقيقة المتاحة، وليس فيها ما يُتعبّدُ به سواء بعدده أو بهيأته إلا ما ورد في حَدِّ الزنى والقذف.
ب- إن وسائل الإثبات التي عمل بها الفقهاء ردحاً من الزمن، حتى حسبها بعضهم أصولا وقواعد ثابتة هي في الحقيقة لا تعدو أن تكون عملا بالممكن الْمُشَاهَدِ، وتفسيراً للنصوص بأدوات العصر، ولم يكن في المقدور الحكم بأبعدَ من ذلك، والمقصود من ذلك أن الفتوى تتغيّر بتغيّر الزمان والظروف، والمفتي إنما يُفتي على عُرف أهل زمانه، وليس زمن المتقدِّمين كزمن المتأخرين( ).
ويُعترض على ذلك: بأن القول بتقديم كل دليل علمي جديد على أدلة الشرع سيؤدي في النهاية إلى جحود كتاب الله، وإهدار سنة نبيه الكريم r؛ من أجل آيات شاء الله تعالى أن يُنعم بها على البشر؛ ليستفيد منها الناس، وليعلموا أنه الحق من ربهم، وليس لضرب النصوص الشرعية بِعُرْضِ الحائط( ).
وخلاصة هذا القول تقوم على أن النسب المعتبر هو النسب البيولوجي وليس النسب الشرعي.
القول الثاني: إن البصمة الوراثية تأخذ حكم القيافة؛ بحيث لا تُقدَّم على الأدلة الشرعية المتفق عليها، حتى مع التعارض معها؛ لأن الأدلة الشرعية في إثبات النسب أقوى في تقدير الشرع، ولكن يجب تقديمها على القيافة؛ لأنها أدقُّ منها، والقيافة أصبحت طريقة بدائية بالنسبة إلى البصمة الوراثية التي هي طريقة متقنة. وبه قال أغلب الفقهاء المعاصرين( ).
وأدلة أصحاب هذا القول يمكننا تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: الأدلة التي من خلالها تُقدّم الطرق الشرعية على البصمة الوراثية، والقسم الثاني: أدلة تقديم البصمة الوراثية على القيافة.
القسم الأول: الأدلة التي من خلالها تُقدّم الطرق الشرعية على البصمة الوراثية: فبالنسبة لقديم الأدلة الشرعية على البصمة الوراثية، فقد احتجوا بالآتي:
1- من القرآن الكريم:
أ- قال تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ البقرة: 233، فقد نسب الله تعالى الأولاد للأمهات؛ للقطع بولادتهن لهم، بخلاف الآباء وقد عبر عنهم بقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾؛ لأن المولود له قد لا يكون الأب الحقيقي، لكنه لما ولد على فراشه نسب إليه؛ إعمالا للأصل وإطراحاً لما سواه( ). بمعنى أن الأصل هو أن ينسب الولد لصاحب الفراش مع الاكتفاء بذلك، وعدم البحث فيما إذا كان صاحب الفراش هو الأب الحقيقي أم لا.
ب- وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ البقرة:282، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ البقرة: 283، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ﴾ الطلاق:2، وفي هذه الآيات الكريمات أمر بإقامة الشهادة وعدم كتمانها، وتقديم البصمة الوراثية على الشهادة يؤدي إلى تعطيلها، والتعطيل نوع من الكتمان( ).
2- من السنة النبوية: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: اختصم سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ وعبدُ بنُ زَمْعَةَ في غُلاَمٍ، فقال سعدٌ:"هذا، يا رسولَ اللهِ، ابنُ أخي عُتْبَةَ بنِ أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَيَّ أنه ابْنُهُ، انظر إلى شَبَهِهِ. وقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: هذا أخي يا رسولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، مِنْ وَلِيدَتِهِ، فنظر رسولُ الله r إلى شَبَهِهِ فرأى شَبَهاً بَيِّناً بِعُتْبَةَ. فقال:)هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ(، قالت: - أي: عائشة- فلم يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ"( ).
فَدَلَّ هدا الحديث النبوي الشريف بمنطوقه الصريح على إثبات النسب بالفراش مع وجود ما يخالف ذلك، وهو وجود شبه الغلام بصاحب الفراش( )، ودليل الشبه هنا يعتمد على الصفات الوراثية؛ فهو أشبه بالبصمة الوراثية، ومع ذلك لم يَقْوَ على معارضة الأصل الذي هو الفراش.
3- من المعقول:
أ- إنه لا ينبغي تعطيل النصوص الشرعية النَّقْلِيَّةِ الصحيحة الثابتة من القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية الشريفة؛ بمجرد دليل علمي حديث قد يشوبه الخطأ والتلاعب لمجرد هفوة أو شيء من الغبار أو غيره.
ب- إن النظريات العلمية الحديثة من طبية وغيرها مهما بلغت من الدقة والقطع في نظر المختصين إلا أنها تظل محل شك ونظر؛ لِمَا عُلِمَ بالاستقراء للواقع أن بعض النظريات العلمية المختلفة من طبية وغيرها يظهر مع التقدُّمِ العلمي الحاصل بمرور الزمان إبطال بعض ما كان يُقطع بصحته علمياً، أو على الأقل أصبح مجال شك ومحل نظر، فكم من نظريات طبية على وجه الخصوص كان الأطباء يجزمون بصحتها وقطعيتها، ثم أصبحت تلك النظريات مع التقدُّمِ العلمي الطبي ضرباً من الخيال( ).
ويمكن الاعتراض بشأن هذه النقطة، أن إطلاق مصطلح النظرية العلمية على البصمة الوراثية فيه نوع من مجانبة الصواب؛ ذلك أن البصمة الوراثية قد تجاوزت مرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق، وقد أثبتت النتائج التجريبية دِقَّتَهَا؛ لذلك فهي حقيقة علمية بكل المقاييس.
القسم الثاني: أدلة تقديم البصمة الوراثية على القيافة: استدلوا على تقديم البصمة الوراثية على القيافة بالأدلة الآتية:
1- إن البصمة الوراثية تعتمد على الشبه وعدمه، لكن عن طريق النمط الوراثي، ولما كانت تَتِمُّ من خلال مختبرات وتقنيات دقيقة ومعقّدة جداً، فإن نتائجها تكون دقيقة جداً، وفيها زيادة علم وحِذق.
أما القيافةُ فنتائجها غير دقيقة، فالقائف إنما يتكلم من حدس وتخمين وفراسة، ولا ينعدم احتمال الخطأ في حكمه بحال، بل قد يقول الشيء ثم يرجع عنه إذا رأى أشبه منه؛ وذلك لأن الصفات الظاهرة في البشر قد تتشابه وقد ينخدع القائف بالتشابه الظاهر؛ فيكون حكمه بإثبات الأبوة مجانباً للصواب( ).
2- القيافة طريقة بدائية قديمة، تعتمد في معرفة الشبه بالمطابقة بين الأعضاء كَلَوْنِ الأقدام أو اليدين أوالعينين، وتعتمد البصمة الوراثية على الخبرة الفنية المعملية والتقنية المتطوِّرة( ).
3- إن كُلاًّ من القيافة والبصمة الوراثية تقوم على دراسة الشبه، ولكن البصمة الوراثية تعتمد الشبه الخفي، بينما تعتمد القيافة على الشبه الظاهر( ) وقد ذهب أهل العلم إلى تقديم الشبه الخفي على الشبه الظاهر؛ حيث جاء في مغني المحتاج:"ولو ألحقه قائفٌ بالأشباه الظاهرة وآخرُ بالأشباه الخفية، كالخلق وتشاكل الأعضاء، فالثاني أولى من الأول؛ لأن فيها زيادة حذق وبصيرة"( ).
وللأدلة السابقة تبنّت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية هذا الرأي، وجاء في توصياتها:"أن البصمة الوراثية تمثل تطوّراً ضخماً في مجال القيافة الذي تعتدّ به جمهرة المذاهب الفقهية"( ).
ويلاحظ أن من الفقهاء المعاصرين من اعترض على قياس البصمة الوراثية على القيافة؛ حيث يرى أن البصمة الوراثية باب، والقيافة باب آخر؛ اعتماداً على أنها تقوم على أساس علمي محسوس فيه دقّة متناهية، كما أن العمل بها يكون في مجالات متعدّدة، على خلاف القيافة فهي مبنية على الظن، ومجالها إثباتُ النسب فقط؛ لذلك فإن البصمة الوراثية تُعَدُّ بَيِّنَةً أو قرينةً مستقلة يؤخذ بها في الحكم الشرعي إثباتاً ونفياً( ).
خلاصة القول: من خلال التعرض لأدلة الفريقين بشأن مَنْزلة البصمة الوراثية، وترتيبها ضمن أدلة إثبات النسب، يمكن ترجيح القول الثاني، القائل: إن البصمة الوراثية تأخذ حكم القيافة؛ بحيث لا تُقدَّم على الأدلة الشرعية المتفق عليها، حتى مع التعارض معها؛ لأن الأدلة الشرعية في إثبات النسب أقوى في تقدير الشرع، ولكن يجب تقديمها على القيافة؛ لأنها طريقة متقنة وأدقُّ منها.

الفرع الثاني
نفي النسب بالبصمة الوراثية دون اللعان
اللعان: هو شهادات تجري بين الزوجين مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن من جانب الزوج وبالغضب من جانب الزوجة.
وقد شرع اللعان لدرء الحد عن الزوج إذا قذف زوجته بلا شهود أو أراد قطع نسب الحمل أو الطفل المولود عنه، وهي أيضا حماية وصيانة لعرض الزوجة ودفعاً للحد عنها.
والطريقة التي جاءت به النصوص الشرعية لنفي النسب هو اللعان.
فهل يصح نفي النسب بالبصمة الوراثية إذا جاءت النتائج تؤكد ذلك ويكتفي بها أم لابد من اللعان أيضاً؟
اختلف الفقهاء المعاصرون في صحة نفي النسب بالبصمة الوراثية فقط دون اللعان ويمكن تلخيص آرائهم على النحو التالي:
القول الأول: لا ينتفي النسب الشرعي الثابت بالفراش (الزوجية) إلا باللعان فقط، ولا يجوز تقديم البصمة الوراثية على اللعان.
وهذا القول عليه عامة الفقهاء المعاصرين ومنهم علي محي الدين القرة داغي وعبد الستار فتح الله سعيد ( )، ومحمد الأشقر ( )، عمر محمد سبيل( )، ووهبة الزحيلي( )، وسعد العنزي( )، وناصر الميمان( ).
وعليه قرار مجمع الفقه الإسلامي بالرابطة وجاء فيه"لا يجوز شرعاً الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان"( ).
القول الثاني: يمكن الاستغناء عن اللعان والاكتفاء بنتيجة البصمة الوراثية إذا تيقن الزوج أن الحمل ليس منه.
وهذا الرأي ذهب إليه محمد المختار السلامي مفتي تونس ( )، ويوسف القرضاوي ( )، وعبد الله محمد عبد الله ( ).
القول الثالث: إن الطفل لا ينفى نسبه باللعان إذا جاءت البصمة الوراثية تؤكد صحة نسبة للزوج ولو لاعن، وينفى النسب باللعان فقط إذا جاءت البصمة تؤكد قوله وتعتبر دليلاً تكميلاً.
وهذا الرأي ذهب إليه نصر فريد واصل، وعليه الفتوى بدور الإفتاء المصرية ( ).
القول الرابع: إذا ثبت يقيناً بالبصمة الوراثية أن الحمل أو الولد ليس من الزوج فلا وجه لإجراء اللعان وينفى النسب بذلك، إلا أنه يكون للزوجة الحق في طلب اللعان لنفي الحد عنها لاحتمال أن يكون حملها بسبب وطء شبهة، وإذا ثبت عن طريق البصمة الوراثية أن الولد من الزوج وجب عليه حد القذف.
وهذا الرأي ذهب إليه سعد الدين هلالي، ولجنة الفتوى بوزارة الاوقاف الكويتية( ).
أولاً: استدل القائلون بأن النسب لا ينفى إلا باللعان فقط بما يلي:
1 – قوله تعالى:"والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين *"النور: 6-9.
وجه الدلالة: أن الآية ذكرت أن الزوج إذا لم يملك الشـهادة إلا نفسه فيلجأ للعان، وإحداث البصمة بعد الآية تزّيد على كتاب الله"ومن أحدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد"( ).
2 – عن عائشة رضي الله عنها قالت كان عتبة عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني فأقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال ابن أخي عهد إلى فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا (تدافعا) إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي قد كان عهد إلي فيه، فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم - هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ثم قال لسودة بنت زمعة احتجبي منه لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله ( ).
وجه الدلالة: أن الرسول – صلى الله عليه وسلم - أهدر الشبه البين وهو الذي يعتمد على الصفات الوراثية وأبقى الحكم ا لأصلي وهو"الولد للفراش"فلا ينفى النسب إلا باللعان فحسب ( ).
مناقشة الاستدلال: إن الاحتجاج بقصة اختصام عبد بن زمعة مع سعد بن أبي وقاص وإلحاق الرسول – صلى الله عليه وسلم - الولد بالفراش وأمره لسودة بالاحتجاب منه مع أنه أخوها، فقد قال ابن القيم:"وأما أمره سودة بالاحتجاب منه، فإما أنه يكون على طريق الاحتياط والورع لمكان الشبهة التي أورثها الشَّبَهُ البيِّن بعُتبة، وأما أن يكون مراعاة للشبهين وإعمالاً للدليلين فإن الفراش دليل لحوق النسب، والشبه بغير صاحبه دليل نفيه فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدّعي لقوته، وأعمل الشَّبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة، وهذا من أحسن الأحكام وأبينها، وأوضحها، ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه …وقال: وقد يتخلف بعض أحكام النسب مع ثبوته لمانع، وهذا كثير في الشريعة، فلا ينكر مِن تخلُّف المحرمية بين سودة وبين هذا الغلام لمانع الشبه بعتبة، وهل هذا إلا محض الفقه"( ).
فدعوى أن الرسول – صلى الله عليه وسلم - لم يلتفت لأمر الشبه (البصمة الوراثية) واستدلالهم بالحديث هذا هو استدلال بعيد، بل الحديث حجة عليهم حيث اعتبر الرسول – صلى الله عليه وسلم- أمر الشبه لذا أمر بالاحتجاب.
ففي حال التنازع على طفل ولد على فراش صحيح، ما المانع أن نعمل دليل الشبه ونثبت مقتضاه نفياً وإثباتاً، ويكون درء الحد عن الزوج لوجود شبهة اللعان وبهذا نعمل بالأدلة كلها لا سيما وأن الطفل ولد على الفراش فيتقوى إثبات النسب للطفل من جهة"الولد للفراش"، ومن جهة البصمة الوراثية، هذا في حال نفي النسب وثبوت خلاف ذلك من جهة البصمة، أما إذا جاءت البصمة تؤكد قول الزوج فيجتمع دليل اللعان مع البصمة فينتفي النسب وندرأ الحد عن الزوجة لوجود شبهة اللعان.
أما في حال الملاعنة فالأصل أن الطفل منسوب للزوج لأن الزوجة فراش له وجاء أمر الشبه (البصمة الوراثية) تؤكد ذلك الأصل فإننا نعمل بالأصل ونلحق الطفل بأبيه لدلالة الفراش والشبه ونكون أعملنا الشطر الأول من الحديث"الولد للفراش"وندرأ الحد عن الزوج إذا لاعن لوجود شبهة الملاعنة والحدود تدرأ بالشبهات ونكون أعملنا الشطر الثاني من الحديث"واحتجبي عنه يا سودة".
3 – حديث ابن عباس في قصة الملاعنة وفيه:"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الإليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء … فجاءت به كذلك فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: لولا ما قضي من كتاب الله لكان لي ولها شأن ( ).
وجه الدلالة: إذا نفى الزوج ولداً من زوجته ولد على فراشه فلا يلتفت إلى قول القافة ولا تحليل البصمة الوراثية لأن ذلك يعارض حكماً شرعياً مقرراً وهو إجراء اللعان بين الزوجين، ولذلك ألغى رسول الله – صلى الله عليه وسلم (دليل الشبه) بين الزاني والولد الملاعن عليه … ودليل (الشبه) الذي أهدره رسول الله – صلى الله عليه وسلم - هنا يعتمد على الصفات الوراثية فهو أشبه بالبصمة الوراثية ومع ذلك لم يقو على معارضة الأصل الذي نزل به القرآن في إجراء اللعان"( ).
وقال ابن القيم تعليقاً على الحديث السابق أن فيه"إرشاد منه – صلى الله عليه وسلم - إلى اعتبار الحكم بالقافة، وأن للشبه مدخلاً في معرفة النسب، وإلحاق الولد بمنزلة الشبه، وإنما لم يُلحق بالملاعن لو قدر أن الشبه له، لمعارضة اللعان الذي هو أقوى منه الشبه له"( ).
مناقشة الاستدلال: ويجاب عن حديث الملاعنة بنحو ما تقدم فقد جاء في الحديث"إن جاءت به أصيهب أريضخ أثيبج حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الإليتين فهو الذي رميت به – وهو شريك بن سمحاء كما في رواية البخاري – فجاءت به أورق جعداً خدلج الساقين سابغ الإليتين، أي شبيهاً لشريك بن سمحاء الذي رميت به – فقال النبي – صلى الله عليه وسلم-:"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"فقد أفاد الحديث أنه حتى لو تمت الملاعنة بين الزوجين وولد الطفل شبيهاً بالزوج صاحب الفراش فإنه ينسب له ولا ينفى عنه –؛ لأن النص جاء بنسبته إليه لأنه أقوى بكثير من مجرد التشابه الظاهري الذي أخذ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في إثبات النسب ويدرأ الحد عن الزوج لوقوع الأيمان وبهذا عملنا بالأدلة كلها وهذا من دقائق المسائل التي يحظى بها من رزقه الله حظاً وافراً من الفقه ( ).
كما أن اعتراضهم على عدم إقامة الحد على الزوجة اعتماداً على البصمة الوراثية واكتفاءً بها دليل على أنها ليست حجة بذاتها يجاب عنها من وجهين:
الأول: أن هناك فرقاً بين إثبات النسب أو نفيه وبين إقامة الحد القائم على المبالغة في الاحتياط فالحدود تدرأ بالشبهات بخلاف النسب فهو يثبت مع وجود الشبهة كما في قصة عبد بن زمعة، فلو ادعت المرأة أنها كانت مكرهة أو أنها سقيت شراباً به مادة منومة وزنا بها آخر فحملت منه كان ذلك كافياً في إسقاط الحد عنها، وكذا الرجل لو ادعى أنه أودع منية في (بنك المني) وأن امرأة أخذت منيه بطريقة أو بأخرى واستدخلته وحملت بطفل وجاءت البصمة الوراثية تؤكد لحوق الطفل وراثياً بذلك الرجل لم يحد لوجود شبهة، لا لأن البصمة ليست حجة.
الثاني: إن من العلماء المعاصرين من يقول بإقامة الحد إذا ثبت ذلك بالبصمة الوراثية ولم يدع المتهم شبهة اعتماداً على هذه البينة وأخذاً بما أخذ به بعض الفقهاء المتقدمين كما قال ابن القيم:"والرجوع إلى القرائن في الأحكام متفق عليه بين الفقهاء، بل بين المسلمين كلهم، وقد اعتمد الصحابة على القرائن فرجموا بالحبل وجلدوا في الخمر بالقيء والرائحة وأمر النبي r باستنكاه المقر بالسكر وهو اعتماد على الرائحة … فالعمل بالقرائن ضروري في الشرع والعقل والعرف"( ).
إن الفقهاء نصوا على أن الملاعن لو بدا له أن يعود في قوله ويلحق ابنه الذي نفاه باللعان جاز له ذلك لزوال الشبهة التي لاعن من أجلها، فهل من الحكمة ومن العدل أن يتجاسر الناس للتعرض للعنة الله أو غضبه وندع البينة (البصمة الوراثية) ولا نحكمها بينهم، ثم بعد اللعان يعود ويلحق ما نفاه!! فإن هذا من الفقه البارد.
4 – إن الطريق الشرعي الوحيد لنفي النسب هو اللعان ولو أن الزوجة أقرت بصدق زوجها فيما رماها به من الفاحشة فإن النسب يلحق الزوج لقوله – صلى الله عليه وسلم- الولد للفراش وللعاهر الحجر"ولا ينتفي عنه إلا باللعان، ثم كيف يجوز إلغاء حكم شرعي بناء على نظريات طبية مظنونة ( )
5 – إننا لا نستطيع أن نعتمد على البصمة فحسب ونقيم حد الزنا على الزوجة، بل لابد من البينة، فكيف تقدم البصمة على اللعان ولا نقدمها على الحد.
ثانياً: أدلة القائلين باعتبار البصمة الوراثية:
1 – قوله تعالى:"والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم.."النور: 4.
وجه الدلالة: أن اللعان يكون عندما ينعدم الشهود وليس ثمة شاهد إلا الزوج فقط حينئذ يكون اللعان.
أما إذا كان مع الزوج بينة كالبصمة الوراثية تشهد لقوله أو تنفيه فليس هناك موجب للعان أصلا لاختلال الشرط في الآية.
كما أن الآية ذكرت درء العذاب، ولم تذكر نفي النسب ولا تلازم بين اللعان ونفي النسب، فيمكن أن يلاعن الرجل ويدرأ عن نفسه العذاب ولا يمنع أن ينسب الطفل إليه إذا ثبت ذلك بالبصمة الوراثية ( ).
مناقشة الاستدلال: وقد نوقش هذا الاستدلال بالاتي:
أ-أن الأصل الذي عدل عنها للعان في الآية الصريحة جاء بلفظ (الشهداء) وهو ما يضعف هذا الاستدلال ويوهنه، لان البصمة الوراثية لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون من الشهداء، بخلاف ما لو جاءت الآية بلفظ (بينات) لأصبح هذا الرأي نوعا من المعنى أو التوجيه، أو أن الآية لم ترد بذلك، فلا وجه للاستدلال أو الاحتجاج بها( )
ب-لا يلزم من إقامة البينة على زنى الزوجة نفي النسب من غير اللعان، لأنهما بينتان الأمرين مختلفين، فكل واحدة منهما يحصل مالا يحصل بالأخرى فباللعان يحصل نفي النسب، ولا يحصل ذلك بالبينة، ويكون بالبينة ثبوت الزنا وإقامة الحد على الزوجة ولا يكون ذلك باللعان لذلك ذهب غالبية الفقهاء إلى القول بأن النسب الثابت بالفراش لا ينتفي إلا باللعان مادام ولد لمثل الزوج( )
2 – قوله تعالى:"وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم"يوسف: 26-28.
وجه الدلالة: أن شق القميص من جهة معينة اعتبرت نوعاً من الشهادة والبصمة الوراثية تقوم مقام الشهادة ( ).وقد اجيب على هذا الدليل بما اجيب على سابقه.
3 – قوله تعالى:"ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله"الأحزاب: 5.
وجه الدلالة: فإلحاق نسب الطفل بأبيه مقصد عظيم من مقاصد الشريعة، فإذا أثبتت البصمة الوراثية نسب طفل وأراد الأب لأوهام وشكوك أو للتهرب من النفقة أو لأي غرض آخر – مع ضعف الذمم في هذا الزمان – فإن العدل يقتضي أن نلحق الطفل بأبيه ولا نمكن الأب من اللعان لئلا يكون سبباً في ضياع الطفل. ( ).
4 – إن نتائج البصمة يقينية قطعية لكونها مبنية على الحس، وإذا أجرينا تحليل البصمة الوراثية وثبت أن الطفل من الزوج وأراد أن ينفيه، فكيف نقطع النسب ونكذب الحس والواقع ونخالف العقل، ولا يمكن البتة أن يتعارض الشرع الحكيم مع العقل السليم في مثل هذه المسائل المعقولة المعنى وهي ليست تعبدية. فإنكار الزوج وطلب اللعان بعد ظهور النتيجة نوع من المكابرة والشرع يتنزه أن يثبت حكماً بني على المكابرة.
5 – أن الشارع يتشوف إلى إثبات النسب رعاية لحق الصغير ومخالفة البصمة لقول الزوج في النفي يتنافى مع أصل من أصول الشريعة في حفظ الأنساب، وإنفاذ اللعان مع مخالفة البصمة لقول الزوج مع خراب الذمم عند بعض الناس في هذا الزمان وتعدد حالات باعث الكيد للزوجة يوجب عدم نفي نسب الطفل إحقاقاً للحق وباعثاً لاستقرار الأوضاع الصحيحة في المجتمع ( ).
6- أن البصمة الوراثية يجوز الاعتماد عليها في نفي النسب ما دامت نتيجتها قطعية كما يرد دعوى الزوج في نفي النسب إذا أثبتت نتائج البصمة الوراثية القطعية لحوق الطفل به، لأن قول الزوج حينئذ مخالف للحس والعقل وليس ذلك تقديماً للعان، وينبغي للقضاة أن يحيلوا الزوجين قبل إجراء اللعان لفحوص البصمة الوراثية لأن إيقاع اللعان مشروط بعدم وجود الشهود، فإذا كان لأحد الزوجين بينة تشهد له فلا وجه لإجراء اللعان.
والأخذ بهذه التقنية يحقق مقصود الشرع في حفظ الأنساب من الضياع ويصد ضعفاء الضمائر من التجاسر على الحلف بالله كاذبين.
الترجيح: قبل ذكر القول الراجح تجدر الاشارة إلى النقاط التالية:
1 – لا خلاف بين الفقهاء في أن الزوج إذا لاعن ونفى نسب الطفل وجاءت النتيجة تؤكد قوله. فإن النسب ينتفي ويفرق بينهما لكن الزوجة لا تحد لوجود شبهة اللعان و"الحدود تدرأ بالشبهات"( ).
2 – لا خلاف بين الباحثين في المسألة لو أن الزوجين رضيا بإجراء البصمة قبل اللعان للتأكد وإزالة الشبهة فإن ذلك يجوز في حقهما، بل استحسن بعض الفقهاء عرض ذلك على الزوجين قبل اللعان( ).
ويظهر للباحث أن البصمة الوراثية إذا جاءت مخالفة لقول الزوج فلا يلتفت لدعواه بنفي النسب وإن لاعن أو طلب اللعان، وأن نسب الطفل يثبت للزوج ويجري عليه أحكام الولد وإن جاءت موافقة لقول الزوج فله أن يلاعن وذلك للأمور التالية:
1 – أن الشريعة أعظم من أن تبني أحكامها على مخالفة الحس والواقع، فإن الشرع أرفع قدراً من ذلك والميزان الذي أنزله الله للحكم بين الناس بالحق يأبى كل الإباء ذلك.
فلو استلحق رجلاً من يساويه في السن وادعى أنه أبوه فإننا نرفض ذلك لمخالفته للعقل والحس فلا يمكن أن يتساوى أب وابن في السن مع أن الاستلحاق في الأصل مشروع.
وقد رد جماهير العلماء دعوى امرأة مشـرقية تزوجت بمغربي ولم يلتقيا وأتت بولد، فإن الولد لا يكون لزوجها المغربي البتة لمخالفة ذلك للحس والعقل وهذا النفي
ليس تقديماً لقوله – صلى الله عليه وسلم -:"الولد للفراش"إنما لمخالفة ذلك لصريح العقل والحس.
قال ابن تيمية:"فلا تتناقض الأدلة الصحيحة العقلية والشرعية، ولا تتناقض دلالة القياس إذا كانت صحيحة، ودلالة الخطاب إذا كانت صحيحة فإن القياس الصحيح حقيقته التسوية بين المتماثلين وهذا هو العدل الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسل والرسول لا يأمر بخلاف العدل"( ).
2 – أن آية اللعان قيدت إجراءه بما إذا لم يكن ثمة شاهد إلا الزوج، ومفهومه أنه لو كان هناك بينة من شـهود فإنه لا يجرى اللعان بل يثبت ما رمى به الزوج زوجته.
ومن البدهي لو كانت هناك بينة أخرى غير الشهادة فلا وجه لإجراء اللعان كما لو أقرت الزوجة زوجها فيما رماها به من الزنا. فإذا منعنا وقوع اللعان لوجود سبب مانع له، فما وجه إجرائه مع وجود بينة قطعية (البصمة الوراثية) تخالف دعوى الزوج. فإننا إذا قمنا بذلك كان ضرباً من المكابرة ومخالفة للحس والعقل، واللعان معقول المعنى معروف السبب وليس تعبدياً محضاً.
قال ابن القيم:"والشاهدان من البينة، ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها كدلالة الحال على صدق المدعي، فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد…"( ).
فإذا علمنا أن الشهادة أقوى من قول الزوج في اللعان لأن الشهادة مبنية على غلبة الظن أما قول الزوج في اللعان فهو متساوي الطرفين في الصدق أو الكذب أي بنسبة (50 %) لأنه إما أن يكون صادقاً أو تكون الزوجة صادقة، فهل من الفقه أن ندع بينة قطعية تصل لـ 99.9 % تؤكد كـذب الزوج ونأخذ ما هو محتمل للصدق بنسبة 50% وننسب ذلك للشريعة؟؟!!
قال ابن القيم:"والله أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له"( ).

المطلب الثاني
إثبات النسب ونفيه في القانون والقضاء المقارن

الفرع الأول
استخدام البصمة الوراثية في إثبات النسب في القانون المقارن
أصبح الاتجاه الغالب في التشريعات الوضعية، تميل إلى الأخذ بالأدلة العلمية، وعلى رأسها البصمة الوراثية، في مجال إثبات النسب ونفيه، بل وقامت مجموعة من هذه التشريعات بتنظيم التقاضي بالبصمة الوراثية وأقرتها بنصوص خاصة، كالتشريع الفرنسي، والتشريع الألماني، والإنجليزي، والبلجيكي، والكندي، والتونسي، وبعض الاتفاقيات الدولية. وهو ما سوف أحاول توضيحه فيما يلي:
1- التشريع الفرنسي:
أجاز المشرع الفرنسي استخدام البصمات الوراثية في مجال إثبات النسب، وذلك في القانون رقم 94-653- الصادر في 29 يوليو سنة 1994م، حيث نص في المادة الخامسة منه على إضافة فصل ثالث للباب الأول من الكتاب الأول للقانون المدني معنون بـ: (دراسة الخصائص الجينية للشخص وتحديد شخصيته عن طريق الفحص بالجينات الوراثية).
حيث نصت المادة 16/11 من القانون المدني الفرنسي- المضافة – على أن:
(... وفي مجال القانون المدني، فإن تحديد شخصية الفرد بناء على تحليل الجينات الوراثية لا يجب البحث عنه إلا بمناسبة إتمام إجراءات تحقيق مصرح به من قبل القاضي المختص، وبصدد دعوى إنشاء أو منازعة في رابطة البنوة أو دعوى طلب نفقه أو الإعفاء منها...).
وبذلك، فإن المشرع الفرنسي قد حدد نطاق هذه الاستخدامات بدعوى مرفوعة أمام القضاء، وبعد أمر القاضي، وأن يكون الأمر بصدد دعوى إنشاء بنوة شرعية أو طبيعية، أو إنكار البنوة الشرعية أو الطبيعية أياً كان المدعي أو المدعى عليه في هذه الدعاوى، كما تستخدم هذه الوسيلة في حالة دعوى طلب الحصول على نفقة للطفل أو للأم، أو طلب الإعفاء منها( ).
2- التشريع الألماني:
يُجيز القانون المدني الألماني اللجوء إلى تحليل البصمات الوراثية في مجال إثبات النسب ونفيه، حيث نصت المادة 372 من قانون الإجراءات المدنية الألماني على أن: (القاضي يلتزم بالبحث في مسائل النسب بالخبرة وبما تكشف عنه من حقيقة).
3- التشريع الإنجليزي:
يُجيز التشريع الإنجليزي الصادر عام 1969م إثبات النسب بكافة الأدلة، ومنها الأدلة العلمية، التي تعتبر البصمة الوراثية نوعاً متقدماً منها، واللجوء إلى البصمة الوراثية وفقاً لأحكام هذا التشريع يتم بطريقتين:
الأولى: إجراء البصمة الوراثية بموافقة الزوجين بعيداً عن نطاق القضاء، وعليه، فإن جاءت نتائج الاختبارات نافية لأبوة الزوج، فإن من شأن هذه النتيجة أن تمنع إقامة أية دعوى قضائية ضد الزوج باعتباره أباً للطفل، أما إذا أثبتت النتائج أبوة الزوج، فإن الحكم يختلف بحسب ما إذا كان الأمر متعلقاً بنسب شرعي أو بنسب طبيعي، فإن كان النسب شرعياً فإن الطفل يستطيع رفع دعوى قضائية لإعلان شرعية نسبة الذي سوف تحكم به المحكمة طبقاً لنتائج اختبارات البصمة الوراثية. أما إذا كان النسب طبيعياً، فإن كان الأب قد اعترف بالطفل كابن له في شهادة ميلاده أو أثبت أبوته بحكم قضائي، فيمكن للطفل عندئذ أن يرفع دعوى قضائية لمعرفة حقيقة نسبة.
الثانية: إذا لم يتوصل الطرفين إلى اتفاق حول نسب الطفل بالطريقة السابقة، كان لزاماً اللجوء إلى القضاء لحسم هذا النزاع، حيث يمنح القانون الإنجليزي سلطة تقديرية واسعة في قبول طلب إجراء اختبارات البصمة الوراثية بشكل يحقق مصلحة الطفل. والواقع في إنجلترا يثبت أن القاضي يقبل طلب إجراء الاختبارات المقدم من الزوج، إلا أنه يُظهر بعض التشدد في الطلب المقدم من غير الزوج يدعي أبوته البيولوجية للطفل، فإذا ما تبين للقاضي أن الطلب المقدم من هذا الشخص سوف يزعزع الوضع العائلي الذي عاش فيه الطفل حتى تاريخ النزاع، فإنه غالباً ما يقرر رفضه( ).
هذا، وفي جميع الأحوال يتطلب القانون الإنجليزي موافقة الشخص عند خضوعه للاختبارات، حيث لا يعترف هذا القانون بالإكراه البدني، ولكن يسمح بالإثبات العكسي بالقرائن( ).
4- التشريع الكندي:
نصت المادة 355 من القانون المدني الكندي على جواز إقامة الدليل في دعاوى النسب بكافة وسائل الإثبات، ورغم ذلك لا تقبل الشهادة إلا إذا وجد مبدأ الثبوت بالكتابة أو قرائن أو أدلة خطيرة مستخلصة من وقائع صريحة ثابتة بصورة مسبقة وصريحة.
وعليه، فإن العمل بالاختبارات الوراثية، تخضع لقواعد الإثبات بالشهادة، ومع ذلك، فإن البصمات الوراثية يمكن أن تشكل دليلاً يعتمد عليه لقبول الإثبات بالشهادة( ).
5- القانون البلجيكي:
لايوجد في هذا التشريع نص صريح يعالج كيفية استخدام الاختبارات الواثية في مجال النسب ولذا فانه يطبق القواعد العامة في هذا الخصوص ومنها المادة(331-8) والتي تجيز للقاضي اجراء فحص الزمر الدموية وغير ذلك من الاختبارات وفقا للمناهج العلمية( )
6- التشريع المصري:
لم يتعرض القانون المصري في قانون الأحوال الشخصية الجديد رقم 1 لسنة 2000م لمسألة إثبات النسب إلا في حالة وفاة المورث( )، حيث نصت المادة السابعة من القانون المذكور على أنه:
(لا تُقبل عند الإنكار دعوى الإقرار بالنسب أو الشهادة على الإقرار به بعد وفاة المورث، إلا إذا وجدت أوراق رسمية مكتوبة جميعها بخط المتوفي وعليه إمضاؤه، أو أدلة قطعية جازمة تدل على صحة هذا الادعاء).
ويتبين من هذا النص، أن هناك شروطاً ثلاثة يلزم توافرها أو توافر أحدها لقبول دعوى الإقرار بالنسب بعد الوفاة، وهي:
أ- وجود أوراق رسمية تتضمن إقرار المورث بأبوته للولد.
ب- وجود أوراق عرفية محررة جميعها بخط المتوفي (المورث) وتحمل إمضاؤه تدل على إقراره بأبوته للولد.
ج- توافر أدلة قطعية جازمة تدل على صحة بنوة الطالب.
هذا، ووفقاً للشرط الثالث، فإن المشرع قد رأى إثبات النسب في هذه الحالة إذا توافرت أدلة قطعية جازمة تدل على صحة نسب المدعي من مورثه( ). آخذاً في ذلك بما وصل إليه العلم الحديث في مجالات الطب والهندسية الوراثية أو وسائل التقدم العلمي الأخرى، كالتسجيلات الصوتية أو المرئية، على أن يخضع الأمر في ذلك لتقدير المحكمة. ويشترط لقبول هذه الأدلة، أن تكون قائمة وموجودة قبل إقامة الدعوى، وفقاً لنص هذه المادة، وإلا كانت الدعوى غير مقبولة( ).
7- التشريع التونسي:
نصت المادة الأولى من قانون الأحوال الشخصية التونسي رقم 75 لسنة 1998م على الآتي:
(على الأم الحاضنة لابنها القاصر ومجهول النسب أن تسند له إسماً ولقبها العائلي، أو تطلب الإذن بذلك طبق أحكام مجلة الحالة المدنية، ويمكن للأب أو للأم أو للنيابة العمومية رفع الأمر إلى المحكمة الابتدائية المختصة لطلب إسناد لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني، أن هذا الشخص هو أب ذلك الطفل).
وطبقاً لهذا النص، يكون المشرع التونسي هو أول المشرعين العرب الذي يجيز صراحة إثبات نسب المجهول ومن على شاكلته بواسطة التحليل الجيني أو البصمات الوراثية.
8-القانون الإماراتي:
القانون الإماراتي والمادة (89) من قانون الأحوال الشخصية الإماراتي ذكر بعض هذه الطرق ثم أضاف قائلاً: أو بالطرق العلمية.. وهذه إضافة في مكانها الصحيح حيث يستعان بمنجزات العلم الحديث في سبيل الوصول إلى الحقيقة.
9-القانون المغربي:
أما القانون المغربي لم يأخذ بالبصمة الوراثية ففي قرار حيث صدر عن المجلس الأعلى المغربي يستبعد فيه الاعتراف بدور هذه الخبرة، ويركن إلى الوسائل الشرعية متجاهلاً تماماً القوة الثبوتية لهذه الوسيلة( ).
10- الاتفاقيات الدولية:
أ- الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل: تنص المادة السابعة من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل على أن: (للطفل الحق في أن يعرف والديه، وأن يقوم هذان الوالدان بتنشئته).
ب- اتفاقية استرا سبورج الأوروبية: نصت المادة الخامسة من هذه الاتفاقية على جواز الأخذ بالدليل العلمي دون تفرقة بين البصمة الوراثية وغيرها في الإثبات( ).
11-القانون اليمني:
بالنظر إلى قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم (20) لسنة 1992م وخصوصاً الفصل الأول في ثبوت النسب من الكتاب الثالث في المادة (121) وحتى المادة (135) نجد أنه أخذ بمذهب الجمهور في الفقه الإسلامي حيث أعتد بالطرق الشرعية لإثبات النسب وهي الزواج الصحيح بشروطه (الفراش) والزواج الفاسد كذلك بشروطه...الخ.
كما ذكر في الفصل الثالث من الكتاب الثاني في مواده (108) وحتى المادة (112) الطريق الشرعي الوحيد لنفي النسب وهو اللعان أخذاً بمذهب جمهور الفقه الإسلامي، ولم يتطرق لشأن هذا الدليل محل الدراسة تاركاً في المسائل الجديدة التي لم ينص عليها إلى أقوى الأدلة الشرعية وفقاً للمادة (349) وهذه الإحالة بالرغم من وجاهتها حيث أحالت في المسائل التي لم يرد بها نص في هذا القانون إلى الفقه الإسلامي ليحل هذه المسائل والفقه الإسلامي فقد ناقش كل المسائل المستجدة ممثلاً بمجمع الفقه الإسلامي وغيره إلا أنه يؤخذ على هذه المادة بأن جعلت النص عاماً حيث أحالت إلى أقوى الأدلة وإعمال هذا النص ليس يسيراً فضلاً عن أن صياغة النص معيبة،اذ أن الرجوع إلى أقوى الأدلة أو أقوى المذاهب أو أرجحها مهمة يعجز عنها كبار الفقهاء والقضاء في العصر الراهن فهو تكليف بما يشبه المستحيل لأن لكل مذهب أصوله وقواعده التي يتم في ضوئها اختيار أرجح الأقوال فيه، والمقرر شرعاً أنه لا يحكم بمذهب على مذهب، فلا يجوز أن يقال: أن هذا أحق من ذلك، لأن مذهباً أخذ بالأول ومذهباً أخذ بالثاني، بل يكون الترجيح بالدليل وقوته سلامته وضعفه في موضع الاستدلال ما يسميه الفقهاء (مأخذ الدليل).
لذلك فلو أحال النص إلى الرأي الراجح في مذهب معين لكان أولى، ومع ذلك فإن مجمع الفقه الإسلامي اليوم أصبح أشبه بالإجماع فيما يقرره من المسائل الفقهية المستجدة ومن ثم يمكن الرجوع إليه.



الفرع الثاني
موقف القضاء في إثبات النسب ونفيه عن طريق البصمة الوراثية
1. القضاء الفرنسي:
يتضح للمتتبع لأحكام القضاء الفرنسي، بخصوص دعاوى إثبات النسب ونفيه، مدى الترحاب الذي قوبلت به النتائج الحديثة لأنظمة فحص الدم والبصمات الوراثية باعتبارها وسيلة نفي أو إثبات بطريقة لا تقبل الشك، أو بالأحرى، بطريقة تقترب من اليقين. وهو ما يتضح جلياً من خلال عرضنا لبعض المنازعات التي عرضت على القضاء، وذلك على النحو التالي:
أ- كانت باكورات الأحكام الصادرة من محكمة استئناف باريس، في نزاع تتلخص وقائعه في: أن سيدة متزوجة أنجبت طفلاً وألحق نسبه لزوجها، ثم طلقت وتزوجت بآخر، وبعدها رفعت دعوى تطلب فيها نفي نسب الطفل من مطلقها وثبوته من زوجها الثاني. قضت محكمة الاستئناف في 11/12/1975م بتكليف خبير حددت مهمته بإجراء اختبارات الوراثة بالنسبة للأطراف المعنية(الأم، الطفل، المطلق، الزوج الثاني) بغرض توضيح أي من الزوجين يُعد مستبعداً ولا يعزى إليه نسب الطفل، وأيهما لا يعد مستبعداً ويمكن اعتباره الأب. وفي حالة عدم الاستبعاد على الخبير – حددت المحكمة – أن يوضح درجة احتمال الأبوة.
وفي 3/3/1976م أودع الخبير تقريره الذي يُفيد استبعاد الزوج الأول واعتبار الزوج الثاني هو الأب الحقيقي للطفل على وجه يقترب من اليقين، حيث قدر نسبة احتمالات الأبوة بدرجة تصل إلى 999.84 من ألف. واستناداً إلى هذا التقرير، قضت المحكمة في 16/12/1976م بلزوم ثبوت نسب الطفل إلى الزوج الثاني باعتباره الأب الحقيقي( ).
ب- وفي مجال إثبات البنوة الشرعية، نجد الحكم الصادر من محكمة باريس الجزئية في 24/1/1983م، وتحصل وقائعه في طلب الزوج لإجراء فحص الدم من أجل التحقق من ادعائه بأنه ليس أباً للطفل الذي ولدته زوجته بعد أكثر من 300يوم من تاريخ عدم إمكان المصالحة بينهما وقرار المحكمة بانفصالهما، وقد استجابت المحكمة لهذا الطلب، رغم أنه قد ثبت لديها من وقائع النزاع أن الزوج كان يقضي، في غالب الأحيان، الليل أو عطلة نهاية الأسبوع عند زوجته، وأيضاً على الرغم من ثبوت أنه كان قد اصطحبها في زيارة أحد الأطباء لإجراء عملية إجهاض.
وهكذا، يبقى واضحاً أنه رغم قيام الدليل الظاهري على أن الزوج هو الأب الحقيقي، إلا أن المحكمة استجابت لطلب إجراء فحص الدم لتقديم الدليل على أنه لا يمكن أن يكون الأب الحقيقي للولد المزعوم أنه منه( ).
ومما سبق يتبين لنا، مدى تقدير القضاء الفرنسي للدليل العلمي الناتج عن فحوصات الدم واختبارات البصمة الوراثية، والاعتماد عليها في حسم منازعات ومشكلات النسب، وهو ملمح بارز للقضاء الفرنسي( ).
2. القضاء الأردني:
وجد في القضاء الشرعي الأردني تطبيقات عديدة لاستخدام البصمات الوراثية في مجال إثبات النسب، ويتأكد ذلك من خلال وقائع القضية رقم 213لسنة 2002م، التي حكم فيها القضاء الشرعي الأردني بناء على نتائج تحليل البصمة الوراثية.
وتتخلص وقائعها في: أن رجلاً يدعى(ص) وزوجته(ش) قد استلما طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها خمسة أشهر من أحد جنود الجيش العربي خلال حرب حزيران (يونيه) عام 1967م وتم قيدها على أسمها، وغيرا اسمها الحقيقي باسم آخر، ولما كبرت الفتاة رفعت هذه الدعوى أمام المحكمة الابتدائية في عمان تطالب فيها بنفي نسبها من هذا الرجل المدعى عليه الأول(ص) وزوجته (ش) وإثباته من المدعى عليه الثاني(ر) وزوجته (ع) وبعد عدة جلسات حكمت المحكمة بتاريخ 24/10/2002م اعتماداً على تحليل البصمة الوراثية، بنفي نسب الفتاة من المدعى عليه الأول (ص) وزوجته (ش) وإلحاق نسبها بالمدعى عليه الثاني (ر) وزوجته (ع)، واعتبارهما الأبوين الحقيقيين لها( ).
استأنف المدعى عليه الأول الحكم أمام محكمة الاستئناف الشرعية في عمان، وبتاريخ 17/12/2002م أيدت هذه المحكمة الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية – محكمة أول درجة – وعقبت على هذا التأييد قائلة:
(وحيث ثبت بتقرير الطبيب المؤيد بشهادته بأن الفحوصات الجينية المعروفة بالبصمة الوراثية تثبت بشكل حاسم أن المدعى عليه الأول وزوجته المدعوين (ص –ش) لا يمكن أن يكونا والديها) ( ).
3. القضاء اللبناني:
اعتمد القضاء اللبناني على البصمة الوراثية كقرينة قاطعة في مجال إثبات النسب، ومن ذلك الحكم رقم 78الصادر عن محكمة الفرقة الابتدائية الثالثة في جبل لبنان بتاريخ 13/4/2000م في دعوى إثبات نسب الطفلة (ستيفاني).
وقد جاء في هذا الحكم: (وحيث أنه بات من المعلوم أن فحوصات الـA.N.A تتناول ليس مجرد عينات الدم، وإنما الخصائص الوراثية للإنسان، بحيث يمكن أن تعطي دلالة واضحة ومؤكدة حول ما يسمى بالبصمات الوراثية التي لا تدع مجالاً للشك حول هوية والدي الطفلة، وهذا النوع من الفحوصات أصبح من الممكن الركون إليه بثقة شبه مطلقة في مسألة إثبات النسب... وحيث أنه لو سلمنا جدلاً بأن هذه الفحوصات غير كافية لإثبات النسب، وهذا غير صحيح، إلا أن نتائج هذه الفحوصات مقرونة بالقرائن المبينة في متن هذا القرار بما فيه إفادة الطبيب وإقرار المدعى عليه بحصول مداعبات مع المدعية، والأمر هو أكثر من ذلك على ما يتبين من ظروف النزاع، يصبح من البديهي القول بأن المدعى عليه هو أبو الطفلة سيتفاني، ويقتضي إثبات نسبها منه...) ( ).
4. القضاء المصري:
اعتد القضاء المصري بالبصمات الوراثية في مسائل إثبات النسب، ووجد لها تطبيقات عديدة فيه، ومن ذلك: ما جاء في حكم لمحكمة الزقازيق الكلية للأحوال الشخصية في 28/6/1997م في الدعوى رقم: 944من أنه:
(لما كان من المقرر قانوناً أن رأي الخبير لا يخرج عن كونه عنصراً من عناصر الإثبات لمحكمة الموضوع تقديره دون معقب عليها في ذلك، وكان الثابت من تقرير الطب الشرعي الذين تطمئن إليه المحكمة أن الطفل المتنازع على بنوته هو ثمرة معاشرة جنسية للمدعية والمدعي عليه، فإن المحكمة تقضي بثبوت نسب الطفل للمدعي عليه).
والمقصود بتقرير الطب الشرعي في الواقعة هو تقرير عن فحص المحتوى الوراثي D.N.A، وفي ذات الحكم تبين المحكمة ذلك وتسجل عليه ملحوظة مهمة، حيث جاء في الحكم:
(... ويضاف إلى طرق إثبات النسب سبب رابع، هو تحليل مقابل الأنسجة وبالأخص الحمض النووي D.N.A، على أن يلاحظ أن النسب الذي يثبت هو النسب الطبيعي دون النسب الشرعي، ولا تلازم بين النسبين).
ويأخذ البعض( ) – بحق – على هذا الحكم، أنه بخصوص اعتباره للتحليل الوراثي (البصمة الوراثية) كسب رابع لثبوت النسب يُفرق بين النسب الطبيعي والنسب الشرعي، فيثبت الأول وينفي التلازم بينه وبين الثاني دون أن يبين حدود عدم التلازم بين النسبين، ويرى أن هذا التقسيم مأخوذ عن القانون الفرنسي رقم72-3 الصادر في 3يناير سنة 1972م، والذي يقسم البنوة إلى بنوة شرعية وبنوة طبيعية( )، وهو في سبيل تحقيق البنوة في منازعة طلب إثباته أو نفيها، أو الحصول على نفقة أو الإعفاء منها، يعتمد دلالة فحص المحتوى الوراثي إذا تم الفحص بتصريح من القاضي المختص( ).
أما عن التفرقة بين البنوة الطبيعية والشرعية، فإن القانون الفرنسي قد أخذ بها لكي يمنح بعض الحقوق للأطفال غير الشرعيين (البنوة الطبيعية) في محاولة لمساواتهم بالأطفال الشرعيين(البنوة الشرعية)، لاعتبارت ومنطلقات إنسانية بحتة تتمثل في براءة الابن من سبب وجوده طبيعياً كان أو شرعياً.. وجدير بالذكر أن الشريعة الإسلامية لا تقر البنوة الطبيعية، إذا عرت عن الأسباب الشرعية، وتلحق الطفل في هذه الحالة بأمه تضييقاً منها على مرتكبي الرذيلة، بعدم إقرار أية آثار لجريمتهم عسى أن يكون ما يلحق بالأم حينئذ من عار، زاجراً عن الخطيئة وردعاً لمن يرتكبها( ).
5. القضاء المغربي:
وتتلخص وقائع الدعوى التي بت فيها المجلس الأعلى في: أن شخصاً يدعى"بلخديم"مغربي يسمح بازدواجية الجنسية – متزوج من امرأة مزدوجة الجنسية كذلك، رفعت عليه الزوجة دعوى تطليق أمام محكمة فرنسية طالبت فيها بالتطليق ونفقة ابنته. بالنسبة للتطليق لم يطرح إشكالاً، لكن بالنسبة لنفقة البنت فقد دفع المدعى عليه بنفي نسب البنت وطالب بإجراء خبرة طبية. وقد جاءت نتائج الخبرة الطبية لصالح المدعى عليه وأكدت أنه يستحيل أن تكون هذه البنت من صلبه، وعلى أساسها حكمت المحكمة الفرنسي بنفي النسب وإخلاء المدعى عليه من كل مسئولية تجاه البنت.
ولأن نفي النسب لم يكن في صالح المدعية فقد رفعت دعوى إثبات النسب أمام محكمة ابتدائية مغربية حكمت لصالحها على أساس أو وسائل الإثبات الشرعية متوفرة (الفراش وشروطه خاصة مدة الحمل).
أستأنف المدعى عليه الحكم ودفع بنفي النسب مدلياً ينتائج الخبرة الطبية وأنه يستحيل أن يكون أباً لهذه البنت. والمشكلة الكبرى أن المحكمة تجاهلت تماماً نتيجة الخبرة وأيدت الحكم الابتدائي وبنت قرارها على أساس أن الخبرة الطبية ليست من الوسائل الشرعية في الغثبات، وحكمت على المدعى عليه بمستحقات البنت.
بعد ذلك رفع الرجل دعوى أمام المجلس الأعلى مطالباً بنقض قرار محكمة الاستئناف على أساس أن قرارها غير مرتكز على اساس قانوني لكن المجلس الأعلى وللأسف أيد قرار محكمة الاستئناف ورفض طلب المدعي.
من هذا الموجز لوقائع الدعوى نلاحظ أن المحاكم المغربية على مختلف درجاتها اعتبرت أن الخبرة الطبية (البصمة الوراثية) ليست من الوسائل الشرعية لإثبات النسب وهذا الاجتهاد في الحقيقة دام ردحاً من الزمن متجذراً في أحكام وقرارات المحاكم المغربية.
وقد لاقى استهجاناً كبيراً من طرف فقهاء القانون المغاربة على أساس أنه لا يساير أبداً العصر الذي نعيش فيه ويعتبر خرقاً صارخاً لمبادئ العدل الذي يقوم عليها القضاء، بل وقد يعطي صورة سيئة عن المجتمعات الإسلامية وكأننا نعيش في العصور الوسطى.( )
القضاء الإماراتي:
وجد في بعض الاحكام الصادرة عن محكمة استئناف دبي (...ان المحكمة لاتعول على نتيجة المختبر الجنا ئي الاولى واللاحقة لأن نتيجة تحليل الدم ليست من البينات المعتبرة شرعا لاثبات النسب ولا يخرج التقريران عن كونهما قرينة تخضع لتقدير المحكمة...)( ).
وحول هذا اصدرت محكمة التمييز بامارة دبي قاعدة قانونية ومبدا قانونيا ثابتا تم نشره في صحف الدولة حيث قالت (...ان نتيجة تحليل الدم ليست من البينات المعتبرة شرعا لاثبات النسب، ولايعدو هذا التقرير ان يكون مجرد قرينة تخضع تقديرها الى محكمة الموضوع، ولا تثريب على محكمة الموضوع الاستئناف في عدم اخذها بنتيجة المختبر الجنائي في اثبات نسب الولد المتنازع عليه من الطاعن بعد تحليل الدم...)( ).
وهذا لايعني رفض الادلة العلمية نهائيا وعدم التعويل عليها لانها لاتدخل ضمن النصوص الشرعية، وهذه الادلة العلمية الحديثة كما تقرر في القضاء والنصوص القانونية انها تخضع لاقتناع القاضي.

المطلب الثالث
موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن
بعد العرض السابق لموقف الفقه الإسلامي والقانون والقضاء المقارن لمسألة إثبات النسب وبفيه بالبصمة الوراثية، اتضح لنا الآتي:
تتفق القوانين الوضعية، وكذلك القضاء الوضعي، مع ما ذهب إليه غالبية الفقهاء المحدثين من القول بجواز إعمال البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب، وذلك تخريجاً على مذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية، القائلين بجواز اللجوء إلى القيافة عند النزاع على النسب أو عند تعارض البينات أو تساوي الأدلة في ذلك.
إلا أن نقطة الاختلاف بينهما تكمن في أن الفقه الإسلامي لا يقر العمل بالبصمة الوراثية إذا عورضت بأدلة أقوى منها في إثبات النسب، كالفراش والبينة، وهذا ما فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديث الفزاري، حيث أعمل الحقيقة البيولوجية في إثبات النسب، وهي أن الولد للفراش، وأن الاختلاف في اللون بين الوالد وابنه ليس دليلاً على أنه ليس من صلبه، لأنه قد يكون نزعة عرق من سالف الأجداد.
وذلك خلافاً للقانون المقارن، وخصوصا التشريع والقضاء الفرنسي، الذان أجازا تقديم البصمة الوراثية على دليل الفراش، ولعل من أبرز الشواهد على ذلك، ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 312من القانون المدني الفرنسي من قرينة قانونية يمكن إثبات عكسها، مفادها:
أن الزوج هو الأب الشرعي للطفل إذا تم أثناء الزواج، إلا أن الفقرة الثانية من ذات المادة السابقة، قد سمحت للزوج أن ينكر أبوته لهذا الطفل أمام القضاء إذا أثبت أنه لا يمكن أن يكون الأب البيولوجي له، ويستطيع الزوج إثبات ذلك بكافة وسائل الإثبات الممكنة، ومنها الخبرة البيولوجية لتحديد البصمات الوراثية، حيث تعتبر محكمة النقض الفرنسية هذه الخبرة بمثابة مسألة قانونية في قضايا النسب، إلا إذا كان هناك باعث شرعي يمنع من إجرائها( ).
المبحث الثاني
إثبات ولد الزنا بالبصمة الوراثية
المطلب الأول
إثبات نسب ابن الزنا بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي
لا خلاف بين العلماء في اعتبار ماء الرجل سبباً وموجباً لتنسيب من يخلقه اله منه إليه، إذا كان في إطار العلاقة الشرعية المرسومة للمعاشرة، وهي النكاح والتسري وشبهتهما من كل ما لا حد فيه، كما أنه لا خلاف بين الفقهاء في تبعية الولد لأمه التي ولدته من نكاح أو من سفاح، لضرورة الأمومة لكل طفل.غير أن الخلاف بين الفقهاء وقع حول اعتبار ماء الرجل سبباً لتنسيب من يخلقه اله منه إليه إذا كان في علاقة آثمة (زنا) توجب الحد.
وسبب الخلاف بين الفقهاء في ذلك يرجع إلى اختلافهم في اعتبار الماء الذي يخلق الله منه الولد هو وحده السبب في التنسيب، لأنه الأمر الطبيعي، أم أن السبب هو الماء وعلاقة الزوجية أو التسري معاً، لأنها الأمر المشروع وما عداه باطل؟( ).
هذا، وقد اختلف الفقهاء في إثبات النسب لابن الزنا على مذاهب ثلاث:
المذهب الأول: ذهب أكثر أهل العلم (المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية، الأمامية، وبعض الإباضية، وأبو يوسوف، وبعض الحنفية) ( )، إلى أن ابن الزنا لا ينسب لأب بحال، سواء أقر به الزاني أم لم يقر، وسواء ثبت أبوته بموجب البصمة الوراثية أو بغيرها من الوسائل الأخرى أم لا.
واستدل أصحاب هذا المذهب في تدعيم وجهة نظرهم بالآتي:
أولاً: من السنة:
1- ما ورد في نفي ولد الملاعنة، وفيه ما أخرجه مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي"صلى الله عليه وسلم"لاعن بين رجل وامرأة، وانتفى من ولده، ففرق بينهما، وألحق الولد بالمرأة( ).
وقد قالوا في توجيه هذا الدليل: وولد الزنا أسوأ حالاً منه، فيأخذ حكمه.
ويجاب عن ذلك، بأن نفي ولد الملاعنة إنما كان لطلب الزوج، وهو صاحب الحق، بخلاف ولد الزنا فإنكم تمنعون نسبه حتى مع طلب الزاني باستلحاقه بهذه الصفة( ).
2- ما أخرجه ابن ماجه عن عمروا بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عاهر أمة أو حرة فولده ولد زنى لا يرث ولا يورث) ( ).
وجه الدلالة: يفيد هذا الحديث الشريف، أن النسب لو كان يثبت بالزنا لترتبت عليه آثاره الشرعية من ميراث وغيره، ولما لم يكن ذلك، دل على أن ولد الزنى لا يلحق بالزاني.
3- ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ( ).
وجه الدلالة: ووجه الدلالة من هذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم حصر وقصر ثبوت النسب على صاحب الفراش، فلا يكون لغيره. يقول صاحب فتح الباري في شرح هذا الحديث:
(والذي يظهر من سياق القصة، أنها كانت أمة مستفرشة لزمعة، فاتفق أن عتبة زنى بها، وكانت طريقة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استلحقه لحقه وإن نفاه انتفى عنه، وإذا ادعاه غيره كان مرد ذلك إلى السيد أو القافة. فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم، حكم الجاهلية وألحق بزمعة( )... ولا يمكن حمل الخبر: (الولد للفراش) على كل واطئ، بل المراد من له الاختصاص بالوطء كالزوج والسيد( ).
ويمكن الجواب عن ذلك، بأن قصر الفراش على من له الاختصاص بالوطء كالزوج والسيد، يتعارض مع حق الزوج في نفي الولد باللعان وإهدار الفراش، وأيضاً منع تنسيب الولد للزوج أن أتت الزوجة به من غيره لأقل من ستة أشهر، وهذا المنع محل اتفاق( ). ولذلك فقد نقل عن الشافعي أنه قال: قوله: (الولد للفراش) له معنيان: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شرع له كاللعان انتفى عنه، والثاني: إذا تنازع رب الفراش والعاهر، فالولد لرب الفراش. قال ابن حجر، بعد أن ذكر قول الشافعي: والثاني منطبق على خصوص الواقعة، والأول أعم( ).
ثانياً: من المعقول:
استدل أصحاب هذا المذهب بدليل المعقول من وجوه، نذكر منها ما يلي:
1- أنا ماء الزنى هدر، لا حرمة له، فلا يرتب أثراً.
2- أن النسب نعمة والزنا نقمة بجريمة يجب أن لا أن يكافأ بنسب أو غيره( ).
3- أن الأبوة وصف شرف لا يستحقها إلا من بذل وقدم لها بالزواج أو التسري، قال تعالى: (... وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين...) النساء: 24.
4- أنه لا يمكن التيقن من أن ابن الزنى منه، لأن الذي طاوعته ساقطة المروءة والشهادة، ويمكن أن نفعل مع غيره كما فعلت معه، فمن أين يتمحض نسبة الولد له؟
5- أن الزاني تعدى حدود الله في طريق المعاشرة الحلال، فلو ألحقنا الولد به، لكان ذريعة لكل متفحش لم يصل إلى المرأة برضاها ورضا أهلها أن يصيبها، ويكون الولد له، فكان لا بد أن يعامل بنقيض قصده( ).
المذهب الثاني: ذهب الشعبي، وإسحاق بن راهوية، وابن سيرين، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وابن تيمية، وابن القيم، وبعض المالكية، إلى ثبوت نسب ابن الزنى للزاني مطلقاً، متى عرفنا أنه من مائة، أو أقر به، وسواء أقيم عليه الحد أم لا، وسواء تزوج من المزني بها أم لا( ).
وقد اعتمد أصحاب هذا المذهب في تدعيم رأيهم هذا على الأدلة الآتية:
أولاً: من السنة:
1. عائشة في قصة منى، وقال عبد بن زمعة: هو أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعاهرة الحجر)، ثم قال لسودة بنت زمعة: (احتجبي منه)، لما رأى الشبه بعتبة فما رآها حتى لقي الله.
وجه الدلالة: يفيد هذا الحديث اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم للشبه الدال على صاحب الماء وليس الدال على صاحب الفراش، وأمر سودة بالاحتجاب، فلو لم يكن هناك اعتبار لصاحب الماء لما أمرها بالاحتجاب. ومن هنا قال ابن حجر: استدل به الحنفية على أنه لم يلحقه بزمعة، لأنه لو ألحقه به لكان أخاً لسودة، والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه( ).
هذا، وقد أجاب الجمهور عن هذا الدليل بأجوبة ضعيفة غير مقنعة، فقالوا: يتعين تأويل هذا الحديث، واختلفوا في التأويل، فقال ابن حزم: ليس أمره صلى الله عليه وسلم سودة أم المؤمنين بالاحتجاب منه بكادح في أن الولد لصاحب الفراش، ولا احتجاب الأخت عن أخيها بمبطل أخوته لها البتة، لأنه ليس فرضاً على المرأة رؤية أخيها لها، وإنما الفرض عليها صلة رحمة فقط، ولم يأمر عليه الصلاة والسلام قط بأن لا تصله( ).
وقال الجمهور: إن الأمر بالاحتجاب منه للاحتياط لما رأى الشبه بيناً بعتبة وإن حكم بأنه أخوها. وأشار الخطابي إلى أن ذلك مزية لأمهات المؤمنين، لأن لهن في ذلك ما ليس لغيرهن. قال: والشبه يعتبر في بعض المواطن لكن لا يقضي به إذا وجد ما هو أقوى منه. وقال القرطبي، بعد أن قرر أن أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط وتوقي الشبهات، قال: ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق أمهات المؤمنين، كما نهاهن عن رؤية الأعمى في قوله: (أفعمياوان أنتما) مع قوله لفاطمة بنت قيس: (اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه أعمى) ( ).
2- روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال: إن هلال بن أمية قذف أمرأته بشريك بن سحماء، وكان أخ البراء بن مالك لأمه، وكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال: فلاعنها،، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فهو للذي وما هابه) على سبيل المجاراة، وليس على الحقيقة( ).
ثانياً: من المعقول:
استدل أصحاب هذا المذهب بالمعقول عن عدة وجوه، منها:
1- أن الأب هو أحد الزانيين، فإذا كان يلحق بأمه وينسب إليها وترثه ويرثها، مع كونها زنت به، وقد وجد الولد من ماء الزانيين واشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهما، فما المانع من لحوقه بالأب إذا لم يدعه غير( ).
2- أن تنسب الولد لصاحب الماء أفضل من أن يترك بدون نسب الأب.
3- قياس ماء الزنا على ماء النكاح، لعموم الحديث: (الولد للفراش).
4- قياس ماء الزنى على ماء الشبهة، فقد ذهب الفقهاء إلى أن من وطئ بشبهة امرأة غيره، أو امرأة خلية، وأتت بولد، أمكن أن يكون منه، نسب له( ).
المذهب الثالث: ذهب الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن – وهو المعتمد وعليه الفتوى في المذهب – وبه قال ابن عباس، إلى أن ابن الزنى ينسب إلى الزاني إن تزوج بالمزني به وهي حامل. أما أن لم يتزوجها حتى وضعت، أو كان الحمل ليس منه، فلا ينسب لأب وإنما ينسب إلى أمه التي ولدته( ).
وحجتهم في ذلك الآتي:
أولاً: من القرآن الكريم:
قال تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) النور: 3.
وجه الدلالة: أن الله تعالى خص للزاني نكاح الزانية، والعكس، ومنع ذلك على المؤمنين، ويجب لتحقق نكاح الزاني من الزانية أن يستبرئ رحمها من غيره للحديث: (لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماء رزعه غيره) ( ). يعني إتيان الحبالى، ولما كان المعنى غير متحقق مع الزاني صاحب الماء، جاز له أن يتزوجها وهي حامل منه، وإذا جاز ذلك فإن الولد ينسب له( ).
ثانياً: من المأثور:
فمنه، ما روى عن ابن عباس أنه سئل عن الرجل يزني بالمرأة ثم يريد نكاحها؟ فقال: أول أمرها سفاح وآخره نكاح( ). وفي رواية، قال: إن تابا، فإنه ينكحها( ).
وروي عنه أيضاً، أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها، فقرأ عليه قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) ( ).
وسأله رجل، فقال: إني كنت ألم بامرأة، وآتي منها ما حرم الله فرزقني الله من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال الناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، أنكحها، فما كان من إثم فعليّ( ).
كما روي أن رجلاً سأل ابن عباس عن نكاح التي زنى بها؟ فقال: يجوز، أرأيت لو سرق من كرم ثم ابتاعه أكان يجوز؟( ).
وجه الدلالة: دلت هذه الآثار على صحة زواج الزاني بمن زنى بها، وإذا صح ذلك جاز ثبوت النسب منه، لأنه أثر من آثار النكاح.
وبعد العرض لجمهور الفقهاء في تنسيب ابن الزنا، يرى غالبية الباحثين ان قول جمهور الفقهاء بأن النسب لا يثبت هو الراجح، وذلك لقوة أدلتهم، وحتى لاتختلط الأنساب، وتشيع الفاحشة بين الناس( )
الترجيح:
بعد هذا العرض لمذاهب الفقهاء في تنسيب ابن الزنى، يرى غالبية الباحثين أن قول جمهور الفقهاء بأن النسب لا يثبت بالزنى هو الراجح، وذلك لقوة أدلته، وحتى لا تختلط الأنساب، وتشيع الفاحشة بين الناس( ).
ومع هذا فان الباحث لايميل الى هذا الترجيح ويتجه ويتبنى وجهة أخرى، تبناه البعض، بحق( )، وهي ترجيح المذهب القائل بإلحاق ولد الزنى تنسيبه للزاني، حيث لا يوجد دليل من كتاب أو سنة ينهي عن إلحاق ولد الزنى بالزاني، بل إن الشواهد تؤكد على ضرورة إلحاق كل مولود بوالده الطبيعي مع مراعاة ضوابط الاستقرار في الإثبات، وعدم إغفال عقاب المخطئ، وهو الزاني،، بإنزال حد الله فيه وفقاً لقواعد تنفيذ الحدود شرعاً، وسندناً في هذا الترجيح ما يلي:
1-إن قرار الحرمان من الأبوة بالنسبة للزاني، قرار تأديبي عقابي، وليس نصاً ملزماً، فلو وجدنا عقاباً آخر مناسباً، كان هذا واجب التطبيق ثم كيف ننزل على الزاني العقاب بما يضر البريء، وهو الطفل الذي من حقه أن يعيش، ولا يؤخذ بجريرة الزاني المتسبب في وجوده، ولعل خير عقاب لهذا الزاني، في مثل هذه الحالة، أن نلزمه بالولد ليتحمل عبء تربيته والإنفاق عليه، إعمالاً لقاعدة: (الغنم بالغرم)، فكما غنم اللذة الرخيصة، غرم مسئولية التربية والإنفاق( ).
2-أن تنسيب ابن الزنى من الزاني ليس تكريماً له، ولا ينفي بشاعة فعلته، فهو لا يزال في نظر المشرع مجرماً يستحق حد الله فيه، ولكن التنسيب قائم على المجارة لتنسيب الأم.
3-لقد أجمع المسلمون – بحق – على تنسيب ولد الزنى من الزانية لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع الملاعنة وانب الغامدية، وقوله تعالى: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ) المجادلة: 2.
ويعلل الفقهاء ذلك، بأن الأم معروفة قطعاً بخلاف الفاعل، فإذا ما أرسل الله إلينا رسول العلم بالبصمة الوراثية لمعرفة الفاعل قطعاً، ألا ينطبق الحكم على الأب أيضاً؟ فيكون الأب( )، كما قال الله تعالى: (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) النساء، آية:23.

ا-أن النسب في القرآن الكريم ثابت برابطة الدم، وإنما كان الزواج والتسري شرطاً لحل العلاقة حتى لا يتعدى أحد على عرض أحد، قال تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)) الفرقان: 54.
يقول العلامة ابن كثير: فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهراً، ثم يصير له أصهار، واختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين.
ولذلك فإن العلامة ابن رشد – وهو من المتشددين في نفي ولد الزنى، وادعى فيه الإجماع – يعرف البنت في فصل مانع النكاح بالنسب، فيقول: هم اسم لكل اثنى لك عليها ولادة من قبل الابن أو من قبل البنت أو مباشرة( ).
ب-أما ماء الزنى ليس هدراً، كما يقول جمهور الفقهاء، بل هو ماء تترتب عليه آثار شرعية متعددة، منها: أنه يوجب الحد، ويثبت حرمه المصاهرة، وحرمة الرضاع عند الجمهور، فلو أرضعت الزانية طفلاً كان الزاني والده بالرضاع، كما يثبت بالزنى العدة للمزني بها، على الراجح، فكيف بعد كل ذلك يكو ماء هدراً؟
ج-أننا نرخص للزاني وغيره أن يستلحق من الأطفال من شاء بمجرد الإقرار أو الإدعاء أنه منه دون استفصال عن حقيقة العلاقة التي جاء منها الولد، كما ذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم، ويقولون: لأنه نفع محض للطفل لاتصال نسبه، ولا مضرة على غيره فيه، فقبل كما لو أقر له بمال( ).
فلماذا لا نعلنها صراحة في تنسي ولد الزنى من صاحب الماء، مع التأكيد على ضرورة إقامة حد الله تعالى على كل مخطئ، قال تعالى: (...وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) النور: 2.
د-أن الزنى مسألة غير منضبطة، ولذلك، فإن الشافعية – وهم أكثر المذاهب الإسلامية تشدداً في هذه المسألة – حتى أجازوا للزاني أن يتزوج ابنته من الزنى لعد التيقن من كونه صاحب الماء الذي كان منه الحمل، ولقولهم: إن ماء الزنى ماء هدر لا حرمة له، نرهم يترددون في هذه الفتوى، حتى قال الإمام الشافعي: أكره أن يتزوجها، فإن تزوجها لم أفسخ.
ويقول الشيرازي شارحاً قول الإمام الشافعي: (فمن أصحابه من قال: إنما كره خوفاً من أن تكون منه، فعلى هذا إن علم قطعاً أنها منه، بأن أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أخبره في زمانه، لم تحل له، ومنهم من قال: غما كره، ليخرج من الخلاف؛ لأن أبا حنيفة يحرمها، فعل هذا لو تحقق أنها منه، لم تحرم، وهو الصحيح، لأنها ولادة لا يتعلق بها ثبوت النسب، فلم يتعلق بها التحريم)( ).
والآن، وبعد ثبوت وانتشار العمل بالبصمة الوراثية في الدول المتقدمة ودلالتها القطعية في تحديد صاحب الماء الذي منه الولد، وإمكان معرفة ما إذا كانت انبته أم لا على وجه اليقين، فهل يجوز لنا أن نتجاهل هذا النور وتلك الحقيقة ونظل نتمسك بشكوك حسمها العلم وقضى عليه، ونقول أنها ليست منه ويصح زواجها منه...؟ ( ).
ويلاحظ أخيراً: أننا إذا ما أخذ بهذا التوجه في إلحاق أولاد الزنى، حققنا فوائد كثيرة منها:
أولا: الاستفادة بنعمة الله تعالى في ظهور البصمة الوراثية، كآية من آيات الله في الإنسان التي تحقق الهوية الشخصية بصفاتها الذاتية والمرجعية.
ثانيا: إنقاذ المتشردين من أطفال المسلمين، وتقليل ظاهرة إلقاء المولودين على أعتاب المساجد، أو بجوار صناديق القمامة، وأحياناً بداخلها.
ثالثا: تحميل المتسبب مسئولية التربية والإنفاق، إعمالاً لقاعدة الغنم بالغرم، فكما غنم اللذة، غرم التربية والنفقة.
رابعا: التقليل من ظاهرة تزوير الأنساب عندما تستغل المرأة غفلة زوجها فتلحق بزوجها من ليس منه.
خامسا: التقليل من ظاهرة التبني الشائعة في بلاد المسلمين على الرغم من تحريم الله تعالى لها تحريماً قاطعاً( ).
هذا، وترتيباً على ما سبق فإن البصمة الوراثية لا تعرف من العلائق سوى العلاقة الطبيعية، التي أصلها ماء الرجل وبويضة الأنثى، وتستطيع التعرف على حقيقة نسب أي إنسان من وجهتي الأم والأب الطبيعيين، دون النظر إلى طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة – نكاح أو سفاح – والبصمة الوراثية ترشد الفقيه والقاضي بحقيقة قطعية عند تحديدها للرجل المتسبب في وجود الولد.
وعليه: فإذا ما أخذنا بما ترجح للباحث ,ورجمناه من لتنسيب ابن الزنى للزاني إن علمناه، فالبصمة الوراثية تكون حجة في إثبات النسب للتأكد من الفاعل الحقيقي.
أما إذا أخذنا بمذهب الجمهور من نفي ابن الزنى من الزاني، فإن البصمة الوراثية التي تعين وتحدد الزاني تكون حجة على هذا الجمهور في مسألة الزاني، فإن أقر بالزنى وجب الحد، وإن لم يقر وادعى الشبهة فالواجب على الجمهور أن يلحقوا نسب الولد لهذا الفاعل باعتبار أنه وطء بشبهة، وهو طء يفيد النسب عند الجمهور( ).

المطلب الثاني
إثبات نسب ابن الزنا بالبصمة الوراثية في القانون المقارن
إن المتتبع لموقف القوانين الوضعية في هذا المجال، لا سيما القانون الفرنسي، يرى أنه أجاز إثبات الطبيعية – غير الشرعية- والاعتراف بها ونص على ذلك صراحة في المادة 334 من القانون المدني بقوله: (الاعتراف بالولد الطبيعي يكون بشهادة محررة صحيحة، إذا لم يكن هذا الاعتراف في شهادة الميلاد)( ).
كما أجاز المشرع الفرنسي إثبات الأبوة الطبيعية، خارج نطاق الزواج قضائياً، بكافة وسائل الإثبات، بشرط أن يكون هناك قرائن وأدلة قوية مثل وجود تشابه بين الطفل والأب المزعوم ووقائع القضية( ).
وفضلاً عن ذلك، فإن المشرع الفرنسي قد أجاز إثبات النسب المتنازع عليه اعتماداً على تحليل البصمات الوراثية، وذلك بمقتضى المادة 16/11من القانون رقم 94-653- الصادر في 29يوليه سنة 1994م، سواء كان أمر الإثبات متعلقاً بدعوى إنشاء بنوة شرعية أو طبيعية، أو إنكار البنوة الشرعية أو الطبيعية، شريطة أن يتم ذلك بعد موافقة الأطراف، وأمر القاضي، ومن خلال دعوى مرفوعة أمام القضاء( ).
وفيما يتعلق بالتشريعات العربية: فإن غالبية هذه التشريعات تستمد أحكام الأحوال الشخصية، ومنها أحكام النسب، من الشريعة الإسلامية، وقد أخذت هذه التشريعات وتبنت مذهب جمهور الفقهاء القائل بعدم إثبات ولد الزنا من أبيه الزاني( )
لم يخالف في ذلك إلا المشرع التونسي( )، حيث قضى بجواز إسناد لقب الأب للطفل مجهول النسب الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بالتحليل الجيني، أن هذا الشخص هو أب ذلك الطفل، وقد جاء نص قانون الأحوال الشخصية التونسي الصادر بتاريخ 28/10/1998م، صريحاً في هذا الخصوص، حيث قضى بأن:
(على الأم الحاضنة لابنها القاصر ومجهول النسب أن تسند له اسماً ولقبها العائلي أو أن تطلب الإذن بذلك طبق أحكام مجلة الحالة المدنية، ويمكن للأب أو للأم أو للنيابة العمومية، رفع الأمر إلى المحكمة الابتدائية المختصة لطلب إسناد لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني أن هذا الشخص هو أب ذلك الطفل).
وإذا ما جاز لنا أن نعتبر ابن الزنى (الطفل الطبيعي) مجهول النسب، وهو كذلك، أصبح بالإمكان وبمقتضى هذا النص إلحاق نسبة بأبيه الزاني، إما بالبينة(شهادة الشهود) أو الإقرار أو بواسطة التحليل الجيني(البصمات الوراثية).
وعليه، فإن النسب الطبيعي يمكن إتيانه من الأب البيولوجي، وإن تعذر ذلك، فعلى الأم أن تمنح الطفل اسماً ولقبها العائلي( ).
ولعل الحكمة التي دفعت المشرع التونسي لتقرير مثل هذا النص، هو إيمانه العميق بضرورة إيجاد حل لمجهولي النسب والمشردين والأبناء الطبيعيين، فقد أقر ولأول مرة إثبات نسبهم من آبائهم البيولوجيين بالتحليل الجيني(البصمات الوراثية) خاصة في ظل انعدام البينة والإقرار، بل يجوز اللجوء إلى التحليلات الجينية قبل البينة والإقرار، إذ أن وجود تلك التحليلات في مرتبة ثالثة لا يفيد في شيء تنزيلها تلك المرتبة، لأن الوسائل الواردة في الفصل الأول من قانون الأحوال الشخصية التونسي الصادر في 28/10/1998م، ليست واردة على سبيل الترتيب، وإنما واردة على سبيل الذكر.
فضلاً عن ذلك، فإن المشرع اللبناني قد أقر حق الطفل غير الشرعي في طلب الانتساب إلى أبيه، حيث نصت المادة 95 من قانون الأحوال الشخصية اللبناني على أنه: (يحق للولد غير الشرعي ولأمه ولوكيل العدل أيضاً، أن يقيموا الدعوى على من أنجبه للاعتراف إذا نبذ نسبته إليه) ( ).
هذا، وأخيراً، فإن الباحث لا يخفى تشوقه إلى رؤية تشريع وقضاء عربي، يعتمد في تكوين عقيدته وترسيخ اقتناعه على أدلة علمية لا يصح شرعاً ولا قانوناً أن تهدر. فهي نتاج أبحاث علمية لفكر إنساني متصل، لا يتجافى ولا يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية.
المطلب الثالث
موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن
بعد العرض السابق لموقف الفقه الإسلامي والقانون المقارن لمسألة إثبات تنسيب ابن الزنا بالبصمة الوراثية، اتضح الآتي:
يتفق القانون المقارن في الدول الأجنبية، كفرنسا، وبعض القوانين والتشريعات العربية، كالتشريع التونسي واللبناني، مع المذهب الثاني، الذي ذهب إليه بعض فقهاء الشريعة الإسلامية، وهو مذهب الشعبي، وإسحاق بن راهوية، وابن سيرين، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسارو وابن تيمية، وابن القيم، وبعض المالكية، والقائل بثبوت نسب ابن الزنى للزاني مطلقاً. وهو ما ذهبنا إلى تدعيمه وترجيحه.
أما ما ذهبت إليه غالبية التشريعات العربية، وهو منع إثبات نسب ولد الزنى من أبيه الزاني، فإنه يتفق مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، والزيدية، والإمامية، وبعض الإباضية، وأبو يوسف وبعض الحنفية، والقائل أن ابن الزنى لا ينسب لأب بحال، سواء أقر به الزاني أم لم يقر، وسواء ثبت أبوته بموجب البصمة الوراثية أو بغيرها من الوسائل الأخرى أم لا. وحجتهم في ذلك: أن اعتماد العلاقات الآثمة أساساً في النسب من شأنه أن يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وإشاعة الفاحشة والفسق والفجور في المجتمع، وإلى الاستهانة بعقد الزواج الشرعي، الذي تتكون منه الأنساب والأسر المترابطة( ).

المبحث الثالث
تحقيق الشخصية بالبصمة الوراثية
المطلب الأول: اثبات الجنسية بالبصمة الوراثية
المطلب الثاني: التحقق من هوية المفقود بحضوره بالبصمة الوراثية

المطلب الأول
اثبات الجنسية بالبصمة الوراثية

الفرع الأول
موقف الفقه الإسلامي
إن الجنسية حق مطلق للدولة بما لها من سيادة واستقلال، والأنظمة تتسع في اعتبار الجنسية بالولادة على الأرض، أو بالدم ولو كانت الولادة في دولة أخرى، أو بالإقامة والعيش الفعلي سنوات معينة، أو بالمنح في إدارة الدولة لمن ترى منحهم الجنسية.
وعليه، فلا علاقة بين الجنسية والنسب، إلا إذا ضيقنا فكرة الجنسية وقصرنا اكتسابها على علاقة الدم. وهنا يثور التساؤل: هل العبرة بالدم الشرعي الذي لا يثبت إلا برباط الزوجية الآن؟ أم بالدم مطلقاً ولو كان بعلاقة آثمة؟
الأول: أن ولد الزنا يثبت نسبه من أمه عند جمهور الفقهاء، وإذا كانت الأم من أهل دار الإسلام، فإن جنسيتها(رعويتها) تثبت له، سواء كانت مسلمة أو ذمية، لأنه كما يتبعها الولد إذا كانت من أهل ديننا يتبعها إذا كانت من أهل دارنا، توفيراً للمنفعة للولد.
الثاني: لقد تقدم فيما مضى القول بتنسيب ابن الزنى إلى أبيه الزاني، وذكر الأسانيد التي اعتمد عليها في هذا الترجيح- وهو قول ثابت عند ابن تيمية وابن القيم وبعض الإباضية وعدد من فقهاء السلف- وإذا ثبت نسبه من أبويه البيولوجيين، تبعهما في الجنسية(الرعوية) اعتباراً بذلك( )
وعلاوة على ذلك، وفيما يتعلق باللقيط أو مجهول النسب والجنسية، فقد تساهل جمهور الفقهاء في تنسيبه لكل من يدعيه، دون اشتراط إثبات الفراش، ويكتفي باشتراط الإمكان العقلي، فلا يدعى من بلغ الثانية عشرة طفلاً عمره سنتان مثلاً، كما يشترط عدم وجود منازع، وفي حالة وجود النزاع، فللفقهاء مذاهب شتى موضحة ومفصلة في كتب الفقه.
وتبدو فائدة البصمة الوراثية على هذا الصنف من مجهولي النسب، في كشف صدق الادعاء بالاستلحاق، وفي البحث عن أهله من المشتبه فيهم، دون ما حاجة إلى الاحتكام إلى القيافة التي لم يكن الناس يعرفون سواها، بعد أن من الله علينا بنور العلم( ).

الفرع الثاني
موقف القانون المقارن
علمنا سابقاً، أن المشرع الفرنسي، أجاز صراحة إثبات النبوة بموجب البصمة الوراثية، وذلك في المادة 16-11 من القانون المدني الجديد رقم 94-654لسنة 1994م، وإذا أجاز أو صح إثبات البنوة بموجب البصمة الوراثية وفقاً لنص القانون، صح وجاز إثبات الجنسية بذات الوسيلة تبعاً لذلك اعتباراً بحق الدم.
وعلى صعيد التشريعات العربية، فقد أجاز المشرع التونسي صراحة إثبات نسب المجهول أو الابن غير الشرعي بالبصمة الوراثية أو التحليل الجيني، وذلك في الفصل الأول من قانون الأحوال الشخصية رقم 75لسنة1998م.
وإذا نظرنا إلى التشريع المصري ( ) واللبناني( )، واليمني( )، بل وغالبية التشريعات العربية، نجد أنها تقصر أدلة إثبات النسب على الفراش، والبينة، والإقرار( )، فهي تعتمد على حق الدم أو النسب من جهة الأب في اكتساب الجنسية الأصلية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن قانون الأحوال الشخصية التونسي لسنة 1998م- كما ذكرنا- والقضاء المصري واللبناني والأردني، قد أجازوا إثبات النسب بالبصمة الوراثية عند التنازع عليه أو إثبات نسب المجهول، بل أن المشرع التونسي والقضاء المصري اعتبرا التحليل الجيني(البصمة الوراثية) وسيلة شرعية رابعة تضاف إلى وسائل إثبات النسب الأخرى، وهو ما ينسحب بطبيعة الحال على إثبات الجنسية بهذه الوسيلة( ).
أما حق الدم من جهة الأم أو النسب غير الشرعي، فقد اعتد به المشرع اللبناني في إثبات الجنسية، حيث نصت المادة الثانية من القرار رقم 15لسنة 1925م، والمنظم للجنسية اللبنانية على الآتي:
(إن الولد الغير شرعي الذي تثبت بنوته، وهو قاصر، يتخذ التابعية اللبنانية، إذا كان أحد والديه، الذي يثبت البنوة أولاً بالنظر إليه لبنانياً، وإذا كان برهان ثبوت البنوة بالنظر إلى الأب والأم ناتجاً عن عقد واحد أو حكم واحد، اتخذ الابن تابعية الأب، إذا كان هذا الأب لبنانياً).
وبإمعان النظر في هذا النص، يتضح لأنه يشتمل على حكمين: الأول: أن أسبقية اعتراف الأب اللبناني بولده الطبيعي، هي السبب الموجب لكسب هذا الأخير للجنسية اللبنانية، حيث أن تراخي هذا الاعتراف لحين اعتراف والد آخر به، من شأنه حرمان هذا الوليد من الجنسية اللبنانية. والثاني: ثبوت البنوة من الوالدين معاً في صك قانوني واحد( ).
المطلب الثاني
إثبات هوية المفقود بحضوره بموجب البصمة الوراثية

الفرع الأول
موقف الفقه الإسلامي
تحدث فقهاء الشريعة الإسلامية عن إثبات حضور المفقود حتى لا ينتحل أحد شخصيته بقصد الاستيلاء على ماله، أو الاعتداء على زوجته، خاصة إذا طالت مدة الغياب، وتغيرت هيئته. واشترطوا لإثبات حياته شهادة العدول أو غيرها من أدلة الإثبات. يقول ابن خلف المصري المالكي صاحب كفاية الطالب:
(ترفع زوجة المفقود أمرها إلى الحاكم ليكشف لها عن خبرة( ).
ويقول الإمام الشيرازي:
(إن شهد عند القاضي شهود وارتاب بهم، فالمستحب أن يسألهم عن تحمل الشهادة، ويفرقهم، ويسأل كل واحد منهم على الإنفراد عن صفة التحمل ومكانة وزمانه) ( ).
كل هذا يؤكد توجه الفقه الإسلامي للتحري والكشف عن المفقود للتيقن من هويته إذا حضر، فالشريعة الإسلامية حريصة كل الحرص على عودة المفقود، إلا أنه تشترط، مع ذلك، التوثيق والتبين لسد أبواب الشر( ).
هذا، وإذا تمكن المفقود بعد ظهوره أن يثبت هويته بالبصمة الوراثية، فلا وجه أن نطلب منه بينة أو يميناً على ذلك( )، لما روى البخاري ومسلم في قصة أنس بن النضر"رضي الله عنه "الذي استشهد يوم أحد، ووجدوا فيه بضعاً وثمانين جرحاً ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ومثل به المشركون، فما تعرف على جسده من الصحابة إلا أخته، فإنه عرفته ببنانة( ).
فهذه الصحابية الجليلة، قد تعرفت على أخيها عن طريق جزء مميز من جسده، وكان ذلك دليلاً مثبتاً لهويته، وهو ما تقوم به البصمة الوراثية، حيث أنها تعتمد في تحقيق الشخصية على الخصائص الوراثية المميزة للشخص من خلال تحليل لجزئيات من جسده.

الفرع الثاني
موقف القانون المقارن
حدد المشرع الفرنسي، في المادة 16-11من القانون المدني الجديد رقم94-654لسنة 1994م، حالات العمل بالبصمات الوراثية في مجال تحقيق شخصية الفرد، بتعليمات أو إجراءات تحقيق أمر بها القاضي المختص، سواء كان الشخص مفقوداً ثم عاد وقد تغيرت هيئته، أو حاضراً وانتحل شخصية غيره.
كما اعتد قانون الأحوال الشخصية التونسي الجديد رقم 75لسنة1998م، بالتحليل الجيني في إثبات هوية المجهول، بل جعله دليلاً شرعياً كباقي الأدلة الأخرى، وأصبح بموجبه للطفل المجهول النسب أو المفقود أو الأسير ومن في حكمه، إذا تغيرت ملامحه واستشكل أمره على أهله، الحق في المطالبة بإجراء تحليل البصمة الوراثية لإثبات هويته، وأسند هذا القانون صفة للنيابة العمومية للقيام بمثل هذا الإجراء( ).
فضلاً عن ذلك، فإن غالبية دول العالم تلجأ إلى استخدام تحليل الحمض النووي D.N.A هوية المفقودين. ومن الأمثلة على ذلك:
- ما تم الإعلان عنه في مدينة (تورنتو) بكندا سنة 2001م، من تحديد هوية ثلاث جثث من ضحايا غرق السفينة الشهيرة(تايتانيك)، الدفونين في (هاليناكس) في اسكتلندا الجديدة، عن طريق تحليل D.N.A، وكانت الجثث تعود لطفل وشاب وسيدة في العقد الثالث من العمر( ).
- قيام خبرا الطب الشرعي الأمريكي باستخدام تقنية البصمة الوراثية لتمييز رفات الجثث المتفحمة والعظام المهشمة لضحايا تفجيرات الحادي عشر من شهر سبتمبر عام 2001م، حيث أدت انفجارات الطائرات المزودة بكميات ضخمة من الوقود إلى احتراق جثث الضحايا بشكل كامل، كما أن عظام جثث الضحايا الذين كانوا في الأدوار السفلى عند سقوط المبنى قد سحقت تماماً، وقد توقع القائمون على هذه العملية، أن يتمكن خبراء الطب الشرعي من التعرف على هوية سبعمائة جثة في اليوم الواحد.
- ما قامت به شركة (سل مارك) بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، من إجراء اختبارات الحمض النووي D.N.A على عدد كبير من بقايا الجثث المتفحمة من أجل تحديد هوية أصحابها( ).
- وفي المملكة العربية السعودي، استخدمت هذه التقنية لتحديد هوية شخص تدعي امرأة أنه أخوها الذي كان مفقوداً منذ ثلاثين عاماً، وبأخذ عينات منها ومن الشخص الذي عثرت عليه ومن أشقائها بهدف بناء قاعدة وراثية لأنماط الأبوين المتوفين للمرأة أو أشقائها، وبمقارنة نتائج تحليل هذه الأنماط مع أنماط الشخص الذي تدعي بأنه أخوها، تبين أنه لا يمت إليهم بأي صلة، ويستحيل أن يكون هو الأخ المفقود( ).
- كما استخدمت تحاليل البصمة الوراثية في بعض القضايا الواردة إلى مصلحة الطب الشرعي بمصر، ففي إحدى القضايا تم التعرف على عظام بعض الأشخاص التي عثر عليها في أماكن متفرقة، وبإجراء تحليل الحامض النووي D.N.A، تبين أنها تخص شخصاً واحداً، حيث جاءت نتائج الاختبارات على النحو التالي:
أولاً: إجراء اختبار HLA CLASS II DQAI:
عظم اليد عظم الساق(أ) عظم الساق(ب)
1.3 1.3 1.3
أي أن جميع العوامل والأنماط الوراثية مشتركة في جميع العظام.
ثانياً: إجراء اختبار HLA CLASS II DQAI:
عظم اليد عظم الساق (أ) عظم الساق(ب)
53 DR 53 DR 53 DR
أي أن جميع العوامل الوراثية مشتركة في كل العظام.
ثالثاً: إجراء اختبار: HLA CLASS II DQAI:
عظم اليد عظم الساق(أ) عظم الساق(ب)
32 A 32 A 32 A
أي أن جميع العوامل الوراثية مشتركة في كل العظام.
رابعاً: إجراء اختبار: HLA CLASS II DQAI:
عظم اليد عظم الساق(أ) عظم الساق(ب)
0501 0501 0501
أين أن جميع العوامل الوراثية مشتركة في كل العظام( ).
مما سبق يتضح لنا، أن القوانين الوضعية قد جاءت متفقة مع قواعد افقه الإسلامي في مسألة إثبات هوية المفقود بالبصمة الوراثية، حيث يجيز كل منهما إثبات هوية المفقود بموجب تحليل الحامض النووي D.N.A.
الفصل الثالث
مدى حجية البصمة الوراثية في القضايا الجنائية
تمهيد وتقسيم:
، لقد ادى ظهورالبصمة الوراثية الى الخلاف حول حجيتها في القضايا الجنائية، كقضايا الحدود والقصاص والتعازير، في كل من الفقه الاسلامي والقانون والقضاء المقارن وسوف نعرض ذلك في ثلاثة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: اثبات جرائم الحدود بالبصمة الوراثية
المبحث الثاني: اثبات جرائم القصاص بالبصمة الوراثية
المبحث الثالث: اثبات جرائم التعازير بالبصمة الوراثية

المبحث الأول
إثبات جرائم الحدود بالبصمة الوراثية
تمهيد وتقسيم:
على الرغم من كون البصمة الوراثية محققة الهوية الحقيقية للأنسان، عن طريق صفاته الوراثية المترتبة في تسلسل عجيب داخل كل خلية من خلايا جسمه، فأنها مع ذلك لم ترق ان تكون دليلا قطعيا في اثبات الحدودالشرعية التي تعتمد في أثباتها على مشاهدة الفعل كاالزنا والاغتصاب والسرقة وشرب الخمر، وليس ذلك عيبا أوقصورا في البصمة الوراثية، وانما مرجعه رحمة الله بالانسان في تجريم الفعل المنهي عنه، حيث تنتفي صفة التجريم اذاتم الفعل تحت تأثير خطأأو نسيان أو اكراه أو تم لفعل تحت ظن الفاعل أنله حقا أو بعض حق بتأويل شرعي، وسوف نتاول ذلك في مطلبين:
المطلب الاول: الفقه الإسلامي
المطلب الثاني: القانون المقارن

المطلب الأول
إثبات الحدود بموجب قرنية البصمة الوراثية في الفقه الإسلامي
إذا دعت امرأة على رجل أنه اغتصبها أو أكرهها على الزنا، وقدمت في دعواها ما علق في ثيابها من آثار منيه، أو قالت بأن حملها هو أثر فعلته، أو وجدت امرأة خلية من رباط الزوجية وهي حامل، وقالت أن فلاناً – وسمت رجلاً بعينه – قد أكرهني على الزنا أو اغتصبني وهذا الحلم منه، أو وجد فقيراً معروف تبدو عليه أمارات الثراء فجأة، أو وجد في يده مال معين معروف أنه لغيره، وطالبة به أصحابه عن طريق القضاء، وأثبتت نتائج البصمة الوراثية صحة دعواهما (المرأة التي ادعت جريمة الزنا)، والرجل المسروق منه)، فهل يقام الحد على المتهم بناء على نتائج تحليل البصمة الوراثية أم لا؟
اختلف الفقهاء حول الإجابة على هذا التساؤل على قولين:
القول الأول: ذهب غالبية الفقهاء والعلماء المعاصرين إلى عدم جوز إقامة الحدود (الزنا – الاغتصاب – السرقة – شرب الخمر) بناء على نتائج البصمة الوراثية( ) واستدلوا على مذهبهم بالآتي:
أولاً: من القرآن الكريم:
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) النساء: 15.
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور، آية: 4.
وجه الدلالة: بينت الآيتان الكريمتان أن جريمة الزنا لا تثبت إلا بأربعة شهداء، فإن أضيف إلى ذلك عدم إقامة النبي صلى الله عليه وسلم حد الزنا على ماعز إلا بعد إقراره أربعاً( )، تبين أن هذا الحد لا يقام إلا بشهادة الشهود أو الإقرار، ولا يجوز إقامته بالقرينة أو البصمة الوراثية( ).
ونوقش هذا الاستدلال بأنه: لا يوجد في الآيتين ولا في الحديث ما يدل على حصر طرق إثبات جريمة الزنا في الإقرار والشهادة، بل غاية ما يفيد هذا الاستدلال هو أن الشهادة والإقرار من وسائل إثبات جريمة الزنا لا غير، بدليل أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقام حد الزنا بقرينة ظهور الحمل من لا زوج لها ولا سيد ولم تذكر شبهة أو إكراهاً، وقال في ذلك: (إن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف)( ).
فهذا الأثر ظاهر الدلالة على إثبات الزنا وإقامة الحد بالقرينة كالشهادة والإقرار ويجاب عن هذا الأثر بأنه من قول عمر رضي الله عنه وقد اتفق العلماء على قول الصحابي ليس بحجة على أحد من الصحابة المجتهدين، واختلفوا في كونه حجة على غيره، والراجح عن علماء الأصول هو أنه لا يكون حجة مطلقاً وهذا اختاره الآمدي وابن الحاجب والبيضاوي( ).
ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:
1- ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها)( ).
وجه الدلالة:في هذا الحديث الشريف لم يقم النبي صلى الله عليه وسلم الحد على المرأة التي ظهر منها قرائن تفيد وقوع الزنا، وهي ظهور الريبة في منطقها وهيئتها، ودخول الأجانب عليها، وذلك لأن الحَّد لا يجب على أحد بغير بيِّنة (الشهادة) أو إقرار ولو كان متهماً بالفاحشة، ويقاس عليه بقية الحدود، ومنها حد السرقة( ).
قال الشوكاني بعد أن ذكر هذا الحديث:
(أنه لا يجب الحَّد بالتهم - بأن توجد قرائن تجعله في موضع التهام – لأن إقامة الحدَّ إضرار بمن لا يجوز الإضرار به، وهو قبيح عقلاً وشرعاً فلا يجوز إقامة الحد إلا بعد حصول اليقين، لأن مجرد الحدس والتهمة والشك مظنة للخطأ والغلط، وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا اختلاف) ( ).
ويناقش هذا الاستدلال بأنه: لا يوجد في الحديث ما يدل على عدم جواز إقامة حد الزنا والسرقة، وغيرهما، بالبصمة الوراثية، وإنما دل على أنه لا يجوز إقامته بدون بينة، والبصمة الوراثية (أو القرينة) بينه، وأن عدم إقامته صلى الله عليه وسلم لحد الزنا على هذه المرأة كان لضعف الأمارات التي ظهرت عليها، والتي لا ترقى إلى القرائن القطيعة بحيث يحكم بها الحد( ).
ويجاب عن هذه المناقشة: بأن معنى البينة وشهادة الشهود، وهو المراد عند الإطلاق، وسميت بذلك؛ لأنه يتبني الحق بهم، أو لأن الأغلب في البينات الشهادة لوقوع البيان بقول الشهود وارتفاع الإشكال( ).
ويمكن دفع هذا الجواب بأنه: البينة - كما قال ابن القيم – اسم لكل ما يبين الحق ويظهره ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد والمرأتين لم يوف مسماها حقها، ولم تأت البينة قط في القرآن مراداً بها الشاهدين، وإنما أتت مراداً بها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة... والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة متقاربة في المعنى،، ولفظ البينة يشمل جميع البينات، ولم يفيد بنوع دون آخر( ).
2- ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما – قال: شرب رجل فسكر، فلقي يميل في الفج( )، فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى بدار العباسي انفلت فدخل العباس فالتزمه، فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (افعلها؟) ولم يأمر في بشيء( ).
وجه الدلالة: أن السكر قرينة تدل على شرب الخمر، ومع وجود هذه القرينة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر بجلد السكران، فدل هذا على عدم العمل بالقرينة في حد الشراب، ومثله سائل الحدود.
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن: رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم حد الشرب على هذا الرجل، لأنه لم يحدث منه إقرار أمامه، ولا شهد عليه أحد بأنه رآه يشرب الخمر، ولأنه تشفع بالعباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل أمره إلى الحاكم، هو الرسول صلى الله عليه وسلم( ).
3- ما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ادرواء الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً لخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) ( ).
وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر في هذا الحديث بدرء الحدود بالشبهات المحتلمة، واحتمال الشبهة في البصمة الوراثية قائم، ليس في ذاتها، وإنما فيما يلابسها أو يخالطها من شبهات تتعلق بظروف محيطة بها( ).
يقول علماء الوراثة: (ومعظم العقلاء من العلماء يعتقدون أنه طالما أن هناك تدلاً من البشر فاحتمال الخطأ وارد إما من خلال تلوث العينات المستخدمة، أو وجود عيب في التكنيك طريقة التحليل أو في الإحصاء أو غير ذلك.
ولا شك أن كل واحدة من هاتين الشبهتين تكفي لدرء الحد عن المتهم( ).
ثالثاً: من الأثر:
1- ما روي أن امرأة رفعت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا زوج لها وقد حملت، فسألها، فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقد وقع علي رجل وأنا نائمة، فما اسيقضت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد( ).
2-ما رواه البراء بن صبرة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أتى بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت على الزنا، فقال: خل سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد ألا يقتل احد إلا بإذنه( ).
وجه الدلالة: ففي هذين الأثرين، لم يقم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحد على المرأة الخلية، التي وجدت حبلى أو ادعت الإكراه أو الاغتصاب، فدل ذلك على أن حد الزنا لا يقام بمجرد القرينة أو البصمة الوراثية، ويقاس عليه سائر الحدود( ).
رابعاً: من المعقول: أما دليل المعقول، فهو احتمال وجود الشبهة التي تدرأ الحد، فقد يكون عن وطء شبهة أو إكراه( )، وقد يكون وجود عين المال المسروق في يد المتهم هبة أو عارية أو إكراهاً على السرقة، ومثل هذه الاحتمالات تورث الشبهة التي يجب درء الحد معها، وقد روي عن علي وابن عباس، قالا: إذا كان في الحد (لعل) و(عسى) فهو معطل( ).
هذا، ويمكن مناقشة هذا الدليل بأن: ما أوردتموه من احتمالات، تعتبر من المسائل النادرة، والأحكام الشرعية تبنى على الكثير الغالب لا على القليل النادر، والغالب أن الحمل يأتي من الوطء وليس من إدخال الماء، وإن كان متصوراً إلا أنه نادراً لا حكم له( ).
ويمكن الجواب على هذه المناقشة بأمرين:
الأمر الأول: أن ما قلتم به يمكن الاحتجاج به في الأموال أو في غير مسائل الحدود، لكون هذه الأخيرة تدرأ بالشبهات، ولما كان احتمال الحمل بدون وطء وارد، فإن ذلك يعد شبهة يدفع بها الحد.
الأمر الثاني: أن هذا القول منقوض بقاعدة أخرى مؤداها: أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال وقد قلتم وأقررتم بإمكانية حدوث الحمل بدون وطء، وذلك يورث الشبهة التي يدرأ بها الحد( ).
خامساً: دليل الإجماع: حجى ابن نجيم إجماع العلماء على درء الحد بالشهبات، حيث قال: (أجمع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات، والحديث المروي في ذلك متفق عليه، وتلقته الأمة بالقبول)( ).

القول الثاني: يرى إثبات جميع الحدود بمقتضى قرينة البصمة الوراثية، وبهذا قال بعض الفقهاء المعاصرين( )، تخريجاً على مذهب علماء المالكية، والإمام أحمد في رواية، وابن تيمية وابن القيم، وبعض الإمامية القائلين بإقامة حد الزنا على المرأة الخلية من الزوج أو السيد بقرينة الحمل، وكذا إقامة حد السرقة بقرينة وجود المال المسروق عند السارق( ).
وقد استدل أصحاب هذا القول على مذهبهم بالآتي:
1- قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)( ).
وجه الدلالة: أقادت الآية الكريمة جواز الحكم بالأمارات والقرائن في جريمة الزنا، لأنه توصل بقد القميص إلى معرفة الصادق منهما من الكاذب، وما هذا إلا عمل بالأمارات وجعلها سبباً للحكم، وهذا دليل على أنه يجوز أن يعمل بالقرينة في الحدود ويعتمد عليها في الأحكام( ).
وقد قال ابن الغرس في تعضيد الاستدلال: أن هذه الآية يحتج بها من يرى الحكم بالأمارات فيما لم تحضره بينات( )، وقال ابن القيم: ذكر الله شهادة الشاهد ولم ينكره، بل لم يعبه، بل حكاها مقراً لها( ).
وقد يعترض على الاستدلال بهذه الآية بأن: هذا في شريعة أخرى غير شريعتنا فلا يلزمنا، وقد أجيب عن هذا بأن: ما أنزله الله عليه فإنما أنزله لفائدة فيه ومنفعة، وقد قال الله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) الأنعام: 31.
فآية يوسف عليه السلام مقتدى بها معمول عليها، وقد أتفق العلماء أن شرع من قبلنا يكون شرعاً لنا إذا كان قد سبق بطريق يفيد استحسانه وعدم إنكاره، فهو في هذه الحالة يصبح من باب التقريرات، والآية التي معنا من هذا القبيل( ).
2-قول الله تبارك وتعالى: (فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ). إلى قوله تعالى: (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ) يوسف: 70إلى76.
وجه الدلالة: تفيد هذه الآيات الكريمات بأن وجود المسروق بيد السارق دليل كاف في إقامة الحد عليه، بل هو بمنزلة إقراره، وهو أقوى من البينة، إذ غاية البنية أنه يستفاد منها ظن، وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين، وبهذا جاءت السنة في وجوب الحد بالحمل في الزنا والرائحة في الخمر( ).
وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن: ذلك ربما كان جائزاً في شرعهم، خلافاً للشرع الإسلامي الحنيف، الذي منع إقامة حد السرقة بتلك القرينة، ولم يتطرق إليها من ظنون أو احتمالات التي يمتنع معها إقامة الحد. يقول العلامة ابن حزم الظاهري: (... إن إحضار المسروق ليس بياناً في أنه سرقة، وإنما هو ظن، ولا يحل قطع يد المسلم بالظن)( ).
ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:
ما روي عن علقمة بن وائل الكندي عن أبيه، أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تريد الصلاة، فتلقاها رجل، فتجللها( )، فقضى حاجته منها، فصاحت، وانطلق، فمر عليها رجل، فقال: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا، ومرت بعصابة (أي جامعة) من المهاجرين، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا، فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها، وأتوها به، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، فقال لها: (اذهبي فقد غفر الله لك) وقال للرجل قولاً حسناً، وقال للرجل الذي وقع عليه، (ارجموه) ثم قال: 0لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم) ( ).
وجه الدلالة: يدل هذا الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر برجم الذي أغاث المرأة بدون شهادة على الزنا أو الإقرار به، وإنما بناء على القرينة الظاهرة، وهي أنهم أدركوه يشتد هرباً – كما جاء في بعض الروايات أن القوم أخبروا أنهم أدركوه وهو يشتد – وقول المرأة المعتدي عليها إنه هو هذا الذي فعل بها، وهذا يدل على أن القرينة يعتمد عليها في إثبات جريمة الزنا وإقامة الحد، ويقاس على ذلك سائر الحدود( ).
يقول العلامة ابن القيم بعد أن ذكر هذا الحديث:
(فإن قيل فكيف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم المغيث من غير بينة ولا إقرار؟ قيل هذا من أول الدلائل على اعتبار القرائن، والأخذ بشواهد الأحوال في التهم، وهذا يشبه إقامة الحدود بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة، وإقامة حد الزنا بالحمل كما نص عليه عمر، وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه.
وكذلك الصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدرك هو يشد هرباً، وقالت المرأة هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دنا منها وأتى إليها، وادعى أنه كان مغيثاً لا مريباً، ولم ير أولئك الجماعة غيره، كان في هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة واحتمال الغلط وعداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة المرأة، هاهنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضوع في غاية الاستبعاد ونهاية الأمر أنه هذا لوث ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعاً)( ).
مناقشة هذا الدليل: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن هذا الحديث مضطرب في متنه، فبعض الروايات صرحت بأنه صلى الله عليه وسلم امتنع عن رجم الذي اعترف بالزنا لتوبته.
وبعضها صريحة في رجمه، وهذا يورث ضعفاً في الحديث، فلا يجوز الاستدلال به( ).
بل إن شراح الحديث ذهبوا إلى القول بأن هذا الحديث مما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أمر برجم ذلك الرجل بالرغم من عدم ثبوت الجريمة عليه، ليكون هذا ادعى إلى اعتراف مرتكب الجريمة.
قال ابن العربي في شرحه على سنن الترمذي:
(وفي هذا حكمة عظيمة وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ليرجم قبل أن يقرب الزنا وإن لم يثبت عليه، ليكون ذلك سبباً في إظهار النفسية حين خشى أن يرجم من لم يفعل، وهذا من غير استخراج الحقوق، ولا يجوز ذلك لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن غيره لا يعلم من البواطن ما علم هو صلى الله عليه وسلم بإعلام الظاهر الباطن له بذلك( ).
وجاء في حاشية عون المعبود بهامش سنن أبي داود:
(ولا يخفى انه – أي الحديث – بظاهرة مشكل إذا لا يستقم الأمر بالرجم من غير إقرار ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح بينه – بل هي التي تستحق أن تحد حد القذف – فعل المراد: فلما قارب أن يأمر به وذلك قال الراوي نظراً إلى ظاهرة الأمر حيث انهم أحضوره عند الإمام، والإمام اشتغل بالتفتيش عن حاله)( ).
ومما يؤيد ما تقدم، مراجعة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما اعترف على نفسه بالزنا وإعراضه عنهن حتى أقر أربع مرات، فلا يستقم ذلك مع إقامة الحد على المنكر في هذه الواقعة( ).
الجواب على المناقشة: رد القائلون بأن القرائن وسيلة إثبات في الحدود على هذه المناقشة بأن: الإضطراب الواقع في الحديث ليس في الأمر برجم الذي أغاثها، وإنما هو في رجم الذي ارتكب جريمة الزنا معها، ومحط استدلالنا إنما هو رجم الذي أغاثها بناء على القرينة التي هي شواهد الحال من القبض على المغيث وهو يجري، وإصرار المرأة على أنه هو الذي وقع عليها، وهذا القدر قد اتفقت عليه رواية الترمذي وغيره، وبهذا يثبت عدم الإضطراب فيها، فتكون صالحة للاستدلال بها( ).
ويمكن الرد على هذا الجواب بأن: الخلاف في متن الحديث أورث شبهة الضعف فلا يصح أن يستدل بحديث مختلف في متنه.
ثالثاً: من الأثر:
1- ما روى عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: (كان فيما أنزل الله آية الرجم، فقرأها وعقلناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما يجد الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله حق، على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف)( ).
وجه الدلالة: في هذا الأثر دليل على أن المرأة الخالية من الزوج أو السيد، إذا وجدت حبلى ولم تذكر شبهة، أنه يثبت الحد بالحبل، وهذا ما قاله عمر على المنبر، ولم ينكر عليه أحد، فينزل منزله الإجماع( ).
مناقشة هذا الدليل: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن: هذا قول عمر، وأقوال الصحابة مختلف فيها هل تصلح أن تكون حجة أم لا، فلا يؤخذ بقول عمر في إثبات مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكون عمر قال هذا بمجمع من الصحابة ولم ينكر عليه أحد لا يستلزم أن يكون إجماعاً؛ لأن الإنكار في المسائل الاجتهادية – التي تختلف فيها الآراء – غير لازم للمخالف، ولاسيما إذا كان القائل بذلك عمر، وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم( ).
الجواب على المناقشة: أجاب العلامة الطحاوي عن هذه المناقشة بقوله:: (إن المستفاد من قول عمر: والرجم حق على من زنى، أن الحبل إذا كان من زنا فيه الجرم، وهو كذلك ولكن لا بد من ثبوت كونه من زنى، ولا ترجم بمجرد الحبل مع قيام الاحتمال فيه، لأن عمر لما أتى بالمرأة الحبلى، وقالوا: أنها زنت، وهي تبكي، فسألها ما يبكيك؟ فأخبرت أن رجلاً ركبها وهي نائمة فدرأ عنها الحد)( ).

ويمكن دفع هذه الإجابة بأمرين:
الأمر الأول: أن مقابلة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحبل بالاعتراف، لا يعني انه يقوم مقامه، لأن مثيل الشيء لا يكون ذاته، يقول ابن حجر معلقاً على كلام العلامة الطحاوي: (ولا يخفى تكلفة، فإن عمر رضي الله عنه قابل الحبل بالاعتراف وقسيم الشيء لا يكون قسمه، وإنما اعتمد من لا يرى الحد بمجرد الحبل قيام الاحتمال بأنه ليس من زنى محقق وأن الحد يدفع بالشبهة)( ).
الأمر الثاني: أن حكم عمر لم يكن عاماً، وإنما كان سياسة منه لحالة ما اقتضت ذلك... يقول بعض الفقهاء المحدثين: (وربما كان هذا سياسة من عمر لظروف اقتضت ذلك، وللإمام أن يعمل ما فيه المصلحة مهتدياً بهدى الشرع)( ).
يؤكد هذا ما روى عن سيدنا عمر رضي الله عنه خلاف ذلك على نحو ما عرضنا له سابقاً.
2- ما روي عن الإمام علي – كرم الله وجه – أنه قال: أيها الناس أيما امرأة جيء بها وبها حبل أو اعترفت، فالإمام أول من يرجم ثم الناس، وأيما امرأة جيء بها أو رجل زان فشهد عليه أربعة فالشهود أول من يرجم ثم الناس.
3- ما روي عن الإمام علي – كرم الله وجه – أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زناءان: زنا سر وزنا علا نية، فزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية، أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي( ).
وجه الدلالة من هذين الأثرين:
هذا القول من الإمام علي – كرم الله وجه – يدل على أنه كان يعد ظهور الحمل دليلاً على حدوث جريمة الزنا، ويبين أن ذلك موجب لإقامة الحد، وأن الحاكم أول من يرمي الزانية التي ظهر حملها، وإذا كان حد الزنى قد ثبت بالقرينة، وهي هنا الحمل، فيقاس على حد الزنا سائر الحدود فتثبت هي الأخرى بالقرينة أو البصمة الوراثية.
مناقشة الدليل: يناقش الاستدلال بهذين الأثرين بما نوقش به أثر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذا بالإضافة إلى أنه قد روي عن الإمام علي – كرم الله وجهه – ما يعارضه، حيث قال: إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل، وروي الدراقطني بإسناده، عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر، أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد قادراً ما استطعت( ).
ولا شك أن ظهور الحبل من المرأة الخلية، أو وجود آثار للسائل المنوي على ثياب المجني عليها، وإجراء اختبارات البصمة الوراثية عليه، لا يخلو من لعل وعسى اللتان تورثان الشبهة المجمع على درء الحد بها( ).
ما روى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتى بامرأة ولدت في ستة أشهر، فأمر أن ترجم، فقال له علي بن أبي طالب: ليس ذلك عليها أن الله تعالى يقول في كتابه: (..وحمله وفصاله ثلاثون شهراً...) الأحقاف: 15.
وقال: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة...) البقرة: 233.
4- فالحمل يكون ستة أشهر، فلا رجم عليها، فبعث عثمان في طلبها فوجدها قد رجمت( ).
وجه الدلالة: أن الخليفة عثمان رضي الله عنه أمر برجم هذه المرأة التي ولدت في ستة أشهر على أساس أن هذا الحمل كان من غير زوجها، فدل ذلك على اعتبار القرائن في الحدود.
مناقشة هذا الدليل: يناقش الأثر السابق بأنه: فعل صحابي، وفي لزوم العمل به خلاف، فضلاً عن أنه معارض بالأحاديث التي استدل بها القائلون بعدم اعتبار القرائن في الحدود.
رابعاً: عمل أهل المدينة: قال الإمام مالك في الموطأ:
(والأمر عندنا في المرأة توجد حاملاً ولا زوج لها، فتقول قد استكرهت أو تقول تزوجت، فإن ذلك لا يقبل منها، وأنها يقام عليها الحد، إلا أن يكون لها على ما ادعت من النكاح بينة أو أنها استكرهت، أو جاءت تدمي إن كانت بكراً، أو استغاثت حتى أتيت وهي على ذلك الحال، أو ما أشبهه هذا من الأمر الذي تبلغ به فضيحة نفسها، قال: فإن لم تأت بشيء من هذا أقيم عليها الحد، ولم يقبل منها ما ادعت من ذلك)( ).
مناقشة هذا الدليل: يناقش ذلك بأن عمل أهل المدينة غير متفق على حجيته، فأكثر فقهاء الأمصار لم يروا عملهم حجة لأنهم ليسوا كل الأمة، فكثير من الصحابة غادروا المدينة وتفرقوا في الأمصار ومعهم كثير من السنة أخذها عنهم أهل هذه البلاد، وقد يكون بعضها أصبح مما عليه أهل المدينة أو ناسخاً له، فليس أهل المدينة بأولى من غيرهم، ولم تكن السنة مقصورة عليهم وحدهم حتى يقال: إن عملهم بمنزلة روايتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
خامساً: من القياس: استدل القائلون بأن البصمة الوراثية (القرائن) وسيلة إثبات في الحدود بالقياس، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: يجوز إقامة الحدود (حد الزنا والسرقة) بموجب نتائج البصمة الوراثية قياساً على وجوب إقامته بنكول الزوجة عن إيمان اللعان الذي يقول به جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في رواية( ).
مناقشة هذا الوجه: يمكن مناقشة هذا الوجه بأن: قياس البصمة الوراثية على النكول قياس فاسد، لأن من شروط صحة القياس، أن يكون الأصل المقيس عليه ثابتاً بنص أو باتفاق الخصوم( )، ولم يثبت إقامة حد الزنا بالنكول بنص صريح من الكتاب أو السنة، كما لم يتفق الفقهاء على كونه كذلك، حيث ذهب الحنفية والحنابلة، في أصح الروايتين، إلى أن النكول ليس من أدلة إثبات الزنا ولا يجوز إقامة الحد به، وأن المرأة إذا امتنعت عن اللعان تحبس حتى تلاعن أو تصدق زوجها في دعواه أو تقر أربعاً( ).
وإذا ثبت عدم صحة المقيس عليه، وهو النكول، وبطلان إقامة الحد به، كان قياس البصمة الوراثية عليه قياساً فاسداً، والقول بإقامة الحد بموجب نتائجها باطلاً( ).
الجواب على هذه المناقشة: يمكن الجواب عن هذه المناقشة بأن: الحد لم يجب على الزوجة بمجرد نكولها، وإنما به ولعان الزوج( ).
الرد على هذا الجواب: وقد دفعت هذه الإجابة بأن: زنا الزوجة لا يتحقق بنكولها وحدها ولا بلعان الزوج ولا بهما معاً:
فأما عدم تحقق الزنا بنكول الزوجة: فلأن النكول لا يثبت به الحد لما فيه من الشبهة، والحدود تدرا بالشبهات، فلا تثبت بها؛ لأن النكول يحتمل أن يكون لشدة خفرها، أو لصقلة بسلانها، أو لدهشتها في ذلك المقام الفاضح المخزي، أو لغير ذلك من الأسباب، فكيف يثبت به الحد الذي اعتبر في بينته من العدد ضعف ما اعتبر في سائر الحدود، وفي إقراره أربع مرات بالسنة الصحيحة الصريحة، واعتبر في كل من الإقرار والبينة أن يتضمن وصف الفعل والتصريح به مبالغة في الستر ودفعاً لإثبات الحد بأبلغ الطرق، وأكدها، توسلاً إلى إسقاطه بأدنى شبهة، فكيف يقضي فيه بالنكول، الذي هو في نفسه شبهة، لا يقضي به في شيء من الحدود والعقوبات البتة( ).
وأما عدم تحققه بلعان الزوج وحده؛ فلأنه لو تحقق بذلك لما جاز للمرأة أن تسقط الحد بلعانها، ولما وجب الحد في قاذفاه، فلو قذفها شخص بعد لعان الزوج وقبل لعانها، لأقيم عليه حد القذف؛ لأن اللعان يسقط الإحصان في حق الزوج؛ لأنه يعتبر بينة يختص بها، أما في حق الأجنبي فهي باقية على إحصانها، فوجب عليه الحد بقذفها( )، بخلاف ما إذا قذفها الزوج ولم تلاعن وحدت ثم قذفها الأجنبي بذلكن ففيه احتمالان:
الأول: لا حد عليه؛ لأنه قذفها بزنا حدت فيه فلم يجب، كما لو أقيم عليها الحد بالبينة.
الثاني: يجب الحد؛ لأن اللعان يختص به الزوج، فزال الإحصان في حقه، ولكنه بقى في حق الأجنبي( ).
أما عدم تحققه بهما معاً فللأمرين: أولهما: أن ما في كل واحد منهما من الشبهة لا يزول بضم أحدهما إلى الآخر، كشهادة مائة فاسق؛ لأن احتمال نكولها لفرط حيائها وهيبة ذلك المقام وشدة الخفرة، وعجزها عن النطق وعقدة لسانها، لا يزول بلعان الزوج ولا بنكولها.
وثانيهما: أن ما لا يقضي فيه باليمين المفردة، لا يقضي فيه باليمين مع النكول كسائر الحقوق( ).
الوجه الثاني: يجوز إقامة حد الزنا والسرقة بموجب قرينة البصمة الوراثية بالقياس على جواز إقامة حد الشرب بقرينة الرائحة، يقول الدكتور/ عمر بن محمد السبيل، في هذا الصدد:
(فلو قيست البصمة الوراثية على هذه المسائل التي أثبت بعض العلماء فيها الحد والقصاص من غير شهود ولا إقرار، وإنما أخذاً بالقرينة وحكمها بها( )، لم يكن الأخذ عندئذ بالبصمة الوراثية والحكم بمقتضاها في قضايا الحدود والقصاص بعيدياً عن الحق ولا مجانباً للصواب فيما يظهر قياساً على تلك المسائل، لاسيما إذا حف بالقضية أو الحال من قرائن الأحوال ما يؤكد صحة النتائج قطعاً لدى الحاكم، كمعرفته بأمانة ومهرة خبراء البصمة الوراثية، ودقة المعامل المخبرية، وتطورها، وتكرار التجارب لا سيما في أكثر من مختبر، وعلى أيدي خبراء آخرين يطمئن الحاكم إلى أمانتهم، وخبرتهم المميزة، وغير ذلك من القرائن والأحوال التي تحمل الحاكم الشرعي إلى الاطمئنان إلى صحة النتائج، وترجح ظهور الحق وبيانه عنده بالبصمة الوراثية، إذا البينة ما أثرت عن وجه الحق وبينته بأي وسيلة)( ).
ويقول العلامة ابن القيم: (الله سبحانه وتعالى أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله عز وجل أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم يفي ما هو أظهر منه، وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها، وقيامها بموجبها، بل قد بين الله سبحانه وتعالى بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عبادة، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له)( ).
مناقشة هذا الوجه: يناقش الاستدلال بهذا الوجه بأن: القياس على إقامة حد الشرب بقرينة الرائحة قياس فاسد؛ لأن من شروط صحة القياس، أن يكون حكم الأصل المقيس عليه ثابتاً بالنص أو اتفاق الخصوم، وهو ما لم يتحقق في المقيس عليه هنا، ومن ثم يكون القياس عليه فاسداً.
سادساً: من المعقول: وأما دليل المعقول، فهو من وجهين:
الوجه الأول: أن وجود الحمل لا يكون قطعاً إلا من زنى، فيثبت الحد بذلك إلا أن تدفعه المرأة بينته على وجود شبهة كالاستكراه، يقول العلامة ابن القيم في كتابه: (إعلام الموقعين):
ولقد حد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا بمجرد الحبل، وفي الخمر بالرائحة والقيء، وهذا هو الصواب، فإن دليل القيء والرائحة، والحبل على الشرب والزنى أولى قطعاً، فيكف يظن بالشريعة إلغاء أقوى الدليلين) ( ).
وقال في موضع آخر: (وكان من تمام حكمته ورحمته، أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذها بها إما منهم، وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغ واصدق من إقرار اللسان، فإن قامت عليه شواهد الحال بالجناية كرائحة الخمر، وقيئها، وحبل من لا زوج لها ولا سيد، ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه، أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادة إخباره عن نفسه، والتي تحتمل الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة، ومن نازع فيه بعض الفقهاء، وإما أن تكون الحجة من خارج عنهم وهي البينة).
مناقشة هذا الوجه: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن: وجود أو ظهور الحمل على امرأة لا زوج لها ولا سيد، ليس قاطعاً في أركان وشروط جريمة الزنى، لاحتمال الوطء بشبهة، أو وجود نكاح فاسد، أو وجود إكراه، وكل واحدة من هذه الاحتمالات فيها من الشبهات ما يكفي لدرء الحد بها.
الوجه الثاني: أن إقامة حد الزنا والسرقة بالقرينة أقوى من إقامته بالبينة أو الإقرار؛ لأن هذين الأخيرين خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب، بخلاف وجود المال المسروق عند السارق أو تحت ثيابه، فإنه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة( ).
يقول العلامة ابن القيم في كتابه: الطرق الحكمية: (ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم، وهذه القرينة أقوى من البينة، والإقرار فإنهما يتطرق إليهما الصدق والكذب، ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة) ( ).
ويقول في كتابه: إعلام الموقعين: (إنما الشارع لم يقف الحكم في حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفرج ولا في الحدود، بل قد حد الخلفاء الراشدين والصحابة – رضي الله عنهم – في الزنا بالحبل وفي الخمر بالرائحة والقيء، وكذلك إذا وجد المسروق عند السارق كان أولى بالحد من ظهور الحبل)( ).
مناقشة هذا الوجه: يمكن مناقشة هذا الاستدلال من ناحيتين:
الأول: أن القول بأن القرينة أقوى من البينة والإقرار منتقض بما يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يقم الحد على المرأة بما ظهر منها من أمارات وقوع الزنا( )، حيث قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها) ( ) والسرقة من الحدود، فلا يجوز إقامة حدها بالقرينة قياساً على الزنا.
الثاني: أن وجود المال المسروق عند السارق، لا يلزم منه أن يكون هو السارق، لاحتمال وصوله إلى من يغره(هبة أو عارية، أو حتى الإكراه على السرقة)( )، كما أن وجود البصمة الوراثية الخاصة بالمتهم في مكان جريمة السرقة، لا يلزم منها أن يكون هو الجاني، لاحتمال مروره في ذلك المكان مصادفة لقضاء أمر من أموره، أو للقيام بغرض معين، وكل واحدة من هذه الاحتمالات فيها من الشبهات ما يكفي لدرء الحد بها( ).
من الاستدلالات لكل فريق من الفريقين، والمناقشات التي وردت على الأدلة، يمكن بغالب الظن القول: بأن رأي الجمهور من العلماء القائل بعدم العمل بالقرائن أو البصمة الوراثية في الحدود، هو الأولى بالترجيح لخطورة الحدود وعظم أمرها، ولسلامة الأدلة التي اعتمد عليها هذا الرأي، ومن أقوى هذه الأدلة: أن القرينة تحفها الكثير من الاحتمالات، وتحوم حولها الشبهات، والحدود تدرأ بالشبهات( ).
ومع ذلك، فإن البصمة الوراثية تنير الطريق للعدالة، وترشدهم إلى الأشخاص الذين مروا بالفعل على مسرح الجريمة أو جسم الضحية، وللعدالة برؤيتها الثاقبة أن تقرر مؤاخذة المتهم المتشبه فيهم بالعقاب التعزيري أولاً: على أساس استبعاد تطبيق الحدود الرعية مع وجود أدنى شبهة)( ).




المطلب الثاني
إثبات الحدود بموجب قرينة البصمة الوراثية في القانون المقارن

الفرع الأول
إثبات جريمة الزنا والاغتصاب بموجب البصمة الوراثية
إذا وجدت المرأة غير المتزوجة حاملاً، فوفقاً لمفهوم الزنا في القانون
لا يعتبر ذلك زنا ولا يترتب على ذلك عقاب، وذلك لأن جريمة الزنا في القانون الوضعي تعني: اتصال شخص متزوج، رجلاً أو امرأة، اتصالاً جنسياً بغير زوجه. فالزنا جريمة ترتكبها الزوجة إذا اتصلت جنسياً برجل غير زوجها، ويرتكبها الزوج إذا اتصل جنسياً بامرأة غير زوجته( ).
وعليه، يعتبر كون المرأة متزوجة ركنا من أركان جريمة الزنا في القانون الوضعي، وتفريعاً على ذلك: فإنه"إذا وجد الاتصال الجنسي من امرأة غير متزوجة، فلا يكون ذلك زنا، ولو نتج عن ذلك حمل( ).
وإذا كان القانون المقارن يشترط لقيام جريمة الزنا كون المرأة متزوجة واتصلت بغير زوجها جنسياً، فما هو تكييف الفعل إذا تمت العلاقة الجنسية بين غير متزوجين؟
يرى القانون المقارن أن الاتصال الجنسي إذا تم بين رجل وامرأة غير متوجين، وكانا قد بلغا ثماني عشرة سنة، فإن هذا الاتصال إما أن يكون قد تم بالتراضي، وإما أن يكون قد نشأ من غير رضاء المجني عليها( ).
فإذا تم الاتصال بالتراضي، فإن الفعل لا يعد جريمة، بل هو استعمال للحرية الجنسية، ومن ثم، يتعين، وفقاً لخطة المقنن، أن يخرج من نطاق التحريم( ).
أما إذا نشأ الاتصال من غير رضا المجني عليها، فهذا يعد اغتصاباً. وذلك لأن مفهوم الاغتصاب، هو: اتصال رجل بامرأة اتصالاً جنسياً كاملاً دون رضا صحيح منها بذلك. وهذا ما نصت عليه صراحة المادة (267)من قانون العقوبات المصري بقولها:
(من واقع أنثى بغير رضاها يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. فإذا كان الفاعل من أصول المجني عليها أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها أو ممن لهم سلطة عليها أو كان خادماً بالأجرة عندها أو عند من تقدم ذكرهم يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة).
هذا، ومن المتفق عليه فقهاً وقضاءً أن المشرع المقارن لم يحدد أدلة لإثبات جريمة الزنا، إلا بالنسبة لشريك الزوجة الزانية. ومن ثم، فالقاعدة العامة في الإثبات الجنائي في القوانين الوضعية، هو حرية الإثبات بكافة الطرق والوسائل، وللقاضي أن يستخلص من الأدلة المطروحة ما يراه منتجاً في الدعوى( )، وهذا ما نصت عليه صراحة المادة(302)من قانون الإجراءات الحنائية المصري بقولها:
(يحكم القاضي في الدعوى حسب العقيدة التي تكونت لديه بكامل حريته، ومع ذلك لا يجوز له أن يبني حكمه على أي دليل لم يطرحه أمامه بالجلسة).
وهكذا، فإن القانون المقارن يحدد أدلة الإثبات بالنسبة لشريك الزوجة الزانية فقط( ). أما بالنسبة للزوجة نفسها والزوج وشريكته وغيرهم من الأشخاص، فإنه – وفقاً للقاعدة العامة في الإثبات الجنائي- يجوز إثبات جرائمهم الجنسية من الزنا والاغتصاب وغير ذلك، بكافة طرق الإثبات فما فيها البصمة الوراثية. وقد أجاز المشرع الفرنسي إثبات هوية الجاني بالبصمات الوراثية في الجرائم الجناية، ومنها الجرائم الجنسية، وذلك في المادة(226-28)من قانون العقوبات الفرنسي الجديد التي قضت بأن:
(البحث في تحدي هوية الشخص أو التعرف عليه ببصماته الوراثية، لا يجوز إلا لأغراض طبية أو علمية في نطاق إجراءات جنائية أو قضائية..).
وفي مجال التشريعات العربية، فقد أجاز المشرع الليبي إثبات جريمة الزنا بالوسائل العلمية، حيث نصت المادة السادسة مكرر من قانون العقوبات الليبي رقم 70 لسنة 1973م( ) على الآتي:
(وتثبت جريمة الزنا المنصوص عليها في المادة الأولى من هذا القانون، باعتراف الجاني أو بشهادة أربعة شهود، أو بأية وسيلة علمية).
وبهذا النص، يكون المشرع الليبي قد أضاف إلى طريقي إثبات جريمة الزنا بالاعتراف وشهادة الشهود، طريقاً ثالثاً هو الوسائل العلمية، وساوى بينهم في القيمة الثبوتية. ويلاحظ أن؛ عبارة: (الوسائل العلمية) الواردة بالنص، عبارة مطلقة غير محددة مما يسمح بدخول كافة الطرق والأساليب الموصوفة بالعلمية في النص، كاستعمال الأجهزة الفنية أو التقنية والتحاليل الطبية التي تعتبر البصمات الوراثية نوعاً متقدماً منها.
وبناء على ذلك، فإذا ما ثبتت جريمة الزنا أو الاغتصاب بهذه الوسائل العلمية – ومنها البصمة الوراثية – جاز إقامة الحد بناء على نتائجها، شأنها في ذلك شأن الاعتراف (الإقرار)، وشهادة الشهود( ).
واما المشرع اليمني فقد اخذ بالفقه الاسلامي حيث أوجب لثبوت جريمة الزنا مااوجبه الفقه الاسلامي من شروط، وذلك في امواد(263الى269)عقوبات يمني.

الفرع الثاني
إثبات جريمة السرقة بموجب البصمة الوراثية
يعتبر وجود الشيء المسروق عند المتهم بالسرقة من القرائن القضائية( ) والتي يرى غالبية فقهاء القانون المقارن( ) أنها من الطرق الأصلية في المواد الجنائية، فهي دليل إثبات قائم بذاته، وهذا هو ما أيدته محكمة النقض المصرية في العديد من أحكامها، حيث قضت في حكم لها بأن:
(مشاهدة عدة أشخاص يسيرون في الطريق مع من يحمل المسروقات، ودخولهم معه في منزل، واختفائهم معه، قرينة على اشتراكهم في السرقة) ( ).
هذا، وجريمة السرقة كغيرها من الجرائم الجنائية، يجوز إثباتها بكافة وسائل الإثبات( )، ومنها البصمات الوراثية، وقد استقر الفقه والقضاء الألماني على دخول البصمات الوراثية أو تحليل الحامض النووي D.N.A تحت الفقرة(أ) من المادة 81 من قانون الإجراءات الألماني التي تجيز إثبات هوية المتهم بموجب نتائج الاختبارات الجسدية، أو التحاليل الطبية، في الجرائم التي يحتمل أن يوقع عليه عقاباً فيها بعد إدانته( ).
وفي مجال التشريعات العربية، فقد نص المشرع الليبي على إمكانية جواز إثبات جريمة السرقة وتوقيع العقوبة على السارق بمقتضى نتائج البصمة الوراثية أو غيرها من الوسائل العلمية، حيث قضت المادة التاسعة من قانون العقوبات رقم 23 لسنة 1996م بشأن حدي السرقة والحرابة، بالآتي:
(تثبت الجريمتان – أي جريمة السرقة والحرابة – المنصوص عليهما في المادتين الأولى والرابعة من هذا القانون، باعتراف الجاني، وبأي وسيلة إثبات أخرى).
ولا شك أن هذا الإطلاق يسمح بإثبات هذا النوع من الجرائم بكافة وسائل الإثبات، ومنها البصمة الوراثية، بل أن القواعد العامة في القانون الجنائي الوضعي عامة تسمح بإثبات جريمة السرقة بمقتضى نتائج البصمة الوراثية، حيث أعطت تلك القواعد للقاضي الحرية الواسعة في أن يأخذ بالدليل الذي يراه مناسباً ويستريح إليه وجدانه ويطمئن إليه ضميره، سواء كان ذلك الدليل مباشراً كالشهادة والاعتراف.
أو غير مباشر، كالقرائن والدلائل، فهو – أي القاضي- في جميع الأحوال غير مقيد بالاستناد في حكمه إلى أدلة معينة، متى كان متحرياً في حكمه العقل والمنطق الدقيق في تفكيره الذي قاده إلى اقتناعه، وهو ما نص عليه المشرع المصري في قانون المادة 302 من قانون الإجراءات الجنائية، وكذا المشرع اللبناني في المادة 179 من قانون أصول المحاكمات الجزائية( ).
وبالنسبة للمشرع اليمني نجده في قانون الجرائم والعقوبات قد اخذ بما عليه الفقه الاسلامي
باعتبارها من الجرائم الحدية حيث نصت المادة(297)((تثبت جريمة السرقة الموجبة للحد:
1-بالاعتراف امام القضاء مالم يعدل عنه قبل التنفيذ.
2- بشهادة رجلين عدلين.
3-بشهادة رجل وامرأتين عدول.( )
ويلاحظ ان السرقة التعزيرية وهي التي لم يتوافر شروط الحد طبقا للمادة(294) فأن الباحث يرى أنه لا مانع من الاخذ بقرينة البصمة الوراثية طالما ان ذلك لايترتب عليه حد أو قصاص عملا بالمادة(300)عقوبات يمني.
نلخص مما سبق، أنه إذا ما ثبت جريمة السرقة بالبصمات الوراثية، فإن للقاضي الحرية في رفض الدليل المستمد منها، أو قبوله والحكم بإدانه المتهم بمقتضى نتائجها، لا يقيد في ذلك إلا أن يكون الدليل الناتج عنها، مما يطمئن إليه وجدانه وضميره، وأن يكون مما طرح في الجلسة( ).


المطلب الثالث
موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن
بعد الحديث عن موقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي من إثبات الحدود بموجب القرائن، ومنها البصمة الوراثية، فإنه يمكننا أن نلحظ الأمور التالية:
أولاً: أنه كما وقع الخلاف بين علماء الفقه الإسلامي في إثبات الحدود بالقرائن، اختلف أيضاً شراح القانون الوضعي في اعتبار القرائن دليلاً يمكن الإثبات به، والتعويل عليه في المواد الجنائية.
ثانياً: أن حمل من لا زوج لها ولا سيد لا يعتبر دليلاً قاطعاً يثبت به حد الزنا عند جمهور الفقهاء، بينما اعتبر المالكية وابن تيمية وابن القيم، ورواية عن الإمام أحمد، الحبل قرينة يقام بها الحد إذا لم تثبت المرأة أنها أكرهت على الزنا، كأن تأتي وهي تدمى أو استغاثت وهي على ذلك الحال.
ثالثاً: أن المرأة غير المتزوجة إذا اتصلت بزيد من الناس جنسياً، فلا يعد ذلك من قبيل الزنا المعاقب عليه قانوناً، ولو حملت من هذا الاتصال، وليس هناك ما ثمة عقوبة توقع عليها في هذه الحالة.
ويلاحظ، أن القانون الوضعي يتفق مع مذهب جمهور الفقهاء في عدم عقاب من وجدت حاملاً ولا زوج لها ولا سيد، فلا يقام الحد وفقاً لمذهب الجمهور من الفقهاء بهذه القرينة، كما لا توقع العقوبة المقررة قانوناً لجريمة الزنا في القانون الوضعي( ).
رابعاً: يختلف القانون الوضعي عن مذهب جمهور الفقهاء في الأساس الذي بني عليه عدم العقاب، فالأساس الذي بني عليه جمهور عدم إقامة الحد على من وجدت حاملاً ولا زوج لها ولا سيد، أو جود عين المال المسروق في يد المتهم، هو أن قرينة الحب لا تصلح دليلاً يقام بها الحد، وذلك لما يحيط بهذه القرينة من الشبهات، فقد يكون الحمل قد نتج عن وطء بإكراه، أو أن الماء قد دخل في فرجها من غير وطء، أو احتمال قبول المال هبة أو عارية، أو حتى الإكراه على السرقة، والحدود تدرأ بالشبهات.
ولكن إذا اعترفت المرأة الحامل بأن هذا الحمل كان من زنا أو شهد بذلك أربعة شهود ذكور، أو اعترف المتهم بسرقة المال الذي وجد في حيازته، فإنه يقام عليهما الحد( ).
أما عدم العقاب في القانون الوضعي، قد نشأ عن عدم اعتبار مثل هذا الفعل مكوناً لجريمة أصلاً. وذلك لأن جريمة الزنا لا تقوم إلا إذا كانت المرأة متزوجة، فإذا اتصلت امرأة متزوجة بغير زوجها اتصالاً جنسياً، فهذا هو ما يعد زنا، وتعاقب الزوجة عندئذ بالعقوبة المقررة قانوناً، وهي الحبس مدة لا تزيد على سنتين(المادة 247 من قانون العقوبات المصري) ( ).
أما إذا اتصلت غير المتزوجة جنسياً يزيد من الناس، فإن ذلك لا يعد زنا، ولا تعاقب بعقوبة الزنا، وذلك لأن علة التجريم في القانون الوضعي هي إخلال الزوجة بالإخلاص الجنسي لزوجها، فلكل من الزوجين أن يستأثر بالعلاقات الجنسية لزوجه( ). أما غير المتزوجة، فليس هناك ثمة التزام أخلت به، فلا يعد الفعل في حقها جريمة وفقاً لذلك، وهذا من سقطات القانون الوضعي( ).
خامساً: فرقت القوانين الوضعية بين إثبات زنا الزوجة وبين إثبات زنا شريكها، فطلبت في حق هذا الأخير أدلة استثنائية خاصة لإثبات زناه، وهي: القبض عليه حين تلبسه بالفعل، أو اعترافه، أو وجود مكاتيب، أو أوراق أخرى مكتوبة منه، أو جوده في منزل مسلم في المحل المخصوص للحريم( ).
أما الزوجة(أو الزوج وشريكته وغيرهم من الأشخاص) فلم يشترط المشرع بشأن زناها أدلة خاصة، بل جوز إثباته بكافة طرق الإثبات ومنها الإثبات بالبصمة الوراثية، بحيث إذا اقتنع القاضي بأي منه، كان له الحكم بإدانة الزوجة وتوقيع العقاب عليها.
هذا، وإذا استثنينا زنا شريك الزوجة، فإن القانون الوضعي يتفق مع ما ذهب إليه المالكية وابن تيمية وابن القيم والحنابلة، في إحدى الروايتين، وبعض الفقهاء المعاصرين، من جواز إثبات الزنا والاغتصاب بالقرائن أو البصمات الوراثية، خلافاً لجمهور الفقهاء القائلين بعدم جواز ذلك( ).
سادساً: يتفق القانون الوضعي مع ما ذهب إليه الشافعية في وجه والإمام أحمد في رواية وابن القيم وبعض الفقهاء المحدثين، من جواز إثبات جريمة السرقة وتوقيع العقوبة على المتهم بالبصمة الوراثية أو ببصمات الأصابع تخريجاً على جواز إثبات جريمة السرقة وإقامة الحد على المتهم بقرينة النكول وقرينة وجود المال المسروق عند المتهم وتحت ثيابه( ).
وذلك خلافاً لما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم إعمال القرائن أو البصمات الوراثية في الحدود مطلقاً، ومنها حد السرقة، وذلك إعمالاً لما هو مستقر في فقه الشريعة الإسلامية الغراء من أن الحدود تدرأ بالشبهات.
وتطبيقاً لذلك، ومسايرة لرأي جمهور الفقهاء، فإن العثور على أثر بيولوجي أو جيني للمتهم في مكان الجريمة، كما لو خلف المجرم بقعاً دموية أو منوية أو حتى أثر للعاب على طابع بريد أو كوب ماء... أو غير ذلك، فإنه يمكن بالبصمة الوراثية البحث عن صاحبها بمجهود ليس باليسير لكثرة أعداد المشتبه فيهم، ومع ذلك فبعد النجاح بالوصول إليه والإمساك به، فإننا لا نقطع بأنه المجرم الحقيقي، لاحتمل ن يتصادف وجوده عقب الجريمة (الزنا- الاغتصاب – السرقة) وترك أثراً وراءه ولا علاقة له حقيقية بالجريمة. كما يحتمل أن يكون هو الفاعل الحقيقي، ولكن كانت هناك دوافع أخرى وملابسات تضعف من أركان الجريمة وشروطها، كخطأ أو نسيان أو إكراه، أو نحو ذلك، وكل واحدة من هذه الاحتمالات فيها من الشبهات ما يكفي لدرء الحد به.
ولا شك أن الحكم بسقوط الحد عن المتهم، في مثل هذه الحالات، أو فضل من الحكم بمعاقبته مع قيام الشبهة التي تدرأ الحد، وذلك عملاً بقول الرسول الكريم:
(.... فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة)( ).




المبحث الثاني
اثبات جرائم القصاص بالبصمة الوراثية
المطلب الأول: موقف الفقه الاسلامي
المطلب الثاني: موقف القانون المقارن

المطلب الأول
إثبات القصاص بموجب قرينة البصمة الوراثية في الفقه الإسلامي
إذا وجدت آثار دماء على ملابس المتهم في جريمة القتل، وظهر من تحليل البصمة الوراثية D.N.A أن هذا الدم من فصيلة دم القتيل، أو وجدت بصمة المتهم على السلاح المستعمل في جريمة القتل، أو تعرف الكلب البوليسي على المتهم فأخرجه من وسط مجموعة من الناس بعد شم أثر من آثار القتيل، أو ثبت بالتسجيل أن المتهم قد اعترف بقتل المجني عليه، فهل يجوز للقاضي أن يحكم بالقصاص على المتهم بناء على أي قرية من هذه القرائن وما شابهها؟
اختلف الفقهاء حول الإجابة على هذا التساؤل على مذهبين:
المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة( )، وغالبية الفقهاء المحدثين( )، إلى أنه لا يجوز إدانة المتهم وتوقيع العقاب عليه في جرائم القصاص (القتل) بموجب القرائن أو البصمات الوراثية( )، ولكن يلجأ إلى القسامة إذا توافرت قرائن معينة، مستدلين في ذلك بالأدلة التالية:
أولاً: من السنة: ما جاء في حديث الحويصة والمحيصة الذي سبق عرضه من قبل، والذي أفاد أن دعوى القتل لا تثبت إلا بشاهدين أو بالقسامة إذا مل يوجد الشاهدان، وهذا ينفي القرينة أو البصمة الوراثية، وسيلة إثبات فيها.
مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل بأن الحديث لا يوجد فيه دليل على الاقتصار على الشاهدين في إثبات دعاوى القتل، وعلى هذا فلا يكون الحديث دالاً على عدم اعتبار القرينة وسيلة من وسائل الإثبات( ).
ثانياً: من المعقول: إن وجود عينة بيولوجية أو أثر لخلية شخص معين في مسرح الجريمة، لا يلزم منه أن يكون هو الفاعل الحقيقي لها على وجه يوجب العقال، فالدماء يحتاط فيها كما يحتاط في الحدود بل أكثر منها وأولى، فيجب أن يدرأ القصاص بالشبهة كما تدرأ الحدود بها، والقرائن أو البصمة الوراثية في الدماء كثيراً ما يكتنفها الغموض والإبهام، وهذه شبهة، والقصاص يسقط بالشبهة( ).
المذهب الثاني: ذهب ابن الغرس الحنفي، وابن فرحون المالكي، والإباضية، والمتأخرين من الزيدية( )، وجانب من الفقهاء المحدثين، إلى جواز إثبات موجب القصاص بالقرائن (البصمة الوراثية) إذا كانت قوية بدون احتياج إلى القسامة( ).
وقد استلوا على ذلك بالسنة والمعقول:
أولاً: من السنة: ما روي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن ابني عفراء تداعيا قتل أبي جهل يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهل مسحتما سيفكما؟) فقالا: لا. فقال: (أرياني سيفيكما)، فلما نظر إليهما، قال: (هذا قتله وقضى له بسلبه)( )، وفي رواية أخرى لهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهما: (أيكما قتله؟) قال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: (هل مستحما سيفيكما؟) قالا: لا. فنظر إلى السيفين، فقال: (كلاكما قتله)، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، وكانا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموع.
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم استدل بوجود أثر الدم الموجود على السيفين على أن معاذ بن عمرو، ومعاذ بن عفراء اشتركا في قتل أبي جهل، حيث قال لهما: (كلاكما قتله)، ولما كانت البصمات الوراثية تعتمد في تحاليلها على الآثار البيولوجية، كالدم وغيره، فإن الحديث الشريف يدل على جواز القضاء بموجب نتائج البصمات في جرائم القتل، يقول ابن فرحون: (... وهذا يدل على مشروعية القضاء بالقرائن)( ).
مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الحديث بأن: النبي صلى الله عليه وسلم لم يبن حكمه على أن معاذ بن عفراء، ومعاذ بن عمرو بن الجموح قد قتلا أبا جهل على قرينة الدم فحسب، وإنما بذلك وبإقرارهما، وهذا يدل على أن القرائن أو البصمات الوراثية لا تكفي وحدها لبناء الحكم عليها في القتل، بل لا بد من أدلة أخرى معها تعضدها وتقويها، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: من المعقول:
1-أن النكول عن اليمين في جرائم الاعتداء على الأطراف، دليل على أن الناكل إما مقر بالجريمة، أو باذل، أي سمحت له نفسه، وأباح جسمه للعقوبة، وإلا لحلف قياماً بالواجب عليه ودفاعاً للضرر عن نفسه.
مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل بأن: القضاء بالنكول في مسائل الدماء قضاء بقرينة ضعيفة، لأنه كما يحتمل أن يكون المدعى عليه قد امتنع عن اليمين احترازاً عن اليمين الكاذبة، يحتمل أن يكون امتناعه تمنعاً عن اليمين الصادقة، ويحتمل أيضاً أن يكون بسبب الاشتباه، واعتماد القرينة وبخاصة الضعيفة لا يجوز في مسائل الدماء؛ لأنه يجب الاحتياط فيها أكثر من غيرها( ).
2-ساعدت البصمات الوراثية على حفظ الأمن والاستقرار للأفراد والمجتمعات وعلى حفظ الضروريات الخمس، ومنها المحافظة على النفس، وأن إهدارها في هذا المجال يؤدي إلى ضياع حقوق كثيرة، ويسهل على المجرمين تحقيق مآربهم الآثمة، وهو ما يتنافى ومقصد الشارع الحكيم من جلب المصلحة ودرء المفسدة وحفظ الأنفس وردع المجرمين( ).
وفي هذا المعنى يقول ابن القيم الجوزية:
(فمن أهدر الأمارات والعلامات في الشرع بالكلية، فقد عطل كثيراً من الأحكام، وضيع كثيراً من الحقوق...) ( ).
مناقشة هذا الدليل: أجيب عن هذا الدليل بأن: توقيع العقاب على المتهم في جرائم القصاص بموجب نتائج البصمة الوراثية، لا يتفق مع ما هو مقرر في الفقه الإسلامي من الاحتياط في الدماء والتضييق في طرق إثبات هذه الجرائم ودرئها بالشبهة، ولا شك أن احتمال الشبهة قائم في جرائم القصاص، كما لو تصادفت وجود المتهم في مكان الحادث لقضاء حاجة من حوائجه، وتخلفت عنه بضع مواده البيولوجية فيه، وهذا الاحتمال يورث الشبهة التي يسقط بها الحد( ).
الرأي الراجح: يغلب على الظن أن ما يراه الجمهور، وهو عدم القضاء بالقرينة أو البصمة الوراثية في القصاص، هو الراجح، وذلك لأن القرائن دلالتها غير واضحة، فلا يصح استباحة الأرواح بها، وذلك لما للأرواح من شأن عظيم وخطر كبير، وغموض القرائن وعدم وضوحها أورث فيها الشبهة، والقصاص يسقط بالشبهة( ).
هذا، وإن كان بعض العلماء المعاصرين يرى أنه إذا كانت القرينة قاطعة بحيث لا تكون محتملة لأدنى شك، فإنها تكون وسيلة إثبات في جرائم القتل (القصاص)، كما لو وجدت بصمات المتهم على السكين المستعملة في جريمة القتل والتي وجدت بجوار القتيل، وقطع الخبراء بأنها بصمات المتهم بالقتل، ونحو ذلك من القرائن القاطعة( ).
فهذا الرأي: محل نظر وغير مسلم به، فقد يجد إنساناً رجلاً مقتولاً وبجسمه السكين التي قتل بها، فيدفعه هول المفاجأة والدهشة إلى نزع السكين من جسمه، فتتطبع بصمات يده عليها، وقد لا يستطيع أن يضعف من دلالة هذه القرينة على أنه القاتل، فيؤخذ به وفي هذا من الخطورة ما فيه( ).

المطلب الثاني
إثبات القصاص بموجب قرينة البصمة في القانون المقارن
اختلف فقهاء القانون الوضعي حول إمكانية الاستفادة من القرائن القضائية أو الفعلية، والتي تعتبر البصمة الوراثية واحدة منها، للحكم بالإدانة. ويُمكن إرجاع هذا الاختلاف إلى ثلاثة اتجاهات على النحو التالي:
الاتجاه الأول: يرى أنصار هذا الاتجاه عدم اعتبار القرائن القضائية الدلائل في المواد الجنائية، فلا يصح الاستناد عليها وحدها في الإدانة، وإن جاز تعزيز الأدلة بها( ).
ووجهة هذا الاتجاه:
أن القرائن القضائية والدلائل لا ترقى إلى مرتبة الدليل، لأنها قرائن تحوطها الشُبهة، وبالتالي لا تصلح بذاتها أن تكون دليلاً منفرداً للأحكام الجنائية التي يجب أن يكون مبناها على اليقين( )، وإن كانت تكفي لاتخاذ بعض إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي( ).
الاتجاه الثاني: ويرى أصحاب هذا الاتجاه أنه لا يجوز للقاضي أن يعتمد في إصدار حكمه على قرينة واحدة، وذلك لأن القرينة الواحدة مهما كانت قوية فدلالتها ناقصة، وذلك لأنها طريقة غير مباشرة للإثبات، وأنها تعتمد على القدرة البشرية في الاستخلاص والاستنتاج، وحيث أن المقدرة البشرية مازالت عاجزة عن الجزم والتأكيد في استخلاص واقعة مجهولة من واقعة معلومة، وذلك لافتراض توافُر الخطأ مهما كان قليلاً، وهذا الافتراض لا يسوغ للمحكمة الاستناد عليها وحدها في إصدار حكمها. أما إذا اجتمعت عدة قرائن، وكانت متسقة مع بعضها، فإنها تكون حينئذ متساندة، ويصح للقاضي، أن يستند إليها مجتمعة ي إصدار حكمه في الدعوى المطروحة أمامه( ).
هذا، وقد اشترط أنصار هذا الاتجاه للاستناد إلى القرائن القضائية المتعددة ضرورة توافر شرطين:
الأول: أن تكون القرائن جميعها التي استندت إليها المحكمة تؤدي إلى استخلاص الواقعة المجهولة وفقاً لمقتضيات العقل والمنطق، بمعنى أن يكون هناك توافق في النتائج التي تؤدي إليها.
الثاني: أنه لا يجوز أن تكون القرائن مستفادة من السلوك الخاص بالمتهم، باعتبار أن المتهم عند التحقيق معه ومحاكمته يلزم أن يكفل له الحرية التامة في دفاعه، فلا يجوز للمحكمة أن تستخلص من هروب المتهم أثناء التحقيق، أو عدم حضوره في الجلسة، رغم تكليفه بالحضور، قرينة على ارتكاب الواقعة المنسوبة إليه( ).
وعليه، ووفقاً لهذا الاتجاه، فإن القاضي إذا استند في حكمه بالإدانة على مجرد القرينة القضائية، أو الدليل العلمي أو الفني، وجعل ذلك مصدراً وحيداً لاقتناعه، كان هذا الاقتناع فاسداً، والحكم الذي انتهى إليه باطلاً( ).
وتفريعاً على ذلك، فإن البصمات الوراثية كما يرى البعض لا تكفي وحدها لكي يستمد القاضي اقتناعه منها للحكم بالإدانة، وإنما يجب أن تُعزز بأدلة أو قرائن أخرى، وإلا كان اقتناعه فاسداً، وحكمه بالإدانة باطلاً( ).
الاتجاه الثالث: يرى غالبية فقهاء القانون الجنائي، أن القرائن القضائية تُعد من طرق الإثبات الأصلية في المواد الجنائية، فهي دليل إثبات قائم بذاته، وهي تصلح وحدها لبناء الحكم عليها بالإدانة متى اقتنع بها القاضي( ).
وقد أستدل أصحاب هذا الاتجاه على قولهم بالآتي:
1- أن مبدأ الاقتناع القضائي يخول للقاضي أن يستمد اقتناعه من أي دليل، فلا وجود لدليل يحظر على القاضي أن يستمد اقتناعه منه، فإذا كان مقنعاً بدلالة قرينة معينة، وتوافرت فيها الشروط المتطلبة في الدليل القانوني، فلا سند من القانون لحرمانه من الاعتماد على الدلالة المستخلصة منها، وهذه القاعدة مقررة في القانون المدني، فينبغي تقريرها في قانون الإجراءات الجنائية من باب أولى( ).
- وقضت أيضاً بأن: (ضبط ورقة مع المتهم بها رائحة الأفيون، هو قرينة على ارتكابه لجريمة إحراز مخدر على اعتبار أن الورقة لابد أنه كان بها مادة الأفيون)( ).
-كما قضت في حكم آخر بأن: (الدليل المستمد من تطابق البصمات، هو دليل مادي له قيمته وقوته الاستدلالية القائمة على أسس علمية وفنية) ( ).
وهكذا، يتضح لنا أن محكمة النقض المصرية، قد اعتبرت القرينة القضائية
أو الفعلية دليلاً كاملاً قائماً بذاته، يصح الاستناد إليه وحده، والتعويل عليه في المواد الجنائية.
وقد أخذت محكمة التمييز الأردنية بمثل ما أخذت به محكمة النقض المصرية، حيث قضت بأن:
(البينة الفنية هي بينة صالح للحكم وذات دلالة قوية في الإثبات، وهي بينة تطمئن المحكمة للأخذ بها واعتمادها في الحكم).
وترتيباً على ما سبق، فإن للقاضي الجنائي أن يؤسس حكمه بالإدانة في جرائم القتل (القصاص) بموجب نتائج البصمة الوراثية إذا اقتنع بها، وهو ما جرى عليه المُشرِّع الفرنسي، حيث أجاز للقاضي العمل بالبصمات الوراثية في المجال الجنائي، ونصَّ على ذلك صراحة في المادة(226-28) من قانون العقوبات الجديد الصادر في سنة 1994م( ).
وتطبيقاً لهذا الاتجاه الغالب، فقد أصدر القضاء الفرنسي والأنجلو أمريكي أحكاماً عديدة بالإدانة في جرائم القتل بناءً على نتائج تحاليل البصمات الوراثية، وقد عرضنا العديد من هذه الأحكام عند الحديث عن التطبيقات الجنائية للبصمة الوراثية، ومن ثم، نُحيل إليها منعاً للتكرار.





المطلب الثالث
موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن
بعد الحديث عن موقف الفقه الإسلامي والقانون الجنائي الوضعي من إثبات القصاص بموجب قرينة البصمة الوراثية، وما إذا كان بالإمكان توقيع العقوبة على المتهم بموجبها أم لا، تبين لنا ما يلي:
أولاً: أنه كما وقع الخلاف بين علماء الفقه الإسلامي في إثبات القصاص بموجب قرينة البصمة الوراثية، اختلف أيضاً فقهاء وشراح القانون الوضعي في اعتبار القرائن القضائية أو الفعلية دليلاً يُمكن الإثبات به، والتعويل عليه في المواد الجنائية.
فقد ذكرت أن الفقهاء قد اختلفوا في إثبات القصاص بالقرائن: فذهب ابن الغرس وابن فرحون إلى إثبات موجب القصاص بالقرائن.
وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز إثبات موجب القصاص بالقرائن، بل الواجب حينئذ الأخذ بالقسامة إذا توافرت قرائن معينة.
ثانياً: أنه كما اختلف فقهاء الشريعة في هذا الشأن، فقد اختلف فقهاء القانون الوضعي في إمكان الإثبات بالقرائن القضائية في المسائل الجنائية.
فذهب بعض فقهاء القانون إلى عدم اعتبار القرائن القضائية دليلاً يصلح لإثبات في المواد الجنائية، وذلك لأن القرينة لا ترقى إلى مرتبة الدليل، فلا يجوز الاستناد إليها وحدها في الإدانة، وإن كانت تكفي لاتخاذ بعض إجراءات الاستدلال والتحقيق الابتدائي.
وهذا الرأي يوافق مذهب الجمهور من فقهاء الشريعة الإسلامية القائل بعدم إثبات القصاص بموجب القرائن (البصمات الوراثية).
وذهب غالبية فقهاء القانون إلى اعتبار القرائن القضائية دليلاً كاملاً يصلح للإثبات في المواد الجنائية، وهذا ما أيدته محكمة النقض المصرية ومحكمة التمييز الأردنية في قضائهما، كما ذكرت سابقاً( ).
وهذا الاتجاه الأخير، يتفق مع من قال بجواز إثبات موجب القصاص بالقرائن من علماء الفقه الإسلامي (ابن الغرس الحنفي، وابن فرحون المالكي)، وإن اختلفت حجة كل منهم في ذلك.
ثالثاً: تتفق غالبية التشريعات الوضعية مع ما قرره هذا الاتجاه الأخير من الفقه الإسلامي، حيث أجازت التشريعات الوضعية صراحة العمل بالبصمات الوراثية في مجال الجرائم الجنائية، وأصدر القضاء الأجنبي (الفرنسي والأنجلوأمريكي) أحكاماً عديدة بالإدانة والبراءة في جرائم القتل بموجب قرينة البصمة الوراثية.
ويُلاحظ، أخيراً، أنه يمكن تأسيس الحكم بذلك على القواعد العامة في الإثبات الجنائي، حيث تقضي هذه القواعد بجواز الإثبات بالقرائن الفعلية أو القضائية في المسائل الجنائية متى اقتنع بها القاضي، إذ لا سند من القانون يمنعه من الاستناد على الدلالة المستخلصة منها، متى كان حكمه في ذلك مبنياً على اليقين وليس على الاحتمال، وهو ما ذهب إليه غالبية فقهاء القانون الجنائي في مصر( )، وطبقاً لهذا الاتجاه، فإن البصمة الوراثية، تعتبر بينة كافية وصالحة لتعليل أحكام الإدانة أو البراءة بها في جرائم القتل( ).

المبحث الثالث
اثبات جرائم التعازير بالبصمة الوراثية

المطلب الأول
إثبات التعزير بموجب قرينة البصمة الوراثية في الفقه الإسلامي
إذا تم العثور على بعض الآثار البيولوجية في مكان جريمة ما من الجرائم، وأثبتت تحاليل البصمة الوراثية نسبة تلك الآثار إلى شخص بعينه، فلا شك أن ذلك يُعد قرينة على ارتكابه لتلك الجريمة، فهل يُمكن تعزيره بموجب الدليل المستمد من اختبارات البصمة الوراثية لحمله على الاعتراف أم لا؟
لقد فرّق الفقهاء في هذا الشأن بين ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون المتهم من أهل الصلاح مُشتهراً بذلك، فباتفاق العلماء لا يجوز عقوبته أو تعزيره لا بضرب ولا حبس، ولا بغيرهما( ).
فإذا وجد في يد رجل مشهود له بالعدالة مال مسروق، وقال هذا الرجل العدل: اشتريته من السوق لا أدري من باعه، فلا عقوبة على هذا العدل باتفاق العلماء، ثم قال علماء المالكية وغيرهم: يحلف المستحق أنه ملكه ما خرج عن ملكه ويأخذه، وقرر هؤلاء أنه لا تطلب اليمين من هذا العدل( ). جاء في تبصرة الحكام:
(وإذا وُجِدَ من رجل رائحة وأُشكِل أن تكون رائحة مُسكر أو غير مُسكر، نَظَّر الإمام في حالة الرجل، فإن كان لا بأس بحاله خَلَّى عنه، فقد يجوز للصالح شرب حلو النبيذ الذي لا يُسكر، وربما وجدت له رائحة) ( ).
ولكن هل يُعاقب الشخص الذي أتهم هذا الرجل المشهود له بالعدالة والاستقامة، أم لا؟
ذهب الإمام مالك وبعض فقهاء مذهبه إلى أنه لا أدب على المدعى إذا كان ذلك طلباً لحقه، وإن قاله على وجه المشاتمة أو قصد أذيته وعيبه، نُكِّلَ به.
وقال بعض آخر من فقهاء مذهبه، يعاقب أو يؤدب سواء قصد أذيته أو لم يقصد، وذلك صيانة لسلطة أهل الشر والعدوان على أعراض البراء والصلحاء( ). ويؤيد ذلك ما ورد عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله فيمن قال لغيره:"يا فاسق، يا لص"إن كان من أهل الصلاح، ولا يعرف بذلك، فعلى القاذف التعزير، لأن الشين يلحقه إذا كان بهذه الصفة، وإن كان يُعرف لم يعزر( ).
الحالة الثانية: أن يكون المتهم مجهول الحال عند الحاكم أو الوالي، لا يعرفه ببر ولا فجور، فإذا أدُّعي عليه تهمة( )، فهذا يُحبس حتى ينكشف حاله، ويتبين للحاكم أمره عند عامة علماء المسلمين( ).
جاء في معين الحكام: (القسم الثالث: أن يكون المتهم مجهول الحال عند الحاكم والوالي لا يعرفه ببر ولا فجور، فإذا ادُّعي عليه تهمة، فهذا يُحبس حتى ينكشف حاله، هذا حكمه عند عامة علماء الإسلام والمنصوص عند أكثر الأئمة)( ).
الحالة الثالثة: أن يكون المتهم معروفاً بالفجور، كالسرقة، والقتل، وقطع الطريق، والزنا، فهؤلاء لابد أن يكشفوا ويستقصي عليهم بقدر تهمتهم وشهرتهم بذلك، وربما كان التعزير بالضرب والحبس دون الضرب على قدر ما اشتهر عنهم( ).
يُفهم من ذلك أن الفقهاء قد أجازوا تعزير المتهم المعروف بالفجور بموجب القرينة، إذا دلت هذه الأخيرة على ارتكابه للجريمة. وهذا النوع من المتهمين يجوز حبسه، لأنه إذا جاز حبس مجهول الحال، فإن حبس هذا يكون أولى ( ).
هذا، وفضلاً عما سبق، فقد استدل الفقهاء على جواز تعزير المتهم المشهور بالفجور إذا دلت القرائن على ارتكابه للجريمة لحمله على الاعتراف بها، بما يلي:
(ا) ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة ثم خلّى سبيله( ).
(ب) ما روى عراك بن مالك أن رجلين من بني غفار أقبلا حتى نزلا منزلاً يضجنان من مياه المدينة، وعندهما ناس من غطفان معهم ظهر لهم، فأصبح الغطفانيون وقد فقدوا بعيرين من إبلهم، فاتهموا الغفاريين، فأتوا بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكروا له أمرهم، فحبس أحد الغفاريين، وقال للآخر: (اذهب فالتمس)، فلم يك إلا يسيراً حتى جاء بهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الغفاريين: حسبت أنه قال للمحبوس: (استغفر لي)، فقال: غفر الله لك يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم : (ولك وقتلك في سبيله)، قال: فقتل يوم اليمامة( ).
ففي الحادثة السابقة حبس النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما اعتماداً على قرينة مبيتهما بالقرب من أصحاب الإبل، فهذا يدل على جواز تعزير المتهم لحمله على الاعتراف، أو للكشف عنه خاصة إذا دلت القرائن على ارتكابه للجريمة( ).
وترتيباً على ما سبق، فقد ذهب العلماء والباحثين المعاصرين، إلى القول بجواز تعزير المتهم بموجب الدليل المستمد من قرينة البصمة الوراثية، وذلك تخريجاً على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء والأئمة من جواز تعزير المتهم المعروف بالفجور بموجب القرينة( ).
ولم يشذ عن ذلك سوى الأباضية، حيث خالفوا جمهور الفقهاء، وقالوا: بعدم جواز ضرب المتهم لحمله على الاعتراف بجريمته، ولو قويت التهمة، نظراً لأن التعزير شأنه شأن الحدود يسقط بالشبهات( ).
ولا شك أن الراجح، هو رأي جمهور الفقهاء لقوة أدلتهم وسلامتها عن المعارض، فضلاً عن وجود فوارق متعددة بين الحدود والتعزير مما يجعل القياس بينهما أمراً متعذراً.
المطلب الثاني
إثبات التعزير بموجب قرينة البصمة الوراثية في القانون المقارن
التعزير كوسيلة لمعاقبة المتهمين على النحو الذي عرض له الفقه الإسلامي، لم تعرفه القوانين الوضعية، إلا أنه لا يفهم من ذلك عدم وجود هذا النوع من العقوبات في تلك القوانين الوضعية، بل يوجد فيها مصطلحات عديدة كلها تدخل في عموم لفظ التعزير، وذلك كالتحقيقات الأولية أو الابتدائية، وحبس المتهم على ذمة التحقيق(الحبس الاحتياطي)، أو القبض والاحتجاز والتوقيف... فكل هذه المصطلحات تتشابه فيما بينها وتلتقي مع لفظ التعزير من حيث الواقعية، إذ ينطوي جميعها على معاقبة الشخص بالحبس فترة من الزمن قد تطول أو تقصر( ).
هذا، وقد رأينا فيما سبق، أن المشرع الفرنسي قد نصَّ صراحة في المادة(226-28) من قانون العقوبات الجديد الصادر عام1994م على جواز استخدام البصمات الوراثية في إطار الإجراءات الجنائية الفرنسي، أن يستند الأمر بالحبس الاحتياطي إلى أسباب واقعية، تتمثل في قرائن تدل على وقوع الجريمة ونسبتها إلى المتهم، إضافة إلى الوقائع التي تُبرر اتخاذ هذا الإجراء، فهذه القرائن والوقائع الأخرى هي التي تُلقي ظلالاً من الشك حول أصل البراءة، وتُجوِّز أو تبرر المساس به دون هدمه( ).
وهذا ما أخذت به صراحة المحكمة الاتحادية العليا في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث قضت بأن:
(المستفاد من مصادر الفقه المالكي، أنه إذا كانت التهمة قوية، أقرب للثبوت ولم تتحقق تحققاً يوجب القسامة، فإن المتهم يُحبس حبساً قد يطول، إلى أن يتم استكمال التحقيق حتى يستوي الدليل على سوقه بتحقيقه وتقويته إلى الحد المقبول شرعاً، أو إلى أن تثبت براءة المتهم، وذلك في شأن معتادي الإجرام، والمعروفين بالفجور، فأمثالهم لا يُطلق سراحهم أثناء استكمال إجراءات التحقيق، ولا يُكلفون، وهذا ما يعرف بالحبس الاحتياطي أو التوقيف، وهو ما يُستنبط من مصادر الفقه المالكي المختلفة، ومن ذلك تبصرة الحكام لابن فرحون والبهجة في شرح التحفة، وشروح خليل المتعددة( )، فهذا الحبس لم يتقرر باعتباره عقوبة، إذ أنه يلزم في العقاب توافر الأدلة المعتبرة شرعاً، وإنما تقرر لكشف حالة المتهم والاستيثاق من كونه ارتكب الجريمة فعلاً أم لا. وهذا يتعلق بتحقيق الدليل والمحافظة عليه، والحكمة منه عدم هروب المتهم أو تأثيره على الأدلة وترويع الشهود في حالة إطلاق سراحه) ( ).
المطلب الثالث
موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن
بعد الحديث عن موقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي من إثبات التعزير بموجب قرينة البصمة الوراثية، فإنه يمكننا أن نقرر أن:
فقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانوا قد اختلفوا في جواز إثبات موجب الحدود والقصاص بالقرائن (البصمات الوراثية)، إلا أنهم لم يختلفوا في جواز إثبات التعزير بموجب قرينة البصمة الوراثية( ).
فإذا قامت القرينة على ارتكاب شخص معين لجريمة موجبة للتعزير، فإنه يُعزر اعتماداً على هذه القرائن. جاء في البحر الرائق:
(ومن يوجد في بيته الخمر وهو فاسق، أو يوجد القوم، مجتمعين عليها
ولم يرهم أحد يشربونها، غير أنهم جلسوا مجلس من يشربها لا يُحدون
وإنما يُعزّرون) ( ).
ويتفق القانون الوضعي وشراحه في هذا الشأن مع فقهاء الشريعة الإسلامية، حيث أجازت القوانين الوضعية إثبات التعزير أو الحبس الاحتياطي بالبصمات الوراثية (القرائن)، وإن كان القانون الوضعي لم يعرف مصطلح التعزير بالمفهوم المعروف في الفقه الإسلامي، ولكنه قد عرف مصطلحات أخرى (كالحبس الاحتياطي، والقبض، والتوقيف، والاحتجاز، والتحقيقات الأولية أو الابتدائية والغرامات المالية...وغيرها) تلتقي من حيث الواقعية في معنى التعزير ومسماه.
فقهاء المذاهب الأربعة يعملون بمقتضى الحكم بالقرائن:
الواقع أن العمل بالقرائن أمر لا محيد عنه، وقلَّ أن تجد عالماً من العلماء استطاع أن يتجنب الأخذ بالقرائن كلية، وحتى الذين صرحوا بعدم قبولها كدليل صالح لبناء الأحكام عليها، عملوا بها في الكثير من المواضع، ومن يستقرئ كتب الفقه الإسلامي، يجد مسائل لا حصر لها اعتمد فيها فقهاء المذاهب الأربعة على قرائن الأحوال، وإليك بعضاً من هذه المسائل:
أولاً: يرى الفقهاء جميعاً جواز اتصال الرجل جنسياً بالمرأة التي أهديت إليه ليلة الزفاف، إذا كان لا يعرفها، وإن لم يشهد عنده عدلان من الرجال أن هذه فلانة بنت فلان التي عقد عليها، وإن لم يستنطق النساء أن هذه زوجته، وذلك اعتماداً على القرينة الظاهرة المنزلة منزلة الشهادة.
ثانياً: جواز الاعتماد على قول الصبيان المرسل معهم بالهدايا، وإنها مرسلة إليهم، فتقبل أقوالهم، ويجوز أكل الطعام المرسل به.
ثالثاً: قبول الشهادة على القتل والحكم على القاتل بالقصاص، إذ قال الشهود: إن الجاني قتل المجني عليه عمداً وعدواناً، مع أن العمدية صفة قائمة بالنفس لا يعلم بها إلا الله، ومع ذلك قُبلت الشهادة اعتماداً على القرائن الظاهرة، كاستخدام آلة تقتل غالباً، وإتباع الجاني للمجني عليه، وما أشبه ذلك مما استوحى منه أن الجاني تعمد القتل.
رابعاً: الحكم على الخنثى بأنه رجل أو امرأة بناءً على الأمارات التي تدل على ذلك.
خامساً: اعتبار سكوت البكر موافقة منها على الزواج، والسكوت ليس إلا قرينة على رضاها.
سادساً: جواز أخذ ما يسقط من الإنسان إذا لم يعرف صاحبه مما لا يتبعه الإنسان كالفلس، والثمرة ونحو ذلك.
سابعاً: جواز أخذ ما يبقى في البساتين والمزارع من الثمار والحب بعد انتقال أهله عنه، وتخليته، وتسيبه.
ثامناً: جواز أخذ ما يسقط من الحب عند الحصاد مما لا يعتني صاحب الزرع بلقطه.
تاسعاً: يجوز للضيف أن يُقدم على الأكل إذا قدّم له صاحب المنزل الطعام وإن لم يأذن له باللفظ، إذا علم أن صاحب الطعام قدمه له خاصة، وليس هناك غائب يُنتظر حضوره، اعتباراً بدلالة الحال الجارية مجرى القطع.
عاشراً: القضاء بالنكول (الامتناع عن اليمين) واعتباره في الأحكام، وهذا ليس إلا رجوعاً إلى مجرد القرينة الظاهرة، فقدمت على أصل براءة الذمة.
الحادية عشر: قبول أيمان الأولياء في القسامة، والحكم على المتهم بالقود أو الدية على الخلاف في ذلك، مع أن الأولياء لم يشاهدوا القتل، وإنما اعتمدوا على اللوث، وهو ليس إلا قرينة تدل على ارتكاب المدعى عليه للقتل.
الثانية عشر: إقرار المريض مرض الموت لوارث أو صديق ملاطف، لا يُقبل عند المالكية، لقيام قرينة التهمة في قصده نفع الوارث، أو إيصال ذلك لبعض الورثة على يد صديقه.
الثالثة عشر: إذا تنازع الزوجان في متاع البيت، ولا توجد بينة، فجمهور الفقهاء يرون أن للرجل ما يعرف للرجال، وللمرأة ما يعرف للنساء.
الرابعة عشر: إذا ادعت الزوجة أن زوجها لم يكن ينفق عليها فيما مضى من الزمان وهما في بيت واحد، فلا يُقبل قولها عند مالك، وأحمد، لأن وجودهما في بيت واحد قرينة دالة على كذبها.
الخامسة عشر: الشرب من المصانع الموضوعة على الطرقات وإن لم يعلم الشراب إذن أربابها في ذلك لفظاً، اعتماداً على دلالة الحال.
السادسة عشر: جواز دفع اللقطة لواصف عفاصها ووكائها اعتباراً بالعرف.
فهذه أمثلة على بعض المسائل التي حكم الفقهاء فيها بالقرائن المجردة، أوردتها إتماماً للفائدة وللدلالة على أن جميع الفقهاء أصحاب المذاهب الأربعة قد عملوا بالقرائن حتى الذين صرحوا بعدم قبول القرينة كدليل صالح لبناء الأحكام عليها( ).
المبحث الرابع
المشاكل والصعوبات التي يثيرها استخدام البصمة الوراثية
كدليل علمي في الإثبات
تمهيد وتقسيم:
لكي يكون الدليل المستمد من تحليل الحامض النووي D.N.A مقبولاً، يجب أن تكن وسيلة الحصول عليه مشروعة، بمعنى أنه يجب أن تكون الإجراءات التي اتبعت للحصول على الدليل مطابقة للإجراءات المنصوص عليها قانوناً، فإذا كان الدليل قد وصل إلى القضاء بوسيلة غير مشروعة، أنهار وأصبح لا قيمة له.
واستخدام الحامض النووي (البصمة الوراثية) كدليل علمي في الإثبات، يثير بعض المشاكل والصعوبات، فقد يتمسك الخصم بأن الخضوع لهذا الفحص الوراثي، أمر يتعارض مع قاعدة عدم جواز إجباره على تقديم دليل ضد نفسه، أو أن الأخذ بتحليل البصمة الوراثية كدليل في الإثبات والتعرف على الأشخاص يتجافى مع أحكام الشريعة الإسلامية، بل إن الخصم قد يحتمي بمبدأ معصومية الجسد تهرباً من الكشف عن الحقيقة( ).
ولذا، فإنه من المتوقع أن يختلق الخصم بعض العقبات التي يحاول بها الإفلات من الخضوع للفحص الجيني واختبارات الوراثة، ولا سيما عندما يكون سيء النية.
وبناءً على ذلك، سوف نقسم هذا المبحث إلى مطالب ثلاثة،
المطلب الأول: الإثبات بالبصمة الوراثية ومدى جواز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه المطلب الثاني: الإثبات بالبصمة الوراثية والحق في السلامة الجسدية(مبدأ معصومية الجسد)
المطلب الثالث: الإثبات بالبصمة الوراثية وحرمة الحياة الخاصة.



المطلب الأول
مدى جواز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه
تقوم قاعدة عدم جواز إجبار الخصم على تقديم دليل تحت يده يستفيد منه خصمه على أساس تصور معين للخصومة، وهو أنها معركة يدافع فيها كل خصم عن مصالحه دون أن ينتظر معاونة الآخر بتقديم ما يكون تحت يده من أدلة تفيده في ادعاءاته، ومن هنا جاء وصف موقف أحد الأطراف بالسلبية، فالطرف الواقع عليه عبء الإثبات يخسر الدعوى إذا ما عجز عن تقديم الدليل الذي يؤيد ادعاءه، في حين يكسبها الطرف الآخر ذو الموقف السلبي، حتى ولو كانت الشكوك تحيط بسلامة موقفه( ).
ويتمشى هذا التصور مع اعتناق مبدأ حياد القاضي، ذلك المبدأ الذي يجعل موقف القاضي سلبياً هو الآخر، فلا إلزام عليه بتكليف الخصوم بتقديم الدليل على دفاعهم، أو لفت نظرهم إلى مقتضيات هذا الدفاع، فهو يتلقى أدلة الإثبات والنفي كما يقدمها أصحاب الخصومة، وفقاً للإجراءات التي يعينها القانون، دون تدخل من جانبه، وإذ يحكم بناء عليها، فإنه يلتزم بقوة كل دليل كما حدده القانون( ).
وهكذا، ينتهي الأمر إلى تحميل أحد الخصوم عبء إثبات تقديم الدليل على ما يدعيه، دون أن يطمع في معونة القاضي له في البحث عن دليل يؤيده، ولا أن يأمل في جبر خصمه، الطرف الآخر في معركة الإثبات، على أن يبرز ما يكون في حيازته من أدلة( ).
على أنه إذا كانت القاعدة، هي أنه لا يجوز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه، إلا أنه أجيز للخصم، استثناء من تلك القاعدة- في ثلاث حالات، أن يطلب إلزام خصمه بتقديم أي محرر منتج في الدعوى يكون تحت يده. وهذه الحالات، هي:
1- إذا كان القانون يجيز مطالبته بتقديمه أو تسليمه، ومثال ذلك: ما نص عليه القانون التجاري المصري في المادة 16 والتي تجيز في حالات معينة أن تأمر المحكمة من تلقاء نفسها بتقديم الدفاتر والإطلاع عليها لإثبات حق مدع به.
وكذلك ما نص عليه في المادة 18أيضاً، حيث تجيز للمحكمة أن تأمر من تلقاء نفسها، في أثناء الخصومة، بتقديم الدفاتر لتستخرج منها ما يتعلق بهذه الخصومة( ).
2- إذا كان مشتركاً بينه وبين خصمه، ويعتبر المحرر مشتركاً، على الأخص، إذا كان المحرر لمصلحة الخصمين، أو كان مثبتاً لالتزاماتهما وحقوقهما المتبادلة( ). وذلك كما هو الحال بالنسبة للمستندات المتعلقة بأعمال شركة بين خصمين( ).
3- إذا استند إليه خصمه في أي مرحلة من مراحل الدعوى، ويتصل بهذا الحكم أن الخصم إذا قدم محرراً للاستدلال به في الدعوى، فلا يجوز له سحبه بغير رضاء خصمه، إلا بإذن كتابي من القاضي أو رئيس الدائرة بعد أن تحفظ صورة منه في ملف الدعوى يؤشر عليها قلم الكتاب بمطابقتها للأصل( ).
ويلاحظ، أن هذه الحالات الثلاث السابقة واردة على سبيل الحصر، وقد قضت محكمة النقض المصرية في هذا الشأن بأنه:
(متى كانت المذكرة أو المكاتبات التي طلب الطاعن إلزام المطعون عليها بتقديمها لا تندرج تحت أية حالة من هذه الحالة، فإن الحكم المطعون فيه إذا رفض إجابة طلب الطاعن، لا يكون قد خالف القانون أو عاره القصور) ( ).
وعلى الرغم من توافر إحدى الحالات الثلاثة المتقدمة، فإن للمحكمة سلطة تقديرية في إجابة أو رفض إلزام الخصم أو الغير بتقديم ما لديه من أوراق منتجة في الدعوى. فللقاضي أن يرفض الطلب إذا رأى أنه غير جدي، أو غير منتج في الدعوى، أو أنه يتعلق بأسرار عائلية لا ينبغي الكشف عنها، أو أن ما يوجد في الدعوى من أوراق وأدلة أخرى، يكفي لتكوين عقيدته( ).
ويجب على الخصم أن يطلب من القاضي، إلزام حائز المستند – خصمه أو الغير- بتقديمه، وليس للقاضي أن يأمر من تلقاء نفسه بتقديمه، فتعتبر المادة20من قانون الإثبات المصري رقم 25لسنة 1968م، تقريراً للحق في الإثبات، لا أخذاً من الشارع بنظام الاستقصاء في الإثبات( ).
وجدير بالذكر أن المشرع الفرنسي، قد اتخذ موقفاً أكثر صراحة وجرأة من غيره من القوانين، فقد نصت المادة العاشرة من القانون المدني والمعدلة بالقانون رقم62-626الصادر في 5يوليو سنة 1972م، على التزام كل فرد بأن يقدم مساعدته إلى العدالة بهدف إظهار الحقيقة، ومن يتهرب، دون مبرر مشروع، من هذا الالتزام، عندما يطلب منه ذلك، يجوز إجباره على التنفيذ عن طريق فرض غرامة تهديدية، أو غرامية مدنية( ).
فهذا النص يشكل قاعدة عامة تخلق التزام يقع على عاتق الجميع بالعمل للوصول إلى الحقيقة بأسرع وأسهل الطرق( ).
وهكذا، يتبين أن الخصوم أنفسهم مكلفون بالتعاون في الكشف عن الحقيقة، وهو التزام تضعه المادة 11 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي الجديد، حيث تنص على إلزام الأطراف بأن يتقدموا بمساعدتهم في إجراء التحقيق... وإذا كان بحوزة أحد الأطراف دليل إثبات، جاز للقاضي، بناء على طلب الطرف الآخر، أن يلزمه بتقديمه( ).
هذا كله في نطاق الإثبات في المواد المدنية أو التجارية، وتخص فقط الإلزام بتقديم مستند أو محرر تحت يد أحد الخصوم أو أحد الأغيار، ولكن في مجال القانون الجنائي، فإن الأمر يختلف بعض الشيء، لأنه لن يخلو من التدخل على جسم المتهم ( )، مما قد يمثل اعتداء على حريته الشخصية. والتساؤل الذي يثور: ما هو الحل إذا رفض المتهم نزع عينة من جسمه؟
انتهت الأنظمة الأجنبية التي ناقشت هذه المسألة إلى أن هناك ثلاثة خيارات يمكن الأخذ بإحداها في هذا الخصوص، وهذه الخيارات، هي:
الخيار الأول: هو معاقبة الرفض في حد ذاته، كما في حالة رفض أخذ عينة من الدم على أثر مخالفة مرورية، هي المنصوص عليها في قانون محلات بيع الخمور إلا أن هذا الخيار، قد تعرض لسهام النقد، لأنه كان يجب أن تكون العقوبة التي توقع في حالة رفض المثول لاختبار تحليل الـ D.N.A مساوية لتلك العقوبة التي سيتهم توقيعها عليه في حالة مطابقة عينته للعينة التي عثر عليها. ففي هذه الحالة قد تحث هذه العقوبة المتهم على التعاون والمثول للاختبار( ).
الخيار الثاني: هو عدم معاقبة رفض الخضوع لتحليل البصمة الوراثية، ولكن يترك الأمر لتقدير القاضي ليقرر ما إذا كان هذا الرفض يعد دليلاً على ارتكاب الجريمة من عدمه( ).
إلا أن هذا الخيار هو الآخر مردود، حيث أنه يمكن أن تكون لدى المتهم أسباباً معقولة تبرر رفضه، كما أنه لا يمكن اعتبار هذا الرفض دليلاً ملموساً. فضلاً عن أن هذا الخيار يتعارض تماماً مع نظام حرية الأدلة، وهو النظام الساري في مختلف الدول الأوروبية، وبالتالي لا يمكن اعتبار رفض التعاون دليلاً قاطعاً على مسؤولية المتهم، الذي لا يمكن مساءلته إذا جاءت اختبارات العينة التي أخذت منه مطابقة لتلك العينة التي عثر عليها على جسم المجني عليه( ).
الخيار الثالث: هو إجبار المتهم على الخضوع لاختبارات البصمة الوراثية D.N.A( )، لا سيما وأن التدخل يتمثل في مجرد استقطاع شعره من البدن أو من فروة الرأس، أو قطع جزء من أحد الأظافر، أو شكة(وخزة) إبرة في طرف الإصبع للحصول على عينة.
والواقع، أن الخيار الأمثل للوصول إلى الحقيقة، هو إجبار المتهم وإكراهه على الخضوع لتحليل البصمة الوراثية إذا ما رفض الخضوع اختيارياً، شريطة أن يتم ذلك بمعرفة طبيب مختص، وبناء على قرار بذلك من النيابة العامة أو من قاضي التحقيق، وأن تتوافر دلائل كافية على ارتكاب المتهم جناية أو جنحة، وسندنا في هذا الترجيح الأدلة الآتية:
1- أنه إذا كان الدستور المصري، يجرم إجراء تجارب طبية أو علمية على بدن الإنسان بغير رضائه الحر( )، إلا أن مثل هذا الحق لا يحول دون إلزام الفرد بالخضوع للتدابير الصحية التي يفرضها القانون متى كانت تتخذ بمراعاة الاحترام اللازم لشخصه وإيفاء لمتطلبات الحياة الاجتماعية. وتتضمن القوانين عديداً من النصوص التي تلزم بالخضوع لتدابير صحية معينة، وخاصة عند انتشار الأوبئة، بالإضافة إلى إجراء التحاليل الطبية، كما في حالة مرض الإيدز. كذلك تلتزم اللوائح المدرسية التلاميذ بالخضوع لفحوص طبية معينة، بل قد يصل الأمر إلى حد عدم السماح بالالتحاق بالمدارس أو الكليات العسكرية إلا بعد الخضوع لكشف طبي( ).
2- أن الحصول على عينة من دماء المتهم بمجرد وخزة إبرة، أو استقطاع شعره من البدن أو من فروة الرأس، لا تسبب له آلاماً جسيمة.
3- يمكن قص أظافر المتهم بارتكاب جرائم استعملت فيها مواد سامة وإرسال الأظافر لتحليلها( ).
4- في دعاوى البنوة، يجوز للمحكمة أن تأمر بتحليل الدم، كما يجوز لها أن تأمر بإجراء فحوص طبية في دعاوى إبطال الزواج بسبب العنة أو عدم الفحولة.
5- أن الكشف الطبي يعتبر من الإيضاحات التي يجب على مأمور الضبط القضائي أن يقوم بجمعها طبقاً للمادة 24 من قانون الإجراءات الجنائية.
6- في نطاق علاقات العمل، يجوز أن يخضع العامل للفحوص الطبية الجسمانية والنفسية التي يقتضيها التأكد من لياقة العامل وحسن أدائه للعمل المسند إليه.
7- يمكن إخضاع الشخص للتحصين الإجباري ضد بعض الأمراض المعدية( ).
8- أن من غير المنطقي أن ندلل المتهم الذي قامت دلائل كافية على ارتكابه جناية أو جنحة، فمصلحة المجتمع- في هذه الحالة – أسمى من مصلحة المتهم.
9- أن هناك إجماع من الفقه( ) على مشروعية عملية غسيل المعدة للوقوف على ما تحويه من آثار تفيد في كشف الحقيقة، لأن هذا الإجراء يتصل أساساً بالخبرة الطبية( ).
10- للمحقق أن يستعين بأية وسيلة عملية مشروعة مفيدة في الإثبات طالما توافرت دلائل جديدة على ارتكاب المتهم لجريمة معينة، بشرط ألا تنال من حرية الأفراد، ولو لم يرد لها ذكر في القانون، مثل عملية العرض على الكلاب البوليسية( ).
11- إذا كانت القاعدة، أنه لا يمكن إجبار المتهم على أن يقدم دليلاً ضد نفسه، فإن لهذه القاعدة استثناءات في حالة القبض على المتهم، أو أخذ بصمته أو عينة منه أو تفتيشه أو عرضه عرضاً قانونياً على شهود الرؤية للتعرف عليه وإخضاعه للكشف الطبي والفحوص البيولوجية. فلا شك في أن إجراء الفحوص الطبية أو أخذ عينات من جسم المتهم – وهو إجراء ضروري في بعض الجرائم- من أجل مقارنتها بما يماثلها مما عثر عليه من بقع دم أو مخلفات آدمية على مسرح الجريمة، يعتبر اعتداء على حق المتهم في سلامته الجسدية، إلا أن مثل هذه الإجراءات لا يمكن مقارنتها بالضرر الذي سببه الجاني بارتكابه الجريمة، ولذلك يسمح القانون بإخضاع المتهم لأعمال تمس سلامته الجسدية- في سبيل رعاية مصلحة جديرة بالاعتبار – تحقيقاً للأمن والعدالة( ).
ومثال ذلك: إحالة الإثبات الجنائي بالنسبة لقائد السيارة المتعاطي للخمور( ).
وعلاوة على ما سبق، فإن مبدأ عدم جواز إجبار المتهم على تقديم دليل ضد مصلحته، لا يطبق إلا على الأقوال الشفوية (الاعتراف وشهادة الشهود)، وليس على الوسائل القسرية في الإجراءات الجنائية المخصصة لإجبار المتهم على الإقرار.
وهكذا، فإنه من الواضح أن المشرع يعطي الخصم الحق في أن يجبر خصمه بتقديم ما تحت يده من أدلة تساعد على إظهار الحقيقة، وهذا معناه: أن نطاق الأدلة التي يجوز للخصم إجبار خصمه على تقديمها يمتد ليشمل المساس بجسم الإنسان، كما هو شأن الحصول على عينة أو خلية من الجسم لفحصها. وهذا يؤدي بنا إلى دراسة صعوبة أخرى تكمن في مبدأ معصومية الجسد، وهو ما نفصله في المطلب القادم.
المطلب الثاني
الإثبات بالبصمة الوراثية والحق في السلامة الجسدية
تمهيد وتقسيم:
(مبدأ معصومية الجسد) ( )
يقتضي تحليل الاختبارات الجينية(البصمة الوراثية) الحصول على خلية من جسم الإنسان، لأنه في ظل الوضع العلمي الحالي لا يمكن إجراء هذه الاختبارات إلا على الدم والحيوانات المنوية والشعر أو أي نسيج خلوي( ). وعليه، فلا بد من اقتطاع جزء من الجسم حتى يمكن إجراء اختبار الحامض النووي D.N.A، مما يعتبر مساً بالسلامة الجسدية للمتهم ( ). (والذي يمثل إحدى القيم العليا لأي مجتمع متحضر) والتي يحميها القانون( ).
وسوف نحاول فيما يلي تبيين وإيضاح موقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي من هذه المسألة الدقيقة.
الفرع الأول
موقف الفقه الإسلامي
لقد حرصت الشريعة الإسلامية على صون الجسد البشري من أي اعتداء أياً كانت غاية الاعتداء، وذلك استناداً إلى أن الحق في الحياة وسلامة الجسد حق مشترك بين العبد وربه، يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام:
(وكذلك جناية الإنسان على أعضاء نفسه يتفاوت إثمها بتفاوت منافع من جنى عليه، وبتفاوت ما فوته على الناس من عدله وبره وإنصافه ونصرته للدين، وليس لأحد أن يتلف ذلك من نفسه، لأن الحق في ذلك كله مشترك بينه وبين ربه) ( ).
كما أن إسقاط الإنسان لحقه فيما اجتمع فيه حقه وحق الله مشروط بعد إسقاط حق الله( )، لأن الله تعالى تفضل على عباده، فجعل ما هو حق لهم لا ينتقل الملك فيه إلا برضاهم، ولا يصح الإبراء منه إلا بإسقاطهم، كما أن ما هو حق الله تعالى لا يتمكن العبد من إسقاطه، والإبراء منه، بل ذلك يرجع إلى صاحب الشرع، فكل واحد من الحقين موكول لمن هو منسوب إليه ثبوتاً وإسقاطاً( )، وقد حرم الله تعالى القتل والجرح صوناً لمهجة العبد وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه( ). ومن ثم فقتل الإنسان أو قطع عضو من أعضائه لا يحتمل الإباحة بغير حق، وكذلك كل فعل من شأنه أن يؤدي إلى المساس بسلامة الإنسان – كأخذ عينة أو خلية من جسم المتهم لإجراء تحليل D.N.A – والإضرار بتكامل بنيانه وكيانه الإنساني ( ).
ومما تقدم يتضح أن، استخدام البصمات الوراثية في المجالات المدنية والجنائية، يجب أن ينأى عن المساس بجسد المتهم، إلا أن الأمر يختلف عما إذا كان الحال متعلقاً بالمصلحة العامة، أو عند تعارض حق المتهم مع حقوق أخرى تتصل بقيم على مستوى عال من الأهمية لا تقل عن مبدأ حرمة الجسد، ومن ذلك: إثبات النسب، فإنه تتعلق به حقوق مشتركة بين الله تعالى، وبين الأم، والأب، والولد.
ووجه كون ثبوت النسب حقاً لله تعالى، فلأنه يتصل بحرمات أوجب الله رعايتها. وهذه الرعاية لن تتأتي إلا بالمحافظة على الأنساب وما يشهد على كونه حقاً من حقوق الله تعالى أن تقبل الشهادة فيه حسبة( )، أي من غير أن تكون هناك دعوى من المدعي.
أما وجه كونه حقاً للأم، فلأن في إثبات نسب الولد من أبيه ما يدفع عنها تهمة الزنا، ودفع العار عنها، وعن أسرتها، ولئلا تعير بولد ليس له أب معروف( ).
وأما وجه كونه حقاً للأب، فلأنه يترتب على ثبوت نسب الولد منه ثبوت ولايته عليه ما دام صغيراً، وحق ضمه إليه عند انتهاء حضانة الأم له، وحق إرثه أن مات الولد قبله، وحقه في إنفاق الولد عليه ما دام الأب محتاجاً والابن قادراً( ).
وأما وجه كونه حقاً للولد، فلأنه محتاج إليه دفعاً للعار عن نفسه بكونه ابن زنى، ولأنه يرتب له حقوقاً بينها الشرع الحنيف، كما بينتها له القوانين الوضعية، كحق النفقة والحضانة والإرث...إلخ( ).
والواقع، فإن حق الطفل في النسب، بأن يكون له أب وأم يعرف بهما، من أهم الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية( )، وهو أقوى من حق الأبوين فيه، ولهذا فإن حقه في ذلك لا يسقط باتفاق الزوجين على إسقاطه( ).
وتفريعاً على ما تقدم، اتجه جانب من الفقهاء المعاصرين( ) إلى القول بأنه: إذا كان الأصل في الشريعة الإسلامية عدم جواز المساس بجسم الإنسان، إلا أنه يجوز استثناء الخروج على هذا الأصل، واللجوء إلى أخذ عينة بيولوجية من جسم المتهم بهدف الإثبات المدني، إذا كان ذلك متعلقاً ومتصلاً بالمصلحة العامة، خاصة وأن اختبارات البصمة الوراثية D.N.A، تقدم الدليل على نفي النسب أو إثباته بطريقة لا تقبل الشك.
كما يرى أصحاب هذا الاتجاه أن اللجوء إلى اقتطاع جزء من الجسد حتى يمكن اختبار الحامض النووي إن كان جائزاً استثناءً في الإثبات المدني، فإنه يكون أولى بالجواز في التحقيقات الجنائية وفي الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص، والذي يتجه أساساً إلى تحقيق المصلحة العامة، إذ ما من جريمة فيها اعتداء على الأفراد، إلا وتضمنت في ثناياها خدشاً للناموس الاجتماعي، يستوي في ذلك جميع الجرائم الكبائر والصغائر، فأما الكبائر كالقتل مثلاً، فإن الشرع الحنيف يعتبره اعتداء على حق الحياة، وهو حق مشترك بين الجميع، من انتهك حرمته، فقد انتهك حرمة الجميع. وأما الصغائر كالسب، فإنه وإن انصب ابتداء على الآحاد والأفراد، إلا أنه يمتد انتهاءً إلى الجماعة، إذ ينشر الفساد ويجعل المظهر العام للبيئة غير فاضل، وذلك فوق ما يؤدي إليه من جرح للإحساس العام، وإزعاج للنفوس بقرع الأسماع بالعبارات النابية، وصدام الأبصار بالمناظر المؤلمة( ).
وفي ضوء ما تقدم، فإننا نرى وجاهة هذا الاتجاه الذي يجيز اللجوء استثناء من الأصل العام، إلى أخذ عينة أو خلية من جسم المتهم حتى يمكن إجراء اختبار الحامض النووي D.N.A، فهو إجراء لا تأباه أحكام الشريعة الإسلامية الغراء، وذلك بالضوابط الآتية( ).
1- إذا اقتضته ضرورة التقاضي.
2- إذا كان النزاع أو التهمة مما يصح فيه الاستدلال بالبصمة الوراثية.
3- إذا لم يتعارض القضاء أو الاستدلال بالبصمة الوراثية مع دليل أقوى، أو دليل ثبتت حجيته بنص.
4- الحفاظ على سرية المعلومات التي يكشفها الفحص الوراثي، والتي لا يتعلق بها النزاع.
5- أن يراعي أن إجراء الفحص الوراثي لا رغبة الخاضع له، وإن لم يتضمن مساساً أو إضراراً بجسده، إلا أنه ضرر على كل حال، ومن ثم يتعين أن يكون اللجوء إليه دفعاً لضرر أعظم في الواقعة محل التقاضي.
هذا، ونلفت النظر إلى أن هذا الاتجاه الذي أخذنا به وأيدناه ورجحناه، هو ذات الاتجاه الذي أخذ به وأقره مجمع الفقه برابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 21-26/10/1422هـ - الموافق 5-10/1/2002م، حيث جاء في قراره السابع الذي أجاز فيه استخدام البصمة الوراثية في التحقيقات الجنائية ما يلي:
(.... وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة...) ( ).


الفرع الثاني
موقف القانون المقارن
في مجال الجسد والإثبات، تختلف الحلول التشريعية بحسب الفلسفة التي ينطلق منها المشرع، وما إذا كانت نزعة فردية أم جماعية، فمبدأ حرمة الجسد الإنساني لا يزال يلقي بظلاله الكثيفة على فروع القانون المتعددة، وفي مجال الإثبات يصعب القول بالمساس بهذا المبدأ حتى ولو كان ذلك بدعوى الوصول إلى الحقيقة بطرق مؤكدة أو شبه مؤكدة، وفيما عدا تدخل المشرع لإقرار هذا التدخل – كاستثناء على المبدأ لا يرقى لهدمه أبداً – يقع القضاء في حيرة من أمره( ).
فأمام هذا التقدم العلمي الذي قد يقدم له، في بعض الفروض، إثباتاً أقرب إلى اليقين... يصطدم القاضي بمبدأ المعصومية في ثوب قدسيته التقليدي، الذي تأكد منذ وقت لم يكن فيه التقدم العلمي قد وصل إلى ما وصل إليه في عصرنا الحديث، وعلى القاضي في بحثه عن الحقيقة أن يحدد الأهمية الخاصة بكل مصلحة من المصالح المتعارضة على ضوء المبادئ العامة التي تحكم هذه المصالح والأغراض التي تسعى تلك المصالح إلى تحقيقها، ثم ينتهي إلى إضفاء الحماية القانونية على المصلحة التي تبدو جديرة بها من فصيلة تحليلية... ( ).
أمام هذا التقدم العلمي في مجال الإثبات يصح التساؤل حول مدى إمكانية الحصول على عينة أو خلية من جسم الإنسان حتى يمكن إجراء اختبار الحامض النووي D.N.A؟
فذهب البعض من الفقه القانوني، إلى أنه لا يجوز أخذ عينة من جسد المتهم، بهدف إجراء اختبارات البصمة الوراثية عليها، لمساس ذلك رحمة الجسد وتعارضه مع الحرية الفردية للأشخاص، فللفرد أن يمارس على كامل جسده سيادة تامة، وهي تعد شرطاً لحريته المعنوية، فللشخص وحده الحرية الكاملة في تقديم عينة بيولوجية للاختبارات الجينية أو رفض ذلك، حيث إن استقطاع شعرة من البدن أو فروة الرأس، أو قطع أحد الأظافر، يسبب بلا شك ألماً لصاحبه المستقطع منه، الأمر الذي يعد مساساً بحرمة الجسد( ).
ويتفق هذا الرأي مع ما قرره الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام1948م من:
حظر الفحص الكامل لشخص المجرم، سواء أكان بالغاً أم قاصراً عن طريق أي وسيلة بيولوجية معروفة في العلم المعاصر، في وقت إجراء الفحص( ).
إلا أن الفقه الغالب، سواء في مصر أو فرنسا، يرفض التسليم بحرفية ما جاء بوثيقة حقوق الإنسان، إذ من شأن هذا الاتجاه أن يضع عقبات في طريق التقدم الاجتماعي تعوق تطوره، خاصة وأن قانون العقوبات يحدد ما يعتبر جريمة، كما يحدد عقوبة لكل جريمة، ولكن توقيع العقاب يحتاج إلى دليل وبرهان، وقد تناول قانون الإجراءات الجنائية، تحديد الإجراءات التي يجب أن تلتزم بها سلطات التحقيق، وهي تنشد تلك الدليل، فإن تلك التشريعات قد جاءت بما يحمي حق المجتمع في أن يعيش في أمان واطمئنان، وحقه في ألا يفر مجرم من العقاب( )، وأن مصلحة العدالة وما تقتضيه من الكشف عن الحقيقة قد تفوق مصلحة المتهم في سلامة جسمه، خاصة وأن الإجراءات محل البحث في الغالب لا تحدث إضراراً أو مخاطر معينة( )، وفي جميع الأحوال، فإن التشريعات تحمي حقوق الأفراد، فلا يدان بريء( ).
والواقع، أنه يلزم علينا للإجابة على السؤال المتقدم أن نفرق بين فرضين:
الفرض الأول: والذي لا نحتاج فيه للتدخل على جسد المتهم، لأن الجاني قد ترك خلفه بعض الآثار التي قد تؤدي للتعرف عليه برفعها وتحليلها، وهنا لا نحتاج إلى موافقة أحد، وإن كان الأمر يستدعي الحرص والحذر من القائم على هذه العملية( )، وقد يصبح فحص التلوثات المنوية ذو فائدة أكبر إذا ما تم بالطريقة الحديثة التي تعتمد على فحص الحامض النووي D.N.A ( ).
الفرض الثاني: وهو الذي نحتاج فيه للتدخل على جسد المتهم لانتزاع دليل إدانته أو دليل براءته، وهنا هل يشترط موافقة المتهم لإتمام هذا الدخل؟
إن التمسك بمبدأ معصومية الجسد، يمثل عقبة في إجراءات التحقيق هنا، ولا شك أن التدخل على جسد المتهم لأخذ عينة من دمه أو لعابه أو جلده أو حتى شعرة من فروة رأسه أو جسده، كرهاً عنه، يعد انتهاكاً للمبدأ السابق، وقد ندخل في دائرة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. ولكن يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن هذا المبدأ والمنصوص عليه في أغلب دساتير وتشريعات الدول، ليست له حجية مطلقة، بل يمكن للمشرع أن يتدخل لتحديده أو تقييد إطلاقه في بعض الحالات.
فضلاً عن أن المتهم سيرفض دائماً هذا التدخل حتى لا نحصل على دليل قاطع بإدانته، من هذا المنطلق جاء نص المادة 27/2 من القانون الفرنسي المنظم لإجراءات التحقيق في المسائل المدنية أو المسائل الجنائية، والتي نصت على أنه:
(في المسائل الجنائية ليس مطلوباً الحصول على رضاء ذوي الشأن) ز كما أن المادة 156 من قانون الإجراءات الجناية الفرنسية تنص على أن:
(لكل فرد الحق في طلب إثبات ما يدعيه بواسطة الخبير، وفي هذه الحال يعود الأمر لقاضي التحقيق ليأمر بالقيام بالخبرة الطبية أو رفض ذلك حسب ما يتراءى له من ظروف القضية، وقراره في هذا الشأن غير قابل للاستئناف) ( ).
وعليه، فإنه يجوز – وبترخيص تشريعي – التدخل على جسد المتهم لانتزاع دليل إدانته بأخذ عينة من دمه أو جلده أو غيرهما، حتى ولو رفض المتهم ذلك( ).
ولسنا بحاجة إلى التذكر، بأن كل المعلومات التي يحصل عليها الخبير أو المحقق في مثل هذه الحالات يجب أن تستعمل فقط في خصوص التحقيق أو الجريمة محل التحقيق، وفي حدود الأشخاص المخول لهم الإطلاع على نتيجة هذا التحقيق أو متابعة سيره فحسب( ).
هذا، وقد نظم المشرع المصري ندب الخبراء للمساعدة في الإثبات في المادة 85 وما بعدها من قانون الإجراءات الجنائية، ونص على أنه: إذا استلزم إثبات الحالة الاستعانة بطبيب أو غيره من الخبراء، يجب على قاضي التحقيق( ) الحضور وقت العمل وملاحظته، وإذا اقتضى الأمر إثبات الحالة بدون حضور قاضي التحقيق نظراً إلى ضرورية القيام ببعض الأعمال التحضيرية أو تجارب متكررة أو لأي سبب آخر، وجب على قاضي التحقيق أن يصدر أمراً يبين فيه أنواع التحقيقات وما يراد إثبات حالته، ويجوز في جميع الأحوال أن يؤدي الخبير مأموريته بغير حضور الخصوم( ).
ثم نظمت المادة(86)بعض ضمانات حسن تأدية العمل من حلف اليمين وتقديم التقرير كتابة، وميعاد تقديم التقرير، وأيضاً حق المتهم في الاستعانة بخبير استشاري وتمكينه من الاطلاع على الأوراق والتقارير(88)، وأخيراً أسباب رد الخبراء وإجراءات الرد.
الفرع الثالث
موازنة بين الفقه الاسلامي والقانون المقارن
وهكذا، يتضح لنا مما سبق، أن التشريعات الوضعية قد اتفقت مع الفقه الإسلامي في تقرير مبدأ معصومية الجسد، حيث أن الأصل العام في كل منهما، هو عدم جواز المساس بجسم الإنسان تحت أي مسمى يمكن أن تطرحه معطيات التطور العلمي، إلا ما كان متضمناً لمصلحة راجحة للشخص كالعلاج والتداوي.
كما تتفق التشريعات الوضعية، كذلك، مع ما ذهب إليه البعض من فقهاء الشريعة المعاصرين – وهو ما أيدناه – من أنه يجوز استثناء من مبدأ معصومية الجسد، اللجوء إلى أخذ عينات من جسد المتهم كرهاً عنه – بعد موافقة السلطات المختصة – للحصول منها على دليل إدانته أو براءته، تحقيقاً للمصلحة العامة، وتقديماً لحق الجماعة على حق الفرد، وإعمالاً لقاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. ومما لا شك في أن هذه المصالح والحقوق السابقة تتصل بقيم على مستوى عال من الأهمية لا تقل عن مبدأ حرمة أو معصومية الجسد، ولذا فإنها تبرر الخروج عليه.
وذلك خلافاً لرأي آخر قانوني لا يجيز اللجوء إلى أية وسيلة تنتهك حرمة الجسد، أو أخذ عينات من جسد المتهم كرهاً عنه للحصول على دليل إدانته، نظراً لكونه يمثل نوعاً من الاعتداء على مبدأ حرمة الجسد.
المطلب الثالث
الإثبات بالبصمة الوراثية وحرمة لحياة الخاصة
تمهيد وتقسيم:
كفلت الأديان السماوية حرمات وحريات الإنسان قبل أن تكفلها الدساتير والقوانين، ولا تختلف هذه الحرمات وتلك الحريات في مضمونها من بلد إلى آخر، ولكن قد تختلف وسائل حمايتها.
ولا شك أن للإنسان خصوصياته التي يجب أن ينفرد معها إلى نفسه، وهو مطمئن إلى خلوته، مطمئن إلى أن أحداً لن يقطع عليه تلك الخلوة، أو يقتحم عليه خصوصياته، ومن هنا فإن استراق السمع والتصنت على الأحاديث الخاصة وتسجيلها يعتبر اعتداء صارخ على الحياة الخاصة( ).
إلا أن القوانين المختلفة عندما كفلت حماية تلك الحرمات للحياة الخاصة، لم يكن العلم قد كشف لنا عن وسائل وأجهزة علمية تقتحم على الإنسان خلوته، وتكشف الستار عما يدور في تلك الخلوة من حيث تليفوني أو يفض فيه من رسائل( ).
هذا، وإذا كانت البصمة الوراثية في الوقت الحاضر، توفر إمكانيات غير معهودة في التعرف على هوية الأشخاص، وإثبات البنوة أو نفيها، إلا أنها تحمل بين ثناياها مخاطر جمة من الانحراف في استخدام المعلومات الجينية المسجلة على الإسطوانات الخاصة بذلك، خاصة المتعلقة بالتاريخ المرضي الوراثي لأسرة ما( ). أو بعبارة أخرى: أن فحص الجينات الوراثية، وإن قدم خدمات جليلة في مجالي الإثبات والكشف عن شخصية الفرد، إلا أن هذا التقدم في المجال البيولوجي، بات يهدد لا شك حرية الأفراد وحرمة حياتهم الخاصة، فهذه المعلومات الخطيرة عن التاريخ الوراثي لكل شخص قد يساء استعمالها، أو قد تستخدم في غير الغرض المخصصة له من قبل.
ولذلك، فإننا نتساءل: إلى أي مدى يعتبر اختبار البصمة الوراثية D.N.A تدخلاً في الحياة الخاصة؟
هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه من خلال الفروع الثلاثة القادمة:
الفرع الأول: حرمة الحياة الخاصة في الفقه الإسلامي
الفرع الثاني: حرمة الحياة الخاصة( ) في القانون المقارن
الفرع الثالث: موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن

الفرع الأول
حرمة الحياة الخاصة في الفقه الإسلامي
إن الحق في الخصوصية، أو كما يعرف في النظام اللاتيني بالحق في الحياة الخاصة، يعرف بحق احترام سرية وخصوصية الأشخاص من أي تدخل مادي أو معنوي. وهو حق عميق الجذور من الوجهة التاريخية، ففي الكتب السماوية ثمة العديد من الإشارات للخصوصية تنطوي على اعتراف بحماية الشخص من أن يكون مراقباً( )، وثمة حماية للخصوصية في الشرائع اليونانية والصينية القديمة.
فللإنسان نفس وذات، وشعور وإحساس، وأعماق وأسرار، يجب أن تحترم، وألا يقتحم عليها حرمها وحماها، وقد حرص الإسلام على عدم اقتحام الذاتية الإنسانية فحرم التجسس على عورات الناس، وكشف أسرارهم، سواء أكان ذلك بالتطلع أم بالاستنصات والاستماع، وسواء أكان ذلك من الأفراد والجماعات أم من الحاكم والمسئول، وذلك لورود النهي عن التجسس وفضح الأسرار في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) الحجرات: 12.
وقال النبي"صلى الله عليه وسلم"(لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً...) ( ).
قال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء، والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمع على أبوابهم، وقد جاء في الحديث: (من استمع خبر قوم وهم له كارهون صب في أذنه الآنك( ) يوم القيامة) ( ).
وقد نهى الرسول"صلى الله عليه وسلم"عن تتبع عورات المسلمين، فقال: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتتبع عورة أخيه المسلم يتتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه، ولو كان في جوف بيته) ( ).
وهذا يدل على أن الحرص على تلمس العورات والأسرار، من الذنوب التي تمحو الإيمان من القلوب، وتستجلب غضب الله وتهديده، وفضحه لصاحب هذا الجرم، كما أنه فساد للمسلمين وإشاعة للمنكر والتوجس، وشغل كل منهم بنفسه أو بغيره من المسلمين فيما يضر ولا يفيد وترك جلائل الأمور، والتقصير عن بلوغ الغايات الكبيرة العظيمة( ).
ولهذا حذرنا الله من ذلك ونهانا عنه وتوعدنا إن اقترفناه، فقال تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة..) النور:19.
كما نهانا الله عز وجل عن دخول بيوت الغير دون إذن منهم، وذلك حفاظاً على خصوصيات الأفراد وحماية لأسرارهم داخل بيوتهم( )، قال تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم) النور: 27-28.
بل إن الإسلام في سبيل إقرار حق الإنسان في خصوصيته، أحل لأصحاب البيت أن يقوموا بفقأ عين من يطلع عليهم بغير إذنهم، فقد روى مسلم أن النبي"صلى الله عليه وسلم"قال: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه) ( ).
هذا، وقد يحمل حب النهي عن المنكر- في بعض الأحايين- على التجسس، وينسى الناهي هذه التعاليم المشددة في ذلك، فيعذر مرتكبه، كما وقع ذلك للخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق، عن ثور الكندي: أن عمر رضي الله عنه كان يعس بالمدينة، فسمع صوت رجل في بيت يتغنى، فتسور عليه، فوجد عنده امرأة، وعنده خمر. فقال: يا عدو الله أظننت أن الله تعالى يسترك وأنت على معصية؟ فقال: وأنت يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليَّ، إن كنت عصيت الله تعالى واحدة، فقد عصيت الله تعالى في ثلاث، قال سبحانه: (ولا تجسسوا)، وقد تجسست، وقال تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها)، وقد تسورت، وقال جل شأنه: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها).
ودخلت بغير إذن. قال عمر – رضي الله عنه- متذكراً ذلك: فهل عندك من خير أن عفوت عنك؟ قال: نعم. فعفا عمر- رضي الله عنه- وخرج وتركه( ).
ويتبين مما تقدم، أن التوجه الإسلامي في تحريم التجسس وكشف الأسرار فريد في منهجه، ' عظيم في تعاليمه، حكيم في أساليب، حفظ كرامة الإنسان، وصان خصوصيته، واحترم أسراره، إلا إذا أبدا صفحته، وأضر بغيره( ).
هذا، وإذا ثبت إقرار الشريعة الإسلامية للحق في الخصوصية والنهي عن التجسس بصفة عامة للأفراد على النحو السالف بيانه، فليس هناك ثمة ما يحول أو يمنع من انسحاب ذلك على الخصوصية الجينية والمعلومات الوراثية المتولدة عن استخدام البصمة الوراثية، ليس لاعتبارها جزءاً من الحياة الخاصة للإنسان واتصالها بجوهر هذا الحق فحسب، وإنما أيضاً لامتدادها إلى آبائه وأبنائه، ولا شك أن المحافظة على تلك المعلومات من صميم خصوصيات الأفراد، وأن كشف مضمونها ومعرفة أسرارها، بغير إذن أصحابها، يعد انتهاكاً لحرمة هذه الخصوصية بل إفساداً للمجتمع كله. وهذا ما أقره واعتمده مجمع الفقه الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة سنة 1998م، في قرارية الرابع والخامس( ).
وبناء على ذلك، فإن اللجوء إلى تحليل البصمات الوراثية D.N.A، يجب أن يكون بعيداً عن التدخل في الحياة الخاصة للأفراد أو خصوصياتهم الجينية، وكشف المعلومات المتعلقة بأسرارهم المرضية أو الصحية.
على أن إقرار الشريعة الإسلامية لمبدأ حرمة الحياة الخاصة للأفراد ليس على سبيل الإطلاع، فتحريم التجسس، مثلاً، ترد عليه بعض الاستثناءات تقتضي إباحة المساس بهذا الحق، فقد أباح الشرع التجسس لأغراض معينة، مها: حماية المسلمين من أعدائهم، وأوجبه كوسيلة حربية عسكرية ذات فاعلية كبيرة في إحراز النصر على الأعداء، وأحد ثبات الدولة، وبقاء سلطانها. كما يجوز التحري والتجسس على أهل الريب لمعرفتهم إذا دلت على ذلك قرائن صادقة، وعلم أنهم سيسفكون دماً حراماً، أو يسرقون مالاً، أو يهتكون عرضاً( ).
وعليه، فإن حق المجتمع في الأمن والاستقرار والمحافظة على النظام العام، قد يتطلب المساس بحق الفرد في خصوصيته، أو تقييد حقه في ذلك، حماية لحقوق المجتمع، وهي أولى بالرعاية والاعتبار( ).
ولعل خير دليل وأصدق برهان على صحة ما ذكرنا، هو ما جاء في توصيات ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية من أنه:
(تستثنى من وجوب كتمان السر حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق إفشائه بالنسبة لصاحبه، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة كتمانه، وهذه على ضربين:
أ- حالات يجب فيها إفشاء السر بناء على قاعدة: ارتكاب أهون الضررين، وقاعدة: تحقيق المصلحة العامة، التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام إذا تعين ذلك لدرئه. وهذه الحالات نوعان:

1- ما فيه درء مفسدة عن المجتمع. 2- ما فيه درء مفسدة عن فرد.
ب- حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه من: جلب مصلحة للمجتمع أو درء مفسدة عامة، وهذه ينبغي الالتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولوياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل.
يضاف على ذلك، حالات يكون فيها رضا صاحب السر بإفشائه، ويكون ذلك في حدود الإذن، لأن لصاحب الحق إسقاطه( ).

الفرع الثاني
حرمة الحياة الخاصة( ) في القانون المقارن
في ظل التطورات العلمية المذهلة والمتسارعة اليوم – في الحضارة المادية- أصبح الإنسان عارياً ومكشوفاً، وبات بالإمكان وفي أي وقت تتبع حياة الفرد بكل تفاصيلها، بل واخترعت وسائل الاستنصات والاستماع التي تفضح الحرمات، وتكشف الأسرار، وتهتك الحجب، واستغلت خصوصيات الإنسان في إذلاله، والضغط عليه، وسلب حريته، وأصبح آلة في يد عصابات السطو على الحرمات، تروعه وتقهره وتستبيحه، مما دفع العديد من المفكرين وعلماء القانون ونشطاء حقوق الإنسان إلى البحث جدياً عن السبل الكفيلة لحماية الحياة الخاصة للإنسان.
وقد تنبه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1984م لهذا الموضوع وأولاده أهمية خاصة، إذ نص في المادة 12منه على الآتي:
(لا يجوز تعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو شئون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات).
كما أن العديد من اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية، اعترفت بالحق في الخصوصية، كالعهد الدولي للحقوق المدنية، والسياسية (ICCPR)، واتفاقية الأمم المتحدة للعمال المهاجرين، واتفاقية الأمم المتحدة لحماية الطفولة.
أما على المستوى الإقليمي، فالعديد من الاتفاقيات اعترفت بالحق في الخصوصية ونظمت قواعد حمايته، كما هي الحال في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (روما لعام 1950م) ( ). وهذه الاتفاقية قد أنشأت المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لمراقبة تطبيقها، وكلاهما كان نشاطاً في تطبيق وحماية الحق في الخصوصية، وتضييقا من نطاق الاستثناءات على حكم المادة الثامنة وما تقرر من حماية، وفي هذا الشأن، فإن المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان قال عام1976:
(إن الحق في احترام الحياة الخاصة، هو الحق في الخصوصية، الحق في الحياة إلى المدى الذي يتمناه الإنسان، والحق في الحماية العالمية).
ووفقاً لرأي اللجنة، فإن الحق في احترام الحياة الخاصة لا ينتهي هنا بل يمتد إلى الحق في تأسيس وتطوير العلاقات مع الأشخاص الآخرين( ).
كما أقر الإعلان العالمي الجينوم البشري، الصادر عن منظمة اليونسكو عام1997م، الحق في الخصوصية الجينية، ونص على ذلك صراحة في المادة الثانية في، والتي قضت بالآتي:
(كل فرد له الحق في احترام كرامته وحقوقه، مهما كانت خصائصه الوراثية، هذه الكرامة تفرض عدم حصر الأفراد في خصائصهم الوراثية واحترام طبعه الفريد واختلافه).
أما بالنسبة للتشريعات، فإن الدول الغربية قد أقرت جوانب من حماية الخصوصية منذ مئات السنين( )، وفي العصر الحديث منح المشرع الفرنسي في المادة 16-2 من القانون المدني الفرنسي الجديد 94-654لسنة 1994م، للقاضي الحق في إمكانية اتخاذ كل الوسائل والإجراءات القادرة على وقف أو منع الاعتداء غير المشروع على جسم الإنسان أو أية تصرفات غير مشروعة قد تقع على عناصره أو مواده ومنتوجاته.
كما نصت المادة 16-8 من ذات القانون على أنه:
(لا يسمح بإفشاء أي معلومة من شأنها أن تقود إلى التعرف على من منح عنصراً أو مادة من جسمه أو على الذي تلقى ذلك العنصر أو المادة، لا المانح يمكن أن يعرف هوية المتلقي، ولا المتلقي يمكن أن يعرف هوية المانح، وفي حالة الضرورة الطبية لا يسمح إلا للأطباء والمانح والمتلقي بالاطلاع على المعلومات التي تقود للتعرف عليها).
كذلك نصت المادة 26-25 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد الصادر في سنة 1994م على الآتي:
(إن إجراء دراسة حول الخصائص الوراثية لشخص ما لأغراض طبية دون أخذ موافقته مسبقاً وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 145-15 من قانون الصحة العامة، يعاقب فاعله بسنة سجن وغرامة تبلغ قيمتها 100.000ف)، مائة ألف فرنك فرنسي.
كما نصت المادة 22 من الفصل الخامس عشر من قانون الخصوصية الجينية لولاية (إلينوي) الأمريكية على أنه:
(وباستثناء ما ينص عليه القانون، فإن الاختبار الجيني والمعلومات الناتجة عنه، تظل سرية ومضمونة ولا يجوز كشفها إلا للشخص موضوع الفحص وللأشخاص المأذون لهم على وجه الخصوص، وفيما عدا ما ينص عليه القانون، فلا يجوز أن تؤخذ هذه المعلومات كدليل مقبول أمام القضاء أو للتحقيق الذي يجريه في أية دعوى مهما كان نوعها، وتسري هذه القاعدة على جميع المحاكم أياً كانت درجتها، كما تسري على جميع الهيئات أو الوكالات الحكومية أو غير الحكومية).
ويتبين من هذه النصوص جميعها، أن اللجوء إلى الفحص الجيني(البصمة الوراثية) ينبغي أن يكون بعيداً عن التدخل في الحياة الخاصة للأفراد أو خصوصياتهم الجينية، وكشف المعلومات المتعلقة بأسرارهم المرضية أو الصحية( ).
هذا، وعلى الرغم من ثبوت حق الأفراد في الخصوصية الجينية وإضفاء الحماية الجنائية عليها، إلا أنه لا يعني بالضرورة أنه حق مطلق، لا يجوز التنازل عنه بحال من الأحوال، إذ القول بذلك فيه إعلاء لقيمة الفرد على الجماعة وتقديم مصلحته على المصلحة العامة، ولذا فإن المشرع قد وازن بين هذين الحقين ووفق بين المصلحتين( )، فأقر – كأصل عام – للأفراد الحق في الحياة الخاصة (الخصوصية) وأضفي عليه حمايته الجنائية، من ناحية، وأجاز – استثناء- المساس بالحق في الخصوصية الجينية، من ناحية أخرى، إذا توافرت الشروط التالية:
أولاً: أن يسمح أو يأمر بإجراء هذا الفحص من جانب الجهة القضائية المختصة:
أي أنه يلزم ضرورة الحصول على إذن بإجراء الفحص الجيني، سواء كان الإذن صادراً من جهة التحقيق قبل وصول القضية لحوزة المحكمة(النيابة العامة)، أو كان صادراً من القاضي المختص.
وعليه، فلا يستطيع أي شخص من تلقاء نفسه أن يطلب إجراء هذا الفحص بصفة شخصية، وبدون أن تكون هناك دعوى أو إذن من الجهة المختصة، ويمتنع على الجهة القائمة بأمر التحليل أن تقوم به قبل استيفاء كافة الشروط المتطلبة قانوناً، وهذا بالطبع لخطورة الآثار الناجمة عن مثل هذه الفحوصات في كافة المجالات( ).
ثانياً: أن يتوافر الرضاء الحر المستنير لذوي الشأن مقدماً:
نصت المادة 16-10م القانون المدني الفرنسي الجديد على أنه: يجب الحصول على موافقة مسبقة للشخص الخاضع للفحص قبل أي دراسة وراثية لصفاته( ).
كما يجب أن يصدر الرضاء كتابة من الشخص المعني(صاحب العينة) وموقعاً منه أو ممن يمثله قانوناً، أو من أصحاب السلطة العائلية أو من الوصي في الحالات المنصوص عليه في قانون الصحة العامة( ).
ويأتي هذا الشرط تطبيقاً للقواعد العامة للمساس بالجسد الإنساني، ومن ثم، يجب أن يكون الرضاء بعيداً عن كل إكراه أو غلط أو تدليس، كما يجب أن يكون صاحبه على دراية تامة بكافة توابعه وخلفياته.
وعلى ذلك، فإن تحديد هوية شخص بواسطة بصماته الوراثية، تفترض- بعيداً عن القانون الجنائي- وجود موافقة مسبقة لصاحب الشأن، حيث لا يمكن إتمامه إلا في إطار قانوني أو لغرض طبي أو لغرض البحث العلمي (مادة 16-11)مدني فرنسي.
ويلاحظ أنه، إذا كان يجب أن تكون الموافقة صادرة عن إرادة حرة واعية، وأن تكون صريحة ومكتوبة، إلا أن هذا الشرط ليس مطلوباً في حالة تحديد هوية الشخص بمناسبة إجراء تحقيق جنائي، فليس من الطبيعي أن يحتاج قاضي التحقيق الذي يطلب تحليلاً لسائل منوي وجد على إحدى ضحايا الاغتصاب، إلى موافقة مرتكب الجريمة الذي يبحث عنه، لا سيما وأن المادة 16-11 من القانون المدني الفرنسي لم تتطلب موافقة صاحب الشأن إلا فيما يتعلق بتحديد الهوية لأغراض طبية أو البحوث العلمية( ).
ثالثاً: توافر الضرورة الطبية والطوارئ:
نصت المادة 16-3 من القانون المدني الفرنسي الجديد رقم 94-654 لسنة 1994م على أنه:
(لا يمكن المساس بنزاهة جسم الإنسان إلا في ضرورة طبية للشخص، وإن موافقة المعنى يجب أن تؤخذ مسبقاً إلا إذا كان التدخل الطبي ضروري حتى دون موافقته).
وجدير بالذكر، أن عبارة: (التدخل الطبي) الواردة في النص، عبارة مرنة، ومن ثم تسمح بدخول كل ما يتصل بحالة الشخص الصحية، ومنها: التدخل في الخصوصية الجينية( ).
وفي الولايات المتحدة الأمريكية، أجاز قانون خصوصية الجينوم الأمريكي لسنة 1990م، المساس بالخصوصية الجينية وكشف المعلومات الطبية أو الوراثية دون موافقة من له الحق فيها، وذلك في حالات الضرورة الطبية، وفي ظروف الرعاية الإكلينيكية. كما أجاز قانون التأمين الصحي الأمريكي لسنة 1997م، المساس بخصوصية المعلومات الطبية للفرد لأغراض البحث العلمي والكشف عن المعلومات الطبية في حالات الطوارئ والأنشطة المتعلقة بالدفاع والأمن القومي والصحة العامة، دون إذن صاحب هذه المعلومات ( ).
هذا، ولمكافحة التجاوزات في استخدام الاختبارات الوراثية، تعاقب المادة 226-26 من قانون العقوبات الفرنسي الجديد بالسجن لمدة سنة واحدة وغرامة مقدارها 100.000فرنك على واقعة تحويل المعلومات – التي تم جمعها عن شخص عن طريق دراسة صفاته الوراثية – عن أغراضها الطبية، أو عن أغراض البحث العلمي.
بالإضافة إلى عقوبة تكميلية، متمثلة في شطب الأشخاص المدانين بارتكاب جريمة واقعة تحويل المعلومات وإفشائها.
وأما القانون اليمني: نصت المادة (60) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني (يحظر تعذيب المتهم أو معاملته بطريقة غير إنسانية أو إيذائه بدنياً أو معنوياً لقسره على الاعتراف وكل قول يثبت أنه صدر من أحد المتهمين أو الشهود تحت وطأة شيء مما ذكر يهدر ولا يعول عليه).
إلا أن نص المادة (213) منه أجازت فحص جسم المتهم بما في ذلك أخذ عينات دم متى كان للفحص أهمية بالنسبة إلى القضية.
الفرع الثالث
موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن
بعد العرض السابق لموقف الفقه الإسلامي والقانون الوضعي من الإثبات بالبصمة الوراثية وحرمة الحياة الخاصة(الحق في الخصوصية)اتضح لنا الآتي:
أولاً: يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي في القول بأن الحق في الخصوصية الجينية، هو من الحقوق الفردية اللصيقة بشخص صاحبها، والتي تقبل التنازل بالإرادة الحرة، إلا أن محل الاختلاف بينهما – في هذا الشأن- يكمن في مدى حرية الفرد في التصرف في خصوصياته، فالفقه القانوني منح الشخص حرية مطلقة في أن يقرر لنفسه ما هي المعلومات الجينية التي يمكن للغير معرفتها، وتلك التي لا ينبغي لأحد أن يطلع عليها. أما الفقه الإسلامي، فلم يجعل حق الشخص في خصوصياته الشخصية، بصفة عامة، مرهوناً بمحض مشيئته أو إرادته، بل جعله حق مقيد بحدود الشرع الحنيف والمصلحة العامة. وهو بهذا يرتقي إلى مستوى الواجبات المفروضعة على الفرد، بحيث يجب عليه المطالبة بحقه هذا والدفاع عنه، بل ويأثم بتركه ذلك، كما جعل الفقه الإسلامي من ذلك واجبات والتزامات يقع على المجتمع والدولة واجب الوفاء بها( ).
ثانياً: يتفق القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي، في كون الحق في الخصوصية ليس حقاً مطلقاً للفرد، وإنما هو مقيد في الشريعة الإسلامية بحدود الشرع، وعدم تعارضه مع حقوق أخرى أولى بالتقديم عليه، كحق المجتمع في أن يعيش في أمن واستقرار، وحق الأفراد فيه أن يأمنوا على حرماتهم وأعراضهم، فلا يقتحم عليهم أحد بيوتهم، فيهتك أسرارهم، ويكشف خصوصياتهم...
والحال كذلك في القانون الوضعي، فالحق في الخصوصية فيه ليس حقاً مطلقاً، بل يجوز في أحوال معينة المساس بهذه الخصوصية دون موافقة الشخص المعني، وقد رد البعض هذه الحالات إلى خمس صور، هي: صدور أمر قضائي، وأغراض البحث العلمي، والمحافظة على الصحة العامة، وحالات الطوارئ، وأغراض الدفاع، والأمن القومي، وبعض الحالات المقررة لأصحاب الأعمال.
ثالثاً: يعاقب القانون الفرنسي على جريمة إفشاء المعلومات الوراثية بالسجن لمدة عام وغرامة مالية قدرها مائة ألف فرنك، بالإضافة إلى عقوبة تكميلية متمثلة في شطب أسماء الأشخاص المدانين بارتكاب جريمة إفشاء المعلومات الوراثية، وهذا النوع من الجرائم يدخل في الفقه الإسلامي في نطاق الجرائم التعزيرية التي يعود لولي الأمر تقدير العقوبة فيها، ولما كانت عقوبة السجن أو الغرامة من العقوبات التعزيرية في الفقه الإسلامي، فإن ما ذهب إليه القانون الوضعي في هذا الخصوص يتفق في جملته مع ما هو مقرر في الفقه الإسلامي.
الخـاتمة
وتشمل النتائج والتوصيات:بعد أن خلصنا من بحثنا المتواضع بعنوان حجية البصمة الوراثية في قضايا النسب والقضايا الجنائية انتهت الدراسة إلى الآتي:
أولاً: النتائج:
أولاً: كل إنسان يتفرد بنمط وراثي خاص في التركيب الوراثي ضمن كل خلية من خلايا جسده لا يشاركه فيه أي شخص في العالم، ويطلق على هذا النمط اسم البصمة الوراثية، وهي عبارة عن البنية التفصيلية التي تدل على هوية كل فرد بعينه، وهي من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقيق من الوالدية البيلوجية، والتحقق من الشخصية.
ثانيا: تتسم البصمة الوراثية بمجموعة من الخصائص، فهي تتعدد وتتنوع مصادرها مما يجعل من الممكن عمل هذه البصمة من أي مخلفات آدمية سائلة (دم، لعاب، مني) أو أنسجة (لحم، عظم، جلد، شعر) وهذه الخاصية تغني عن عدم وجود آثار لبصمات الأصابع للمجرمين في مسرح الجريمة، كما أنها تقاوم التحلل والتعفن، والعوامل المناخية الأخرى من حرارة وبرودة ورطوبة وجفاف لفترات طويلة، حتى يمكن الحصول على البصمة الوراثية من الآثار القديمة والحديثة على حدٍّ سواء.
ثالثاً: تعد البصمة الوراثية وفقاً للتكييف الفقهي والقانوني من قبيل القرائن الفعلية أو القضائية أو ما يطلق عليه من الأدلة المادية أو العلمية وتأخذ منزلتها.
رابعاً: لا يصح إثبات الحدود والقصاص بالبصمة الوراثية لأن القرائن التي تحفها كثير من الاحتمالات، وتحوم حولها الشبهات، والحدود تدرأ بالشبهات، كما أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، وهذا مذهب الجمهور.
بينما ذهب البعض إلى جواز إثبات الحدود والقصاص بموجب البصمة الوراثية وهو ما اتفق غالبية الفقه والقانون المقارن مع هذا الاتجاه، حيث أجازوا توقيع العقوبة في جرائم الحدود والاغتصاب وجرائم السرقة والقتل بناء على تحليل الحامض النووي D.N.A.
خامساً: اتفق الفقه الإسلامي مع القانون المقارن على إثبات جرائم التعازير بموجب البصمة الوراثية.
سادساً: اتفق القانون المقارن من حيث الجملة وكذلك القضاء المقارن مع ما ذهب إليه الفقه الإسلامي الحديث من القول بجواز إعمال البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب عند التنازع، وذلك تخريجاً على مذهب الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية) القائلين بجواز إثبات النسب بالقيافة عند النزاع أو عند تعارض البينات أو تساوي الأدلة في ذلك.
سابعاً: ذهب غالبية الباحثين المعاصرين إلى ترجيح رأي جمهور الفقهاء القائل بأن النسب لا يثبت بالزنى، حتى لا يختلط الأنساب، وتشيع الفاحشة بين الناس، وهو ما أخذت بها غالبية التشريعات العربية.
إلا أن هناك رأي يرى إلحاق ولد الزنى، مستنداً بأنه لا يوجد دليل من كتاب ولا سنة ينهي عن إلحاق ولد الزنى، بل إن الشواهد تؤكد على ضرورة إلحاق كل مولود بوالده الطبيعي، مع مراعاة ضوابط الاستقرار في الإثبات، وعدم إغفال عقاب المخطئ وهو الزاني، بإقامة الحد عليه.
ثامناً: لا يجوز نفي النسب الثابت شرعاً إلا عن طريق واحد رسمته الشريعة الإسلامية وهو اللعان، فلا يجوز نفي النسب عن طريق البصمة الوراثية أو غيرها من الوسائل الأخرى، وإن كان يمكن الاستعانة بالبصمة الوراثية كقرينة من القرائن التي قد يؤيد الزوج في طلبه اللعان، أو تدل على خلاف قوله، فربما كانت مدعاة للدولة عن اللعان.
تاسعاً: القول بجواز إحلال البصمة الورارثية محل اللعان في نفي النسب، قول باطل ومردود، لما فيه من المصادمة للنصوص الشرعية الثابتة، ومخالفة لما أجمعت عليه الامة، خلافاً لما ذهب إليه القانون الفرنسي.
عاشرا: يتفق القانون المقارن مع الفقه الإسلامي في جواز إثبات هوية المفقود ومجهول النسب بموجب نتائج البصمة الوراثية، حيث اعتبر الفقه الإسلامي العلامات والأمارات في جسم الإنسان والتي يعرفها الأفراد أو خاصة الشخص وأقرباؤه دليلاً على تحديث هوية الإنسان.
حادي عشر: يحوز إجبار المهتم وإكراهه على الخضوع لتحليل البصمة الوراثية إذا ما رفض الخضوع اختياراً، شريطة أن يتم ذلك بمعرفة طبيب مختص، وبناءً على قرار النيابة العامة أو من قاضي التحقيق، وأن تتوافر دلائل كافية على ارتكاب المتهم جريمة.
ثاني عشر: القاعدة العامة في الفقه الإسلامي والقانون المقارن، هي عدم جواز المساس بجسم الإنسان تحت أي مسمى يمكن أن تطرحه معطيات التطور العلمي، ومع ذلك يجوز استثناءً اللجوء إلى أخذ عينات من جسم المتهم بعد مرافقة السلطات المختصة للحصول منها على دليل إدانته وبراءته؛ تحقيقاً للمصلحة العامة وتقديماً لحق الجماعة على حق الفرد، وإعمالاً لقاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
ثالث عشر: يتفق القانون المقارن مع الفقه الإسلامي في تقرير حرمة الحياة الخاصة للأفراد- الحق في الخصوصية- كما يتفقان في كون هذا الحق ليس حقاً مطلقاً للأفراد، وإنما هو مقيد في الفقه الإسلامي بحدود الشرع، وعدم تعارضه مع حقوق أخرى أولى بالتقديم عليه، كحق المجتمع في أن يعيش في أمن واستقرار، وحق الأفراد في أن يأمنوا على حرماتهم وأعراضهم، فلا يقتحم عليهم أحد بيوتهم، فيهتك أسرارهم، ويكشف خصوصياتهم. كما أن الحق في الخصوصية مقيد في القانون المقارن، حيث يجوز المساس به في صور معينة، وهي: صدور أمر قضائي، وأغراض البحث العلمي، والمحافظة على الصحة العامة، حالات الطوارئ وأغراض الدفاع والأمن القومي، وبعض الحالات المقررة لأصحاب الأعمال.
ثانيا-التوصيات:
توصي الدراسة الدول العربية بصفة عامة واليمن بصفة خاصة:
ا-أن تضمن قوانين الأحوال الشخصية نصوصاً تجيز اللجوء إلى البصمات الوراثية لحسم النزاع في قضايا النسب، وتمنع إعمالها في النسب الثابت، وتقضي بعدم نفي النسب بها، وعدم إحلالها وتقديمها على اللعان.
ب-أن تضمن القوانين الجنائية نصوصاً تسمح باللجوء إلى البصمات الوراثية والعمل بموجبها في التحقيقات الجنائية والتعزير، وتمنع إعمالها في مجالي الحدود والقصاص، وذلك لأن نتائج البصمة الوراثية مهما بلغت من الدقة إلا أن احتمال الخطأ فيها وارد، إما عن طريق تلوث العينات المستخدمة في التحليل، وإما عن طريق وجود عيب في طرق التحليل والإحصاء حيث أن هذه الاحتمالات تورث الشبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
والله من وراء القصد....


قائمة المراجع
أولاً: القرآن الكريم:
1- أحكام القرأن: للإمام الحافظ محمد بن عبدالله بن احمد، المعروف بأبن عربي-تحقيق/ علي محمد البيجاوي - طبعة دار الجيل – بيروت – لبنان - 408هـ/1988م.
2- تفسير القرأن العظيم:للحافظ عمد الدين ابن الفدا اسماعيل بن كثير القرشي-طبعة دار احيا الكتب العربية-عيسى الحلبي-1400ه.
3- الجامع لأحكام القرأن الكريم:للعلامة شمس الدين ابي عبدالله حمحد بن احمد بن ابي بكر بن فرج الانصاري القرطبي –الطبعة الثانية-1972م-دار الشعب-تحقيق/احمد عبدالحليم البردويني.
ثانيا:كتب الحديث:
4- بلوغ المرام من جمع ادلة الاحكام:للحافظ ابي الفضل شهاب الدين احمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني-مطبوع مع كتاب سبل السلام شرح بلوغ المرام لابن الامير الصنعاني –دار الحديث- القاهرة-1979م.
5- تحفة الاحوذي شرح جامع الترمذي:للعلامة محمدبن عبد الرحمنابن عبد الرحيم المباركفوري-طبعة عام 1386ه/1966م-القاهرة.
6- سبل السلام شرح بلوغ المرام:للعلامة محمد بن اسماعيل الامير الصنعاني-طبعة دار الزهراء للطباعة والنشر.
7- سنن الترمذي:للامام ابي عيسى محمد بن عيسى بن سور الترمذي-الطبعة الثانية -1398ه/1987م-مصطفى حلبي.
8- صحيح البخاري: للإمام الحافظ محمد بن إسماعيل البخاري.مصر: مطبعة دار إحياء الكتب العربية.
9- صحيح مسلم: للأمام الحافظ مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري، طبعة دار الحديث- القاهرة.
10- فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تأليف: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني.تصحيح وتحقيق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز. القاهرة: المطبعة السلفية ومكتبتها.
11- نيل الاوطار من احاديث سيد الاخيار:للامام المجتهد محمدبن علي بن محمد الشوكاني-دار الحديث -القاهرة-طبعة2005م.
ثانياً: مراجع الفقه الإسلامي:
أ-كتب الفقه الحنفي.
1- البحر الرائق شرح كنز الدقائق.تأليف: زين الدين بن نجيم الحنفي، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر الطبعة الثانية.
2- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تأليف:علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، بيروت:دار الكتاب العربي، 1402هـ /1982 م الطبعة الثانية.
3- المبسوط، تأليف: شمس الدين أبي بكر محمد بن أحمد السرخسي.بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر – الطبعة الثانية.
ب-كتب الفقه المالكي:
4- أسهل المدارك شرح إرشاد السالك في فقه الإمام مالك، تأليف: أبي بكر بن حسن الكشناوي.بيروت: دار الفكر.
5- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تأليف:أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد.راجعه وصححه: عبد الحليم محمد عبد الحليم، وعبد الرحمن حسن محمود.القاهرة: مطبعة حسان.
6- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، تأليف: إبراهيم بن الإمام شمس الدين بن فرحون.مصر: المطبعة العامرة الشرفية عام 1301 هـ - الطبعة الأولي – تصوير بيروت، دار الكتب.
7- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير:لشمس الدين محمدعرفة الدسوقي-طبعة دار احيا التراث العربي.
8- شرح الخرشي علي مختصر خليل:للعلامة أبي عبد الله محمد الخرشي،. بيروت: دار صادر -الطبعة الثانية 1997م.
9- المدونة الكبرى، تأليف: الإمام مالك بن أنس رواية سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن قاسم.مصر: مطبعة السعادة، 1323 هـ - تصوير: بيروت – دار صادر.
10- مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل:للعلامة ابي عبداللهمحمد بن محمد بن عبدالرحمن المعروف بالحطاب –الطبعة الثانية-1992م.
ج-كتب الفقه الشافعي:
11- الاحكام السلطانية والولاية الدينية:للعلامة ابي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردي-دار الكتب العلمية-بيروت لبنان -1978م.
12- روضة الطالبين، تأليف: يحيى بن شرف النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، بيروت: دار الكتب العلمية 1412هـ -1992 م الطبعة الأولي.
13- مغني المحتاج إلي معرفة معاني ألفاظ المنهاج، تأليف: محمد الشربيني الخطيب.بيروت:دار إحياء التراث العربي.1995م.
14- المهذب في فقه الإمام الشافعي تأليف: إبراهيم بن علي الشيرازي.بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر، مصور عن الطبعة الثانية 1379هـ /1959م.
د-كتب الفقه الحنبلي:
15- أحكام اهل الذمة:للامام شمس الدين ابي عبدالله محمد بن ابي بكر المعروف بأبن القيم الجوزية-طبعة 1995م-دار الكتب العلمية بيروت-تحقيق:ظه عبد الرؤف سعد.
16- الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، تأليف شرف الدين موسي الحجاوي المقدسي، تصحيح وتعليق: عبد اللطيف محمد السبكي، مصر: المكتبة التجارية الكبري.
17- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف علي مذهب الإمام أحمد بن حنبل، تأليف: علي بن سليمان المرداوي.صححه وحققه: محمد حامد الفقي.القاهرة: مطبعة السنة المحمدية، 1376 هـ / 1957 م الطبعة الأولي.
18- كشاف القناع عن متن الإقناع، تأليف: منصور بن يونس البهوتي.القاهرة: مطبعة أنصار السنة المحمدية، 1366هـ / 1947 م.
19- زاد المعاد في هدي خير العباد، تأليف: محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية.تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط.بيروت: مؤسسة الرسالة، 1405هـ - 1985 م – الطبعة السابعة.
20- الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية، تأليف: شمس الدين محمد بن قيم الجوزية مصر: مطبعة الآداب والمؤيد، 1317 هـ، - الطبعة الأولي.
21- المغني، تأليف: عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي.الرياض: مكتبة الرياض الحديثة.
ه- كتب الفقه الظاهري:
22- المحلى:للامام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الاندلوسي: دار الفكر،، بيروت-1982م.
و- كتب الفقه الشيعي:
- الفقه الزيدي:
33- البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الامصار:للفقية العلامة احمدبن يحي المرتضى-دار الكتب الاسلامية.
34- شرح الازهار المنتزع من الغيث المدرار:للعلمة ابي الحسن عبداللة بن مفتاح-دار التراث الاسلامي-بيروت1998م.
-الفقه الاباضي:
35- شرح النيل وشفاء العليل:للعلامة محمدبن يوسف أطفيش-الطبعة الثالثة -1985م-مكتبة الارشاد-جدة.
رابعا: كتب المعاجم:
23- القاموس المحيط، تأليف: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز أبادي. مصر: المكتبة التجارية الكبري لصاحبها مصطفي محمد.
24- لسان العرب، تأليف: جمال الدين محمد بن عبد الله بن مكرم ابن منظور الطبعة الاولى- دار صادر-بيروت.
25- المعجم الوسيط: اعداد مجمع اللغة العربية القاهرة-الطبعة الثالثة، 1985م-اخراج:اباهيم مصطفى واخرين.
خامسا: المؤلفات الحديثة في الفقة الاسلامي:
26- الاثبات بالقرائن المعاصرة:د/عبدالحافظ عبد الهادي عابد-طبعة 1991م-دار النهضة العربية –القاهرة.
27- إثبات النسب بطريق القيافة في الفقه الإسلامي:د/ أنور محمود دبور وما بعدها – دار الثقافة العربية بالقاهرة- عام 1985م.
28- احكام الذميين والمستأمنين في دار الاسلام:د/عبد الكريم زيدان-طبع مؤسسسة الرسالة-عام1985م.
29- الأحوال الشخصية: عبد العزيز عامرالقاهرة: دار الفكر العربي، 1396 هـ -1976 الطبعة الثانية.
30- الاستنساخ بين العلم والدين:د/ عبد الهادي مصباح-الطبعة الاولى -1997م-الدار المصرية اللبنانية.
31- اصول الفقه:الشيخ حمحد ابو زهرة-دار الفكر العربي-1997م
32- البصمة الوراثية وحجيتها في الاثبات الجنائي والنسب:المحامي حسام الأحمد، منشورات الحلبي، 2009م.
33- البصمة الوراثية وعلائقها الشرعية، دراسة فقهية معاصرة:د/سعد الدين مسعد هلالي-طبعة 2001م- الكويت.
34- ثورة الهندسة الوراثية:د/وجدي عبد الفتاح سواحل-مؤسسةالكويت للتقدم العلمي-الطبعة الاولى-1999م.
35- حجية الدليل المادي في الاثبات في الفقه الاسلامي والقانون الوضعي:د/شحاتة عبد المطلب-طبعة2005م-دار الجامعة الجديدة –الاسكندرية.
36- الحق في الحياة وفي سلامة الجسد:د/محمد سعيد خليفة-بدون تأريخ ودار نشر.
37- حقوق الأولاد في الشريعة الإسلامية والقانون: د/ بدران أبو العينين بدران - مؤسسة شباب الجامعة.
38- ضمانات حرمة الحياة الخاصة في الإسلام:د/ حسني الجندي -نقلاً عما جاء في توصيات مؤتمر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية في النيجر- يونيه عام 1978م.
39- العقوبة في الفقه الإسلامي: الشيخ/ محمد أبو زهرة –وما بعدها – طبعة دار الفكر العربي،
40- القضاء في الفقة الاسلامي: د/محمدرأفت عثمان- منشاة المعارف الاسكندرية.-طبعة عام1988م.
41- مدى مشروعية التصرف في جسم الادمي في ضوء الشريعة الاسلامية والقانون الوضعي:د/اسامة السيد عبد السميع-طبعة عام1998م-دار النهضة العربية.
42- الموسوعة الفقهية، الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.الكويت: الطبعة الثانية-عام1995م.
43- الوجيز لأحكام الأسرة في الإسلام: د/ محمد سلام مدكور- طبعة عام 1975م – الناشر دار النهضة العربية.
44- وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية، الدكتور محمد الزحيلي - الطبعة الثانية عام 1414هـ/ 1994م-الناشر دار البيان بدمشق.
سادسا:المؤلفات القانونية:
45- الإثبات الجنائي في ضوء القضاء والفقه: د/عبد الحميد الشورابي – طبعة عام 1988- منشأة المعارف بالإسكندرية.
46- الإثبات بين الإزدواج والوحدة في القانون الجنائي والمدني في السودان:د/ محمود محي الدين عوض- طبعة عام 1974م – دار الكتاب الجامعي بالقاهرة
47- الإثبات في المواد المدنية والتجارية(مذكرات على الآلة الكاتبة): د/ منصور مصطفى منصور - طبعة عام 1981م- جامعة الكويت.
48- الإثبات في المواد المدنية: د/ عبد المنعم فرج الصدة - الطبعة الثانية-عام1996م.
49- الإجراءات الجنائية في التشريع المصري:د/ مأمون سلامة - ج1 - الناشر دار النهضة العربية – عام 1992م.
50- الإجراءات الجنائية في القانون المصري. د/ سامح السيد جاد – طبعة دار الاتحاد العربي للطباعة – عام1989م.
51- الإجراءات الجنائية في القانون المصري: د/ رؤوف عبيد – طبعة دار الجيل – عام 1985م.
52- الإجراءات الجناية: د/ محمد ذكي أبو عامر - منشأة المعارف بالإسكندرية-عام2002م.
53- أحكام تنظيم الرعوية في القانون المقارن والقانون اليمني:د/عنايات عبد الحميد ثابت-طبعة 1993م.
54- أحكام قانون الإجراءات الجنائية في ضوء التعديلات الجديدة المضافة بالقانون 147- 1998م:د/ عدلي أمير خالد- طبعة عام 2000م – الناشر دار الجامعة الجديدة بالإسكندرية.
55- أدلة الإثبات الجنائي والتكنولوجيا الحديثة:د/ جميل عبد الباقي الصغير – طبعة عام 2001م – الناشر – دار النهضة العربية.
56- الأدلة الفنية للبراءة والإدانة في المواد الجنائية: د/ محمد عابدين - دار الفكر الجامعي بالإسكندرية-2005م.
57- أصول الإجراءات الجنائية: د/ حسن صادق المرصفاوي- منشأة المعارف بالإسكندرية – عام 1964م.
58- أصول القانون: د/ حسام الأهواني– طبعة عام 1988م – الناشر دار النهضة العربية.
59- البوليس العلمي، أو فن التحقيق:د/ رمسيس يهنام، منشأة المعارف بالاسكندرية، طبعة 1996، ص151.
60- التحقيق الجنائي الفني والبحث الجنائي:د/ عبد الفتاح مراد الطبعة الثانية،
61- التكنولوجيا الحديثة والسرية الشخصية (فصل من كتاب) مباحث في القانون الدولي:د/ جواد كاظم - الطبعة الأولى عام 1991م- دار الشئون الثقافية العام- بغداد).
62- الحق في احترام الحياة الخاصة (الحق في الخصوصية دراسة مقارنة):د/ حسام الدين الأهواني- طبعة عام 1978م- الناشر دارة النهضة العربية.
63- حماية الحياة الخاصة في القانون الجنائي:د/ ممدوح خليل بحر- رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق جمعة القاهرة – عام 1973م،
64- حماية لحياة الخاصة للأفراد وضماناتها في مواجهة الحاسوب الآلي دراسة تحليلية نقدية مقارنة للحق في الخصوصية وتطبيقاه في القانون الكويتي: د/ محمد عبد المحسن المقاطع – مطبوعات جامعة الكويت- عام 1992م.
65- الدليل الجنائي ودوره في إثبات جرائم الحدود والقصاص: د/ أحمد أبو القاسم، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب بالرياض، عام 1414هـ/1993م.
66- شرح قانون الإجراءات الجنائية: د/ آمال عثمان - الطبعة الثانية - مطابع الهيئة العامة المصرية للكتاب- عام 1991م.
67- شرح قانون الإجراءات الجنائية: د/ محمود نجيب حسني -الطبعة الثانية عام 1988م - الناشر دار النهضة العربية.
68- شرح قانون الإجراءت الجنائية:د/ فوزية عبد الستار، طبعة عام 1986م- الناشر دار النهضة العربية، نقض 12/2/1979م:
69- شرح قانون العقوبات (القسم الخاص): د/ محمود محمود مصطفى –
70- شرح قانون العقوبات (النظريات العامة): د/ يسر أنور علي –– طبعة عام 1992م.
71- قانون الإثبات: د/ محمد حسين منصور - طبعة عام 1998م – منشأة المعارف بالإسكندرية.
72- قانون الإجراءات الجنائية السوداني:د/ محمد محي الدين عوض - الطبعة الأولى عام 1971م – الناشر دار النهضة العربية بالقاهرة.
73- قواعد الإثبات في القواعد المدنية والتجارية: د/ توفيق حسن فرج - طبعة عام 1416هـ/1995م.
74- المبادئ العامة في نظريات الإثبات في القانون الخاص المصري: د/ محمود جمال الدين زكي - مطبعة جامعة القاهرة – عام 1421هـ/2001م.
75- مبادئ قانون الإجراءات الجنائية: د/ عمر السعيد رمضان –هامش – الناشر دار النهضة العربية - عام 1984م
76- مشروعة الدليل الجنائي في مرحلة المحاكمة وما قبلها دراسة تحليلية تأصيلية مقارنة: د/ رمزي رياض عوض- الناشر دار النهضة الدينية – عام 1997م.
77- الموجز في شرح قانون لعقوبات (القسم الخاص): د/ محمود نجيب حسني، دار النهضة العربية-عام19984م.
78- نحو سياسة جنائية فاعلة تسهم في تحقيق العدالة الجنائية: د/ رمضان الألفي - طبعة عام 1996م- الناشر دار النهضة العربية.
79- النظرية العامة للإثبات في المواد الجنائية دراسة مقارنة:د/ هلالي عبد اللاه أحمد رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق- جامعة القاهرة – عام 1984م
80- الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، د/ أحمد فتحي سرور، الطبعة الرابعة عام 1981م، الناشر دار النهضة العربية.
سابعا-الكتب البيلوجية:
81- بصمة الدنا العلم والقانون ومحقق الهوية الاخير:اريك لاندر-ضمن كتاب الشفرة الوراثيةلاللأنسان-العدد217-شعبان-1997م-كانون الثاني-الكويت.
82- الطب الشرعي: د/ معوض عبد التواب، د/ سنيوت عبد الحليم دوس – طبعة عام 1987م – الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية.
ثامناً: الابحاث والمقالات:
83- إثبات النسب بالبصمة الوراثية: الشيخ / محمد المختار السلامي، ضمن ثبت كامل أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني. رؤية إسلامية، الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – 1421هـ -2000 م.
84- إثبات النسب بالبصمة الوراثية: د/محمد الأشقر، ضمن ثبت أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية، الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – 1421هـ -2000 م.
85- أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني: أعمال وبحوث الدورة السادسة عشر لمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، 1422 هـ/ 2002 م، المجلد 3.
86- البصمة الجينية وأثرها وأثرها في إثبات النسب، تأليف الدكتور: حسن الشاذلي.ضمن ثبت كامل أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشرى والعلاج الجيني – رؤية إسلامية، الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – 1421 هـ -2000 م.
87- البصمة الوراثية في ضوء الإسلام:د/ عبد الستار فتح الله سعيد- بحث مقدم للدورة السادسة عشرة للمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي.
88- البصمة الوراثية وأثرها في الاثبات: القاضي /وليد العاكوم، بحث منشور في ثبت أعمال الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون مؤتمر الامارات العربية امتحدة منشور بمجلة كلية الشريعة والقانون، الصادر عن الجلس العلمي-العدد19-بيع ثاني1424ه-يونيو2003م.
89- البصمة الوراثية وتأثيرها علي النسب إثباتاً أو نفياً، تأليف: د / نجم عبد الله عبد الواحد، بحث مقدم للمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في دورته (15) عام 1419 هـ.
90- البصمة الوراثية وحجيتها: د/عبد الرشيد محمد أمين قاسم، مجلة العدل، وزارة العدل السعودية عدد 23، رجب 1425 هـ.مأخوذ من الشبكة العالمية الانترنت.
91- البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها: د/ سعد الدين هلالي، أعمال وبحوث الدورة السادسة عشر لمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، 1422 هـ/ 2002م، المجلد 3.
92- البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها: د/ وهبة الزحيلي-ضمن أعمال وبحوث الدورة السادسة عشر للمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرّمة، 1422 هـ/ 2002 م، 3/15.
93- البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها:د/ نصر فريد واصل مفتي جمهورية مصر العربية سابقاً مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، العدد 17، السنة 15، 1425 هـ/ 2003م،
94- البصمة الوراثية ومدي حجيتها في إثبات البنوة،: د/ سفيان العسولي، ضمن ثبت كامل أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية.الكويت المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – 1421 هـ - 2000 م.
95- البصمة الوراثية ومدى حجيتها في الاثبات:د/ حسني عبد الدايم، دار النهضة العربية، 2009م.
96- البصمة الوراثية ومدى مشروعيتها في النسب والجناية،:د/ عمر بن محمد السبيل مجلة المجمع الفقهي الإسلامي العدد 15، السنة 13، 1423 هـ/ 2002 م.
97- بعض النظرات الفقهية في البصمة الوراثية وتأثيرها علي النسب، تأليف: الدكتور / محمد عابد باخصمة.بحث مقدم للمجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في دورته (15) عام 1419 هـ.
98- البيولوجيا الجنائية والبصمة الوراثية: د/ أحمد محمد خليل- مجلة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، جامعة عجمان، العدد 1، 1421 هـ/2001 م.
99- التجسس وإفشاء الأسر بين الحل والحرمة: د/ توفيق يوسف الواعي- بحث منشور بمجلة الشريعة والدراسات الإسلامية – السنة الثانية – العدد الحادي والثلاثون – ذو القعدة 1417هـ/ إبريل 1997م.
100- التحليل البيولوجي للجينات البشرية وحجيته في الإثبات:د/ محمد مختار السلامي- بحث مقدم إلى مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون.
101- التحليل الجيني وحجيته في الإثبات الجنائي بين الشريعة والقانون: المستشار/ محمد بدر المنياوي- بحث مقدم لمؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون – ج2.
102- تقرير اللجنة العلمية عن البصمة الوراثية، مجلة المجمع الفقهي الإسلامي، العدد 16، السنة 14، 1424 هـ/ 2003 م.
103- توصيات الحلقة النقاشية بموقع المنظمة islamset.com.- جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 27/10/1422هـ الموافق 11/1/2002م- توصية مجمع الفقه الإسلامي السادس عشر.
104- جريدة الإهرام القاهرية: بتاريخ 1/8/1998م.
105- جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 27 / 10 / 1422هـ الموافق 11 يناير 2002م. وجاء هذا القرار بالأغلبية.
106- جريدة عكاظ السعودية: السنة الثالثة والأربعون – العدد 12921- بتاريخ الجمعة 27شوال 1422هـ/11/1/2002م- صـ24.
107- حجية البصمات الوراثية في إثبات النسب: د/ فواز صالح- بحث منشور بمجلة الشريعة والقانون الصادرة عن المجلس العلمي بجامعة الإمارات العربية المتحدة- العدد التاسع عشر- ربيع الثاني1424هـ/ يونيو 2003م.
108- حجية البصمات الوراثية في القضايا الجنائية: د/ فواز صالح-بحث منشور في مجلة في مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، مجلد 23، العدد الاول-2007.
109- حجية القرائن في الفقه الإسلامي: للأستاذ محمد أحمد حسن القضاة، مجلة دراسات عمادة البحث الأردنية، المجلد 30، العدد 2، تشرين الثاني 2003.
110- الحق في سلامة الجسم ومدى الحماية التي يكفلها له قانون العقوبات: د/ محمود نجيب حسني- بحث منشور بمجلة القانون والاقتصاد- السنة 29- العدد الثالث- عام 1959م.
111- حكم إفشاء السر في الإسلام: د/ توفيق يسوف الواعي –بحث منشور ضمن سلسلة مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت – الإسلام والمشكلات المعاصرة – عام 1407هـ /1987م.
112- الحلقة النقاشية حول الهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني، موقع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية www. islamset. Com
113- دور البصمة الوراثية في اختبارات الأبوة، تأليف: د / صديقة العوضي، د/ رزق النجار.ضمن ثبت كامل أعمال ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية – 1421هـ - 2000 م.
114- دور البصمة الوراثية في الإثبات: د/ غنام محمد غنام- بحث مقدم لمؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقنون – ج2 صـ488.
115- دورةالمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوتها العلمية حول الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني، المنعقدة بالكويت في الفترة ما بين 23-25 جمادى الثاني 1419 هـ/ الموافق 13-15 أكتوبر 1998 م.
116- العلاج الجيني من منظور الفقه الإسلامي: د/ علي محيي الدين القرهداغي – بحث مقدم لنوة الانعكاسات الدينية للعلاج الجيني المنعقد في قطر – رجب الخير عام 1422هـ.
117- قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي السابع ي دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من 12-26/10/1422هـ.
118- القضاة وحجية القرائن في الفقه الإسلامي:د/ محمد أحمد حسن، مجلة دراسات عمادة البحث الأردنية، المجلد 30، عدد 2، تشرين الثاني 2003م.
119- الكائنات وهندسة المورثات: د/ صالح عبد العزيز -بحث مقدم الى ندوة الوراثة والهندسة الوراثيةوالجينوم البشري المنعقدة بالكويت في الفترة من 13-15 أكتوبر 1998م.
120- مجلة البحوث القضائية، العدد(10)نوفمبر 2008م، المكتب الفني للمحكمة العليا.
121- مجلة المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة. تقرير اللجنة العلمية عن البصمة الوراثية، العدد 16، السنة 14، 1424 هـ/ 2003 م.
122- محاضرات في علم القاضي والقرائن والنكول عن اليمين والقافة: د/ عبد العال أحمد عطوة - مجموعة محاضرات ألقيت على طلبة المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- الرياض.
123- مشروع الجينوم البشري والقواعد العامة للقانون الجنائي:د/ هدى حامد قشقوش- بحث مقدم لمؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون.
124- موجز أعمال الندوة الفقهية الحادية عشر، (الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني – رؤية إسلامية)، الكويت: المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، عام 2000م. www.islamset.com.
125- الندوة العلمية حول الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني، المنعقدة بالكويت في الفترة ما بين 23-25 جمادى الثاني 1419 هـ/ الموافق 13-15 أكتوبر 1998م.
126- نظام الإثبات في الشريعة الإسلامية والقانون الطبيعي:د/ أحمد حبيب السماك -بحث منشور بمجلة الحقوق – مجلس النشر العلمي بالكويت – السنة الحادية والعشرون- العدد الثاني صفر 1418هـ/ يونيو 1997م.
127- الوراثة والهندسة الوراثية والجينيوم البشري 1 / 506، 510 ضمن المناقشات الفقهية للبصمة الوراثية في الندوة الحادية عشرة من أعمال المنظمة الطبية الإسلامية للعلوم الطبية. www.islamset.com.
تاسعا:الرسائل العلمية:
128- البصمة الوراثية وأثرها على الأحكام الفقهية، للأستاذ خليفة علي الكعبي، رسالة ماجستير منشورة، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، مصر 2004 م.
129- الحماية الجنائية للحق في سلامة الجسد: د/ محمد سامي الشوا- رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق جامعة عين شمس- عام 1986م .
130- الخبرة في المسائل الجنائية، د/ أمال عبد الرحيم عثمان- رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق – جامعة القاهر- عام 1964م.
131- عبد الرحمن الرفاعي، البصمة الوراثية واحكامها في الفقه الاسلامي والقانون الوضعي، دراسة فقهية مقارنة، رسالة دكتوراة مقدمة الى كلية الشريعة والقانون جامعة الازهر-2005م.
132- القرائن وأثرها في إثبات الجرائم الحدية: د/ غيث محمود الفاخري- رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الشريعة والقانون بالقاهرة – عام 1421هـ /2000م .
133- المشكلات القانونية الناتجة عن التلقيح الصناعي: د/ عطية محمد عطية سعد – رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق جامعة طنطا – عام 2001م.
134- نظرية الاقتناع الذاتي للقاضي الجنائي:د/ مفيدة سعد سويدان – رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق – جامعة القاهرة- عام 1985م
135- النظرية العامة للتفتيش في القانون المصري والمقارن،:د/ سامي محمد الحسيني - رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق- جامعة عين شمس- عام 1970م.
عاشرا:النصوص التشريعية
136- قانون الاحوال الشخصية اليمني رقم(20) لسنة 1992م وتعديلاته.
137- قانون الأحوال الشخصية المصري الجديد رقم (1) لسنة 2000م.
138- قانون الأحوال الشخصية الإماراتي رقم (28) لسنة2005م.
139- قانون الاجراءات الجزائية اليمني رقم(13)لسنة 1994م.
140- قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي رقم (17) لسنة 1960م.
141- قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971م.
142- قانون الاثبات اليمني رقم(29) لسنة 1992م.
143- قانون الاثبات المصري رقم(25) لسنة1968م.
144- قانون الاجراءات المصري رقم(74)لسنة2007.
145- قانون العقوبات المصري رقم (58) لسنة1937م.
146- قانون العقوبات الليبي رقم(70) لسنة 1973م.
147- الدستور اليمني لعام 1994م المعدل عام 2001م.
148- الدستور المصري الصادر في 11/9/1971م.
149- قانون الأحوال الشخصية التونسي الصادر في 28/10/1998م.

فهرس المحتويات
الإهـــداء ‌ج
الشكر والتقدير ‌د
المقدمة 1
مبحث تمهيدي: مفهوم البصمة الوراثية 4
المطلب الأول: تعريف البصمة الوراثية وخصائصها 4
المطلب الثاني:اكتشاف البصمة الوراثية 10
المطلب الثالث: أهمية البصمة الوراثية في الإثبات 13
الفصل الأول: الاحكام الفقهية والقانونية للبصمة الوراثية 20
المبحث الأول :التكييف الفقهي والقانوني 21
المطلب الأول :التكييف الفقهي للبصمة الوراثية 21
المطلب الثاني:التكييف القانوني للبصمة الوراثية 24
المبحث الثاني القيمة الثبوتية للبصمة الوراثية 27
المطلب الأول موقف القانون المقارن 27
المطلب الثاني: موقف الفقه القانوني 41
المطلب الثالث: موقف الاجتهاد القضائي 45
المطلب الرابع: مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن 52
المبحث الثالث :ضوابط وقواعد استخدام البصمة الوراثية في الإثبات 54
المطلب الأول: ضوابط قبول البصمة الوراثية في الإثبات. 54
المطلب الثاني: شروط العمل بالبصمة الوراثية. 54
المطلب الأول :ضوابط قبول البصمة الوراثية في الإثبات 54
المطلب الثاني: شروط العمل بالبصمة الوراثية 59
الفرع الأول: شروط العمل بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي 59
الفرع الثاني: شروط العمل بالبصمة الوراثية في القانون المقارن 64
الفصل الثاني : مدى حجية البصمة الوراثية في قضايا النسب 74
المبحث الأول : اثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية 75
المطلب الأول: إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي 75
الفرع الأول: اثبات النسب بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي 75
الفرع الثاني: نفي النسب بالبصمة الوراثية دون اللعان 79
المطلب الثاني: إثبات النسب ونفيه في القانون والقضاء المقارن 89
الفرع الأول: استخدام البصمة الوراثية في إثبات النسب في القانون المقارن 89
الفرع الثاني: موقف القضاء في إثبات النسب ونفيه عن طريق البصمة الوراثية 94
المطلب الثالث :موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن 100
المبحث الثاني :إثبات ولد الزنا بالبصمة الوراثية 101
المطلب الأول: إثبات نسب ابن الزنا بالبصمة الوراثية في الفقه الإسلامي 101
المطلب الثاني :إثبات نسب ابن الزنا بالبصمة الوراثية في القانون المقارن 110
المطلب الثالث :موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن 112
المبحث الثالث: تحقيق الشخصية بالبصمة الوراثية 113
المطلب الأول: اثبات الجنسية بالبصمة الوراثية 113
الفرع الأول: موقف الفقه الإسلامي 113
الفرع الثاني:موقف القانون المقارن 114
المطلب الثاني:إثبات هوية المفقود بحضوره بموجب البصمة الوراثية 116
الفرع الأول: موقف الفقه الإسلامي 116
الفرع الثاني :موقف القانون المقارن 117
الفصل الثالث: مدى حجية البصمة الوراثية في القضايا الجنائية 120
المبحث الأول :إثبات جرائم الحدود بالبصمة الوراثية 121
المطلب الأول: إثبات الحدود بموجب قرنية البصمة الوراثية في الفقه الإسلامي 121
المطلب الثاني: إثبات الحدود بموجب قرينة البصمة الوراثية في القانون المقارن 138
الفرع الأول: إثبات جريمة الزنا والاغتصاب بموجب البصمة الوراثية 138
الفرع الثاني: إثبات جريمة السرقة بموجب البصمة الوراثية 140
المطلب الثالث: موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن 143
المبحث الثاني: اثبات جرائم القصاص بالبصمة الوراثية 146
المطلب الأول :إثبات القصاص بموجب قرينة البصمة الوراثية في الفقه الإسلامي 146
المطلب الثاني :إثبات القصاص بموجب قرينة البصمة في القانون المقارن 150
المطلب الثالث :موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن 153
المبحث الثالث :اثبات جرائم التعازير بالبصمة الوراثية 155
المطلب الأول إثبات التعزير بموجب قرينة البصمة الوراثية في الفقه الإسلامي 155
المطلب الثاني إثبات التعزير بموجب قرينة البصمة الوراثية في القانون المقارن 158
المطلب الثالث موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن 159
المبحث الرابع :المشاكل والصعوبات التي يثيرها استخدام البصمة الوراثية كدليل علمي في الإثبات 162
المطلب الأول :مدى جواز إجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه 163
المطلب الثاني :الإثبات بالبصمة الوراثية والحق في السلامة الجسدية 169
الفرع الأول: موقف الفقه الإسلامي 169
الفرع الثاني: موقف القانون المقارن 173
المطلب الثالث:الإثبات بالبصمة الوراثية وحرمة لحياة الخاصة 177
الفرع الأول حرمة الحياة الخاصة في الفقه الإسلامي 178
الفرع الثاني حرمة الحياة الخاصة() في القانون المقارن 182
الفرع الثالث موازنة بين الفقه الإسلامي والقانون المقارن 188
الخـاتمة 189
قائمة المراجع 192
فهرس المحتويات 207
شارك المقال

0 تعليق:

إرسال تعليق

ابحث في هذه المدونة