pub

| ]

(حماية البيئة الدولية من التلوث)

إعداد:

طلال بن سيف بن عبد الله الحوسني.

شكر وتقدير

بكل معاني الشكر والعرفان ، أتوجه بها لكل من مد يد المساعدة سواءً من قريب أم بعيد ووقف إلى جانبي لإخراج هذا البحث على هذه الصورة، وإن كان لي أن أخص أحدا بذلك، فلا يسعني إلا أن أقدم خالص شكري وامتناني للأستاذ القدير الذي أشرف على هذا البحث ، مثنياً عليه تواضعه الكبير مع طلبته وأسلوبه العلمي في تعامله مع الباحث، من خلال إعطائه مفاتيح البحث وتوجيهه بالتسلسل المنطقي للأفكار ويترك في نفس الوقت مساحة رحبة وواسعة له في وصم بحثه باللمسات التي تميزه عن غيره، ويبرز فيها رأي الباحث مما يساعد على تنوع وإثراء شتى فروع المعرفة،كما أشكر القائمين على المكتبات التي استقى منها هذا البحث معلوماته ، وما أبدوه لنا من تسهيل في إجراءات الوصول والإعارة للكتب الموجودة عندهم ، ولا أنسى تقديم خالص الشكر كذلك لكل من ألف بإسهاب حول موضوع حماية البيئة ، وذلك لارتباطه بمستقبل البشرية والإنسانية بأسرها.



وأخيراً فإن وفق هذا البحث وحوى في طياته على إيجابيات ونجاح يذكر ، فهو منسوب لجميع من سعى وأعانني لإخراجه على هذه الصورة، ولا استثني منهم أحد، وما كان به شيئاً من السلبيات أو التقصير أو النقد فهو راجع للباحث وحده.





سائلاً المولى القدير التوفيق لما فيه خيري الدنيا والآخرة.

































مقدمة



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ،سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد...



إن مشكلة التلوث البيئي ليست مشكلة جديدة أو طارئة بالنسبة للأرض، وإنما الجديد فيها هو زيادة شدة التلوث كماً وكيفاً في عصرنا الحاضر.

باتت مشكلة التلوث البيئي تؤرق فكر المصلحين والعلماء والعقلاء وتقض مضاجعهم، فبدءوا يدقون نواقيس الخطر ، ويدعون لوقف أو الحد من هذا التلوث الذي تتعرض له البيئة نتيجة للنهضة الصناعية والتقدم التكنولوجي في هذا العصر،فالتلوث مشكلة عالمية ،لا تعترف بالحدود السياسية لذلك حظيت باهتمام دولي ،لأنها فرضت نفسها فرضاً، ولان التصدي لها يجاوز حدود وإمكانيات التحرك الفردي لمواجهة هذا الخطر المخيف،والحق أن الأخطار البيئية لا تقل خطراً عن النزاعات والحروب والأمراض الفتاكة إن لم تزد عليها.



وفي الآونة الأخيرة بدأت الدراسات والفكر القانوني يهتم بقضايا البيئة ، ويأخذها مأخذ الجد ، وظهرت العديد من المؤلفات والبحوث والدراسات ، وعقدت عدة مؤتمرات ووقعت الكثير من الاتفاقيات التي تعالج هذا الموضوع، و مشكلة التلوث قد أخذت حيزاً من الاهتمام الدولي بسبب بعدها العالمي ،وأن البيئة الطبيعية وحدة واحدة لا تحدها حدود،لذلك فهي تثير العديد من الإشكاليات وخاصة القانونية منها،نظراً لمراعاة الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تحيط بهذه المشكلة ، ونظراً للتجاذبات الحساسة بين أهل الشمال الغني(الدول المتقدمة) ،وأهل الجنوب الفقير (الدول النامية) حول تحمل تبعة التلوث ،فإن هذا البحث المتواضع يأتي مساهماً مع الاتجاه الذي يبصر القارئ الكريم بهذه المشكلة وفق تسلسل بسيط وسهل،حيث تم تقسيم البحث إلى فصلين، تكفل الفصل الأول منه ببيان تعريف التلوث البيئي وماهيته، مبيناً إلى ما وصلت إليه هذه المشكلة من أبعاد وتفاقم وما هي أهم قضاياها،باعتبار أن فهم المشكلة هو بداية العلاج ، وكلما زادت معرفتنا بحجم المشكلة بقدر ما تزيد به إرادتنا وعزمنا على التصدي لها ، ومن ثم إيجاد الحلول وابتكار الأساليب والوسائل العلاجية والوقائية منها.



إلا أن الإشكالية التي أود إثارتها في هذا البحث، والنقطة التي تحتاج إلى تمحيص وعلاج هي المسؤولية الدولية عن منع الأضرار بالبيئة ،هذا الموضوع حديث يتصدى لمشاكل البيئة عن طريق الوقاية منها قبل علاجها ،وهو أفضل أسلوب في رأيي لاستناده إلى مبدأ" الوقاية خير من العلاج"، إضافة إلى ما يثيره من إشكالية قانونية مثل إقامة علاقة السببية بين الفعل غير المشروع والضرر الناجم عنه وتعذر إثبات الخطأ أو التقصير في بعض الحالات. وهذا ما سيتناوله الفصل الثاني من البحث.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.


الفهرس

الموضوع رقم الصفحة

إهداء 2

شكر وتقدير 3

مقدمة

4

الفصل الأول : مفهوم البيئة والتلوث ودور المنظمات الدولية في حمايتها

المبحث الأول: ماهية البيئة والتلوث 7

المطلب الأول: مفهوم البيئة والتلوث في اللغة والاصطلاح 7

المطلب الثاني: أبعاد مشكلة التلوث . 9

المبحث الثاني: الاتجاهات الدولية المختلفة لمعالجة فكرة التلوث. 12

المطلب الأول: وسائل الحماية من التلوث. 12

المطلب الثاني: الإجراءات الوقائية والحلول المقترحة لمعالجة فكرة التلوث 13

المبحث الثالث: دور المنظمات الدولية في حماية البيئة من التلوث. 15

المطلب الأول: تحديد المقصود بالمنظمات الدولية وأنواعها. 15

المطلب الثاني:دراسة تطبيقية لدور المنظمات الدولية في مجال حماية البيئة.

18

الفصل الثاني: المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية

المبحث الأول:الاتجاهات الدولية عن الأضرار البيئية 27

المطلب الأول:مفهوم المسؤولية الدولية 27

المطلب الثاني:الاتجاهات الحديثة للمسؤولية الدولية 29

المبحث الثاني: التنظيم القانوني الدولي للمسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية 31

المطلب الأول:الصعوبات التي تعترض تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية الدولية في مجال حماية البيئة. 31

المطلب الثاني: الحلول المناسبة للصعوبات التي تعترض تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية الدولية 33

المبحث الثالث:حماية البيئة عن طريق العقوبات الرادعة 35

المطلب الأول: مكافحة التلوث 35

المطلب الثاني: أمثلة تطبيقية على بعض العقوبات المتعلقة بحماية البيئة

36

الخاتمة. 40

التوصيات والنتائج 41

قائمة المراجع. 42

الفصل الأول : مفهوم البيئة والتلوث ودور المنظمات الدولية في حماية البيئة

يأتي هذا الفصل تمهيداً للتعريف بالمفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالتلوث البيئي من كافة جوانبه اللغوية والاصطلاحية العلمية والقانونية منها، ثم يوضح هذا الفصل إلى أي مدى وصلت إليه مشكله التلوث ،وما هي أبعادها وآثارها،ثم ما هي الاتجاهات التي ظهرت لمعالجة فكرة التلوث بشتى أنواعه.

وعليه نقسم الدراسة في ثلاثة مباحث:



1- ماهية البيئة والتلوث



2- الاتجاهات الدولية المختلفة لمعالجة فكرة التلوث.



3- دور المنظمات الدولية في حماية البيئة من التلوث.

المبحث الأول : ماهية البيئة والتلوث

البيئة بمعناها اللغوي الواسع تعني الموضع الذي يرجع إليه الإنسان، فيتخذ فيه منزله وعيشه ،ولعل ارتباط البيئة بمعنى المنزل أو الدار دلالته الواضحة، ولاشك أن مثل هذه الدلالة تعني في أحد جوانبها تعلق قلب المخلوق بالدار وسكنه إليها، ومن هذا المنطلق يتم التأكيد على وجوب أن تنال البيئة بمفهومها الشامل غاية الفرد واهتمامه تماماً كما ينال بيته ومنزله غايته وحرصه واهتمامه.

ولا يختلف المعنى اللغوي للبيئة عن المعنى الاصطلاحي لها إلا بالتفاصيل المتعلقة بمكونات البيئة وعناصرها ،وهنا لابد أن يشتمل بحثنا عن المفهوم اللغوي والاصطلاحي للكلمة ليستطيع القارئ الربط بين المفهومين في ذهنه.



المطلب الأول : مفهوم البيئة والتلوث في اللغة والاصطلاح



للبيئة مفهوم لغوي ،فهي مشتقة من "بوأ" وهي في اللغة تأتي بعده معاني منها :

1- المنزل أو الموضع ، يقال تبوأت منزلة أي نزلته ، وبوأ له منزلاً وبوأه منزلاً : هيأه ومكن له فيه (1) . ومنه قوله تعالى :") وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)(2)

وقوله تعالى :" وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ")3)

وقوله تعالى :" وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا " (4)

2- الرجوع ، ومنه قوله تعالى :" إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ " أي ترجع بها بسبب اعتدائك علي "

3- الاعتراف ، يقال : باء بحقه اعترف به (5)

4- الزواج : ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من استطاع منكم الباءة فليتزوج "

5- التساوي والتكافؤ : يقال باء دمه بدمه بواء ، أي عدله و فلان بواء فلان أي كفؤه إن قتل به . ) 6)



ولو نظرنا إلى هذه المعاني، نرى أن المعنى الأول هو الذي يتفق مع موضوعنا، وهو أشهر المعاني ،فالبيئة هي المنزل أو الموضع الذي يحيط بالفرد أو المجتمع ، فيقال بيئة طبيعية وبيئة اجتماعية وبيئة سياسية .

أما عن مفهوم التلوث في اللغة: فإن المعاجم اللغوية تشير إلى أن التلوث يعني خلط الشيء بما هو خارج عنه فيقال : لوث الشيء بالشيء خلطه به .







وقد جاء في لسان العرب لأبن منظور في مادة لوث (أن كل ما خلطته ومرسته فقد لثته ولوثته ، كما تلوث الطين بالتبن والجص بالرمل ولوث ثيابه بالطين أي لطخها ، ولوث الماء : كدره )(1)

وجاء في مختار الصحاح للإمام الرازي لوث ثيابه بالطين تلويثا لطخها ولوث الماء أيضا كدره

وجاء في المصباح المنير ( لوث ثوبه بالطين ، لطخه ، وتلوث الثوب بذلك )(2)

وجاء في المعجم الوجيز ( لوث الشيء بالشيء خلطه به...... وتلوث ثوبه بالطين : تلطخ به وتلوث الماء أو الهواء ونحوه : خالطه مواد غريبة ضاره



مفهوم البيئة التلوث و في الاصطلاح

تعريف البيئة في الاصطلاح العلمي هي : ذلك الحيز الذي يمارس فيه البشر مختلف أنشطة حياتهم، وتشمل ضمن هذا الإطار كافة الكائنات الحية من حيوان ،

ونبات ،والتي يتعايش معها الإنسان (3)

فالبيئة تشمل كل ما يحيط بالإنسان من ماء وهواء وأرض فهو يؤثر فيها ويتأثر بها.

وتتكون البيئة من أربعة أنظمة متكاملة ومتفاعلة ،هي الغلاف الأرضي والغلاف المائي والغلاف الغازي أو الهوائي والمجال الحيوي للكرة الأرضية ،أما العناصر التي تتكون منها البيئة فتندرج ضمن مجموعتين أساسيتين هما :

أ- العناصر الطبيعية المادية : وهي تتكون من هبات الله الطبيعية كالهواء والماء والتراب والثروات الطبيعة ومختلف المخلوقات الحية من نبات وحيوان وبشر، وهي تتفاعل في ما بنيها ضمن دورة متكاملا ومنظمة.

ب- العناصر المصنوعة التي ابتكرها الإنسان وسخرها لخدمته من خلال تغيره للعناصر الطبيعية المادية .

وقد ثبت حتى الآن أنه لا حياة للإنسان في غير بيئته التي نشأ فيها على كوكب الأرض ،هذه البيئة التي وجدها تتناسب ظروفه وتكوينه وأكملها بما أقام عليها من منشآت ومؤسسات لسد مزيد من حاجاته .

كما أن تعريف التلوث في الاصطلاح العلمي هو : عبارة عن الحالة القائمة في البيئة الناتجة عن التغيرات المستحدثة فيها ،والتي تسبب للإنسان الإزعاج أو الأضرار أو الأمراض أو الوفاة بطريقة مباشرة أو عن طريق الإخلال بالأنظمة البيئية . (1)

فالتلوث إذن هو كل ما يؤثر في جميع العناصر البيئية بما فيها من نبات وحيوان وإنسان، وكذلك كل ما يؤثر في تركيب العناصر الطبيعية غير الحية مثل الهواء والتربة والبحيرات والبحار وغيرها .

وأصبح تلوث البيئة ظاهرة نحس بها جميعاً فلم تعد البيئة قادرة على تجديد مواردها الطبيعية وأختل







التوازن بين عناصرها المختلفة ، ولم تعد هذه العناصر قادرة على تحليل مخلفات الإنسان أو استهلاك النفايات الناتجة من نشاطاته المختلفة، وأصبح جو المدن ملوثا بالدخان المتصاعد من عوادم السيارات وبالغازات المتصاعدة من مداخن المصانع ومحطات القوى ،والتربة الزراعية قد تلوثت نتيجة الاستعمال المكثف للمخصبات الزراعية والمبيدات الحشرية ،وحتى الكائنات الحية لم تخل من هذا التلوث .

ولم تسلم المجاري المائية من التلوث فمياه الأنهار والبحيرات في كثير من الأماكن أصبحت في حالة يرثى لها نتيجة ما يلقي فيها من مخلفات الصناعة من فضلات الإنسان كما أصاب التلوث البحيرات المقفلة والبحار المفتوحة على السواء .

كذلك أدى التقدم في الصناعة الهائل الذي صحب الثورة الصناعية إلى إحداث ضغط هائل على كثير من الموارد الطبيعية ، خصوصا تلك الموارد غير المتجددة مثل الفحم وزيت البترول وبعض الخامات المعدنية والمياه الجوفية ،وهي الموارد الطبيعية التي احتاج تكوينها إلى انقضاء عصور جولوجية طويلة ولا يمكن تعويضها في حياة الإنسان .

ولقد صحب هذا التقدم الصناعي الهائل الذي أحرزه الإنسان ظهور أصناف جديدة من المواد الكيميائية لم تكن تعرفها البيئة من قبل ، فتصاعدت بعض الغازات الضاره من مداخن المصانع ولوثت الهواء وألقت هذه المصانع بمخلفاتها الكيميائية السامة في البحيرات والأنهار .

أسرف الناس في استخدام المبيدات الحشرية ومبيدات الآفات والمخصبات الزراعية، وأدى كل ذلك إلى تلويث البيئة بكل صورها، فتلوث الهواء وتلوث الماء وتلوثت التربة واستهلكت ،واصبحت بعض الأراضي الزراعية غير قادرة على الإنتاج، كذلك ازدادت مساحة الأراضي التي جردت من الأحراش والغابات ،وارتفعت أعداد الحيوانات والنباتات التي تنقرض كل عام ، كما ارتفعت نسبة الأنهار والبحيرات التي فقدت كل ما بها من كائنات حية وتحولت إلى مستنقعات .



المطلب الثاني : أبعاد مشكلة التلوث

تزايد التلوث وأهم قضايا البيئة :

لقد بات مستقبل الحياة على كوكب الأرض مهددا ً بأخطار جسيمة بسبب سوء تصرف الإنسان واعتداءاته العمدية وغير العمدية المتزايدة على البيئة المحيطة والتي تشبع له حاجاته ، بل وهي قوام حياته ، وبدأت البيئة بالفعل – رغم نظامها البديع وإمكانياتها الكبيرة – تنوء بما أصابها من جراء ذلك من تلوث وتعجز عن معالجته تلقائياً بما يحقق خير الناس .

ومن تلوث البيئة أخذ الإنسان نفسه يعاني من المشاكل، ويذوق من ألوان العذاب بما قدمت يداه.

وقد أصاب التلوث كل عناصر البيئة المحيطة بالإنسان من ماء وهواء وغذاء وتربة ، وزادت الضجة المؤرقة والإشعاعات المؤذية فالماء في البحار والأنهار أصبح ملوث في حدود كبيرة أو قليلة بالكيماويات والفضلات وبقايا النفط والمعادن الثقيلة ، بل وبالماء المستعمل نفسه ، والهواء في أغلب المناطق المأهولة اختلت فيه نسب الغازات المكونة له لصالح الضار منها بفعل آلات الاحتراق الداخلي في المصانع والسيارات مع تقلص المساحات الخضراء ، والغذاء وصل إليه التلوث عن طريق المبيدات والكيماويات الحافظة وغيرها من الإضافات الضارة ،والتربة أصابها التلوث بسبب بقايا المبيدات والأسمدة الكيماوية والمخلفات الغريبة، والأملاح الزائدة وصار التلوث الصوتي من لوازم العصر بعد زيادة الضوضاء والأصوات المستنكرة بمصادرها الحديثة المختلفة ، وظهر التلوث الإشعاعي نتيجة استخدام الذرة سواء في الحرب أو في السلم.



وقد برزت مشكلة التلوث وتعاظم خطرها مع تقدم الصناعة واستخدام الآلات الحديثة وأسلحة الحرب المدمرة على نطاق واسع ، وكانت الدول الصناعية الكبرى سباقة إلى اكتشاف المشكلة ومخاطرها والبحث عن الحلول المناسبة لمعالجتها ، كما كانت سباقة في إحداث التلوث والإخلال بالتوازن البيئي .

ومع التزايد المستمر في عدد سكان العالم تتفاقم مشكلة التلوث وتتضخم مخاطرها ويتحتم البحث عن حلول جذرية لحماية البشرية من كوارث محققة .

وأول ما يمكن ملاحظته هو أن هذا التلوث أدى إلى حدوث انقلاب خطير في النظام الكوني ،حيث اختلطت الفصول فلا يعرف الصيف من الشتاء أو الخريف أو الربيع ، وذلك بسبب التزايد المستمر لغاز ثاني أكسيد الكربون، وهو السبب أيضاً في تحريك الكتل الهوائية المحيطة بالكرة الأرضية وهبوب العواصف وحلول كثير من الكوارث الطبيعية، كهطول الأمطار حول الكرة الأرضية وحدوث الفيضانات وانحسار حزام الأمطار حول الكرة الأرضية عن أماكن أخرى فيصيبها الجفاف.



ويمكن تشبيه بعض المدن الصناعية الكبرى مثل طوكيو ونيويورك ولندن وباريس والقاهرة ... إلخ بالبراكين الثائرة ، حيث يقذف سكان تلك المدن والآتهم ومصانعهم ومركباتهم بمئات الآلاف من الأطنان من الغازات السامة والأتربة وعوادم السيارات والمصانع ... إلخ إلى الهواء الجوي ،وتكون هذه الغازات والأتربة غلاله أو سحابة رمادية أو زرقاء اللون تغطي تلك المدن . وتزحف هذه السحب السوداء فوق القارات بفعل تيارات الهواء لتلوث مناطق أخرى (1).







أنواع التلوث ذات الاهتمام الدولي :

أ-النوع الأول : هو الذي يطلق عليه اسم "التلوث عبر الحدود" وهذا النوع يكون مصدر التلوث في إحدى الدول التي ينتج عنه أضرار تعبر حدود دولة المصدر إلى إقليم دولة أخرى، وينتج عنها أضرار بهذا الإقليم ، والتلوث عبر الحدود قد ينتقل من اقليم دولة إلى أخرى عبر الهواء والمياه سواءاً مياه انهاراومياه بخار، وهذا النوع من التلوث وكما هو واضح يحتاج إلى تعاون دولي لمنع أو لتقليل الأضرار الناتجة منه ، وفي معظم الأحوال يتحمل الإقليم المصدر للتلوث تكاليف مكافحة أضرار التلوث في الأقاليم المجاورة .



ب-النوع الثاني : من التلوث الذي يثير الاهتمام الدولي فهو الذي يضر بالمناطق المعروفة باسم "المال العام" وهي المناطق الواقعة فيما وراء حدود الولاية الإقليمية للدولة، والتي تعتبر ملكيتها شائعة بين كافة الدول، ومثال هذه المناطق أعالي البحار، والفضاء الخارجي ،والقطب الجنوبي للكرة الأرضية.



ج-النوع الثالث : من التلوث الذي يلقي عناية واهتمام دوليين هو ما يطلق عليه التلوث الضار "بالتراث الثقافي والطبيعي العالمي" ويهدف هذا الاهتمام إلى حماية بعض الأشياء الطبيعية والتي قام الإنسان بصنعها وتمثل قيمة عالمية كبرى من وجهة النظر الفنية العلمية تدفع المجتمع الدولي في أن يتحرك أما لحمايتها أولإيقاف مصادر التلوث المؤثرة عليها ، ولا شك أن كثير من الدول قد تعاونت إيجابياً في السماح للمجتمع الدولي بالتدخل والعمل داخل أراضيها سواءاً من خلال اتفاقيات الدول أو من خلال المنظمات الدولية كاليونسكو لإنقاذ التراث الثقافي والطبيعي العالمي من التلف أو الضرر وبما لا يمس سيادتها أو التدخل في شئونها الداخلية .



د-النوع الرابع : هو عبارة عن تلوث محلي أو داخلي :

وهو تلوث يكون مصدره وأثاره الضارة داخل نفس الإقليم، وفي نفس الوقت نجد أن طبيعة الاهتمام بهذا التلوث لا تدخل في أي نوع من الأنواع الثلاثة السابقة، وقد يرجع الاهتمام الدولي بمثل هذا التلوث المحلي أو الداخلي إلى باعثين أساسيين : الأول إذا تطلب مواجهة هذا الكون اشتراك عدد من الدول أو المنظمات الدولية من خلال خبرائها الدوليين في مجال هذا النوع من التلوث، فالدول الفقيرة لا يمكنها مواجهة كافة مصادر التلوث التي تؤثر بالضرر على بيئتها ،ومن هنا يمكن أن تطلب مساعدة المجتمع الدولي فنيا وماليا،





أما الباعث الثاني في حالة التلوث الداخلي إذا وصل إلى درجة تؤثر على حركة التجارة الدولية ،ولن يقتصر الأمر على وضع قيود على البضائع القادمة من هذه الدول بل أنها ستمر على عدة اختبارات علمية وفنية لقياس مدى تلوثها مما يضيف تكاليف على أسعار هذه السلع قد تؤدي إلى إخراجها من مجال المنافسة مع البضائع المشابهة التي تنتجها دول أخرى لا تتعرض لنفس التلوث وأضراره . (1)



المبحث الثاني : الاتجاهات الدولية المختلفة لمعالجة فكرة التلوث



بالرغم من الأخطار الداهمة التي تهدد توازن المجال الحيوي فإنه لم يفت الأوان بعد لكي تدرك الإنسانية أن الضرورة تحتم القيام تبرير فكري وعقلي في الأرض وتقبل المسئولية لتحديد خطة من أجل مجتمع ثابت، إن هذا التنظيم الجديد يتطلب المحافظة على المناطق الطبيعية والمواطن الإنسانية أو على الأقل الاحتفاظ بحد أدنى للتطور، وإنهاء التبذير في المواد التي لا تتجدد، وكذلك التبذير في الطاقة ووضع سياسة سكانية متزنة . (2)

وحتى نلم بموضوع المعالجة لفكرة التلوث نرى تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين :

المطلب الأول :وسائل الحماية من التلوث.

المطلب الثاني : الإجراءات الوقائية والحلول المقترحة لمعالجة التلوث.



المطلب الأول : وسائل الحماية من التلوث



تستلزم حماية البيئة في أي مكان القيام بعدة مهام أساسية لا غنى عنها جميعا لتحقيق الهدف المنشود وهي :

1- الاهتمام بالوعي البيئي : ينبغي رفع مستوى الوعي البيئي لدى السكان لتفادي مخاطر الجهل بأهمية الحفاظ على البيئة ومواجهة حالات التلوث التي تكون الرذيلة فيها جهلا ،ويتم ذلك عن طريق إدخال حماية البيئة ضمن برامج التعليم في المدارس والجامعات واستخدام أجهزة الإعلام العصرية واسعة الانتشار ،أهمها التلفاز وكذلك تقديم المعلومات لرجال الأعمال التقنية السلمية بيئيا ومزاياها .

2- إعداد الفنيين الأكفاء : يجب إعداد الفنيين الأكفاء في مجالات علوم البيئة بالقدر الكافي للعمل على حماية البيئة ووقايتها من كل أنواع التلوث وذلك في مجالي التخطيط والتنفيذ على السواء حتى تكون حماية البيئة من عناصر دراسة الجدوى بالنسبة للمشروعات المراد أقامتها، ومن أهم ضبط السلوك البشري في المجالات
التنفيذية وفي حياة الناس وعاداتهم بصفة عامة .

3-سن القوانين اللازمة : يلزم سن القوانين اللازمة لحماية البيئة من الاعتداءات التي يمكن أن تقع على أي عنصر من عناصرها ،والقوانين الأكثر فعالية هي تلك التي تقي من التلوث وتحول دون وقوعه ، فموضوع العقوبات الرادعة على مخالفات البيئة وذلك ليس بقصد معاقبة المعتدين بقدر ما هو بهدف منع الآخرين من الاعتداء على البيئة خشية العقاب .

4- منح الحوافز البيئية : يمكن الاستفادة من طموحات الإنسان ورغبته في تحقيق المكاسب المادية في حماية البيئة، وذلك عن طريق تقديم القروض الميسرة لتحول إلى تقنيات البيئية النظيفة ،وتقديم المساعدة التقنية المؤدية إلى حماية البيئة عن طريق السماح بالمتاجرة في تصاريح التلوث، بحيث تستطيع المنشأة قليلة التلوث أن تبيع حصتها من التلوث المسموح به إلى منشأة يفوق تلوثها الحدود المسموح بها .

5-ردع ملوثي البيئة : إن خوف الإنسان من العقاب كثيرا ما يدفعه إلى تقويم سلوكه، لذلك ينبغي تنمية قدرات المؤسسات المسئولة عن الكشف عن المخالفات البيئية وعدم التراخي في توقيع العقوبات البيئية على المخالفين لقوانين البيئة .(1)



المطلب الثاني : الإجراءات الوقائية والحلول المقترحة لمعالجة التلوث



أولاً: الإجراءات الوقائية للمحافظة على سلامة الهواء : هناك عدد من الإجراءات والتدابير يمكن اتباعها حتى تقي من التلوث الهوائي، منها على سبيل المثال التخطيط العلمي السليم عند إنشاء أية صناعة ،بحيث يراعي المناخ والتضاريس وتحديد المقاييس الخاصة بالتركيزات القصوى للمواد الملوثة التي يسمح بوجودها في الهواء ،وإنشاء نقاط رصد ومراجعة لقياس جودة الهواء في مناطق مختلفة من كل مدينة مع مراعاة أنماط النمو في هذه المدن وكمية المواد الملوثة ،ونشر معايير جودة الهواء بالنسبة للمواد الملوثة ،وكذلك نتائج ورصد قياس تلك الجودة في وسائل الإعلام المختلفة ،والاهتمام بزراعة الأشجار وزيادة المسطحات والأحزمة الخضراء حول المدن والمناطق الصناعية .(2)

ومن الحلول المقترحة لمقاومة تلوث الهواء اختيار أنواع من الوقود خالية هي ومخلفاتها من المواد الملوثة، والتحول إلى مصادر جديدة للطاقة قليلة التلوث ومراقبة السيارات ووسائل النقل العامة وإيقاف أية وسيلة مواصلات تنبعث منها نسبة غازات عالية ،ومراقبة مصادر التلوث وبالذات آلات الاحتراق في المصانع


ومحطات الطاقة الكهربائية، وذلك للتقليل من كمية المواد الملوثة المنطلقة منها .(1)

ثانياً: الإجراءات الوقائية للمحافظة على سلامة الماء : من ذلك استقصاء المواد الملوثة للماء وإعداد قوائم قياسية لها ودراسة طبيعة الماء من حيث حجم وتركيب وشحنة الجسيمات الملوثة منه وكذلك خواصه، وتحديد التأثيرات المزمنة للمواد الملوثة عند تعرض الإنسان والكائنات الأخرى لتركيزات منخفضة منها وتحديد الأمراض المنقولة عن طريق المياه الملوثة وسن التشريعات الفردية للإبقاء على الماء في حالة كيميائية وطبيعيه وبيولوجية لا تسبب أضرارا للإنسان والحيوان والنبات ،والحرص على التحليل الدوري للمياه كيميائيا وبيولوجيا للتأكد من سلامتها باستمرار .

ومن الحلول المقترحة لمعالجة تلوث الماء : تحسين طرق معالجة مصادر المياه العامة ،ومعالجة مياه المجاري لسد الحاجة المضطرة للمياه نظرا لازدياد أعداد السكان والتقدم الصناعي والزراعي وما تحتاجه الصناعة والزراعة من مياه . (2)



ثالثاً: الإجراءات الوقائية للمحافظة على سلامة التربة : وبما أن التلوث لم يقتصر على مجالي الهواء والماء، بل تعداه إلى التربة ،فإنه يلزم إتخاذ جملة من هذه الإجراءات الوقائية للمحافظة عليها ،وهي مكافحة الآفات الضارة والتخلص من بعض المخالفات كالمواد البلاستيكية والإطارات المطاطية وذلك بفرمها وخلطها بمواد رصف الطرق .

وعن الحلول المقترحة لمعالجة تلوث التربة : فإذا ما دعت الضرورة القصوى لاستخدام المبيدات، نستخدم تلك السريعة التحليل بدلا من الثابتة وإذا ما دعت الضرورة لاستخدام المبيدات الثابتة فيكون ذلك بأقل قدر ممكن، وفي ظروف تجعلها أقل تلويثا للبيئة ، وكذلك إجراء المزيد من البحوث عن العلاقة بين المبيدات التي تلوث البيئة وبين الكائنات الحية منها، مع التوعية والتدريب المستمران لمستخدمي المبيدات للتعريف بالأساليب المثلى لمكافحة الآفات واستخدام أقل كمية ممكنة من المبيدات لتحقيق الغرض المطلوب وتحسين معدات استخدام المبيدات .


المبحث الثالث : دور المنظمات الدولية في حماية البيئة من التلوث:



نتناول في هذا المبحث تحديد المقصود بمصطلح ( المنظمة الدولية ) ،والتى يعنى التنظيم الدولي بوضع القواعد التي تحكم إنشائها ونشاطها ،ثم نتعرض إلى أنواع المنظمات الدولية وهذا ما نوضحه في المطلب الأول، أما المطلب الثاني فنتعرف من خلاله على دراسة تطبيقية وأمثلة تم اختيارها لنبين دور المنظمات الدولية في مجال حماية البيئة من التلوث .





المطلب الأول : تحديد المقصود بالمنظمات الدولية وأنواعها :



تعريف المنظمات الدولية :

يمكن تعريف المنظمة الدولية: بأنها شخص معنوي من أشخاص القانون الدولي العام ،ينشأ من اتحاد ارادات مجموعة من الدول لرعاية مصالح مشتركة دائمة بينها، ويتمتع بإرادة ذاتية في المجتمع الدولي وفي مواجهة الدول الأعضاء (1) .



من التعريف السابق يمكن أن نستخلص العناصر الأربعة الرئيسية لنشأة المنظمة الدولية ،والتي يجب توافرها لتكون متمتعة بالشخصية القانونية الدولية ،وهي كما يلي :



أ‌- الديمومة أو الاستمرار.

ب‌- الإرادة الذاتية أو الشخصية المستقلة.

ج- الصفة الدولية .

د- الصفة الاتفاقية.



أولا : عنصر الديمومة أو الاستمرار:لا تعد مؤسسة ما منظمة دولية إلا إذا كانت دائمة ومستمرة،وليس المقصود هنا الديمومة المطلقة وإنما استمرار المنظمة مادام ميثاقها المنشئ نافذا، فذلك ما يميزها عن المؤتمر الدولي الذي وان كان من الناحية التاريخية خطوة أولى نحو التنظيم الدولي، لكنه ذو طبيعة عارضة وكيان مؤقت .

وكذلك عنصر الديمومة في المنظمة لايعني أن تعمل أجهزتها كافة بصفة دائمة مادامت المنظمة ككل تمارس اختصاصاتها بصفة مستمرة ،وبالتالي فليس ما يمنع المنظمة أن تستبدل بأحد أجهزتها جهازا جديدا أو أكثر عن العمل لفترة مؤقتة أو دائمة (كوضع مجلس الوصاية في الأمم المتحدة بدءاً من عام 1994م)(2)

فالعبرة حيث بقاء المنظمة الدولية قائمة على المصالح المشتركة التي أنشئت ككيان مستقل لتحقيقها

ثانيا : عنصر الإرادة الذاتية والشخصية المستقلة :



لابد لوجود المنظمة الدولية من أن يكون لها شخصية مستقلة تمكنها من ممارسة إرادة ذاتية خاصة بها تتميز عن إرادة الدول المكونة لها، وهذا العنصر عنصر أساسي في تعريف المنظمات الدولية اذ يلزم أن تكون للمنظمة ذاتية مستقلة في مجال العلاقات الدولية بحيث أن الأعمال و القرارات الصادرة عن المنظمة الدولية تنسب اليها وحدها، وهذه الذاتية المستقلة هي التي تمنح المنظمة الدولية وجودا مستقلا عن وجود الدول التي أسست المنظمة .

وتظهر الإرادة المستقلة للمنظمة الدولية في أن القرارات الصادرة عن المنظمة تنسب اليها وليس الى الدول التي وافقت على إصدارها ،كما أن القرارات الصادرة عن المنظمة يلتزم بها كل الدول الأعضاء في المنظمة، سواءا كانوا قد وافقوا عليها أم عارضوها (1)



ثالثا :- الصفة الدولية :



ينبغي من حيث المبدأ أن يكون أعضاء المنظمة الدولية دولًاً بالمعنى المعروف في القانون الدولي، ولعل هذا هو السبب الذي حمل البعض على إطلاق عبارة المنظمات الدولية الحكومية على هذه المنظمات تميزا لها عن المنظمات الدولية غير الحكومية أو الخاصة التي تنشأ عن طريق اتفاقات تعقد بين جماعات أو هيئات خاصة تنتمي لجنسيات مختلفة، كجمعية الصليب الأحمر الدولية ،والاتحادات العلمية الدولية، والاتحاد الدولي للنقابات000الخ"



قلنا إن العضوية في المنظمات الدولية العامة هي اصلاً حق الدول، ولكن ترد على هذا المبدأ بعض الاستثناءات، فبعض هذه المنظمات تسمح بأن تنضم إليها بعض الجماعات الاقليمية التي لاتعد دولا بالمعنى الدقيق للتعريف، مثال ذلك منظمة الصحة العالمية ،والاتحاد الدولي للمواصلات اللاسلكية ،واتحاد البريد العالمي ،فهذه المنظمات تسمح لبعض المقاطعات والأقاليم الغير متمتعة بالحكم الذاتي بالانضمام إليها، لان هذه الأقاليم تتمتع بقدر واسع من اللامركزية ولها مصالح قد تستدعي تمثيلها في المنظمات تمثيلا مستقلا عن دولة الأصل.

كذلك فان بعض المنظمات تسمح لمندوبي بعض الفئات الاجتماعية المعنية بحضور اجتماعاتها جنبا إلى جنب مع مندوبي الحكومات ومنظمة العمل الدولية مثل أن تجمع في مؤتمراتها بين مندوبي العمال وأرباب العمل .(2)



رابعا :- الصفة الاتفاقية :



تنشأ المنظمة الدولية عن طريق اتفاق مجموعة من الدول على تأسيسها حيث ينص على هذا الاتفاق في وثيقة تعرف "الوثيقة المنشئة للمنظمة " والتي يتم إقرارها في مؤتمر دولي تدعى إليه الدول المؤسسة للمنظمة، ثم تقوم الدول الأعضاء بالتصديق على هذه الوثيقة طبقا للإجراءات التي يقررها دستور كل دولة وتبدأ الوثيقة في النفاذ بإيداع الدول تصديقاتها لدى الأمانة العامة للمنظمة أو لدى أية دولة يتفق على إيداع التصديقات لديها .



وتتولي الوثيقة المنشئة للمنظمة الدولية تحديد الاهداف والمبادئ للمنظمة، وأيضا تحديد الأجهزة التي تتكون منها المنظمة، ووظيفة كل جهاز ،وتحديد حقوق وواجبات الدول الأعضاء وموعد سريان الوثيقة في النفاذ وكيفية تعديلها.(3)



أنواع المنظمات الدولية :-



كان لانتشار المنظمات الدولية واتساع أوجه النشاط لكل منها ،وما يترتب على ذلك من تنوع أهدافها وتباين وظائفها، أن حاول فقهاء القانون الدولي تصنيف هذه المنظمات كل في وجه النظر الخاصة به حتى وصلت هذه التقسيمات إلى أنماط يصعب حصرها .

ويجدر القول بأن معايير هذ التصنيف قد اختلفت بحسب زاوية النظر إلى المنظمة وسوف نقصر عرضنا على تصنيفات ثلاث فحسب، الأول منها يقسمها من حيث نطاق العضوية ،والثاني ينظر إليها من حيث نوع السلطات ،ويقسمها الأخير وفقا للطبيعة الموضوعية للمنظمة .

أولا :- تقسيم المنظمات بحسب نطاق العضوية (عالمية- إقليمية ):



يقصد بالتصنيف وفقا لنطاق العضوية عالمية أو إقليمية المنظمة، وتعني المنظمات العالمية تلك التي تسمح بالانضمام الى عضويتها كافة دول المجتمع دون ما حاجة إلى تقيد قبول الدول بشروط معينة تسمح بانضمام دول معينة دون أخرى ،أما المنظمات الإقليمية فهي المنظمات التي تضم عددا معينا من الدول تربط فيما بينهم روابط ومصالح مشتركة (1)



ثانيا :- تقسم المنظمات الدولية بحسب نوع السلطات :

(منظمات استشارية-منظمات ذات سلطات – منظمات فوق الدول)



تتمتع كل المنظمات الدولية – كقاعدة عامة – بمجموعة السلطات اللازمة لادارة عملها الداخلي والمتعلقة بالموظفين، وتمويل المنظمة ،وأساليب تسيير العمل فيها.

على أنه يمكن تقسيم المنظمات الدولية إلى خمسة أنواع وفقا لمدى تمتعها بسلطات أوسع من تلك السلطات الأولية تندرج على النحو التالي :

أ‌- فهناك عدد كبير من المنظمات لا يتمتع بأي سلطة حقيقية في مواجهة الدول الأعضاء ويقتصر دوره على تبادل المعلومات ونشرها وإجراء البحوث.

ب‌- وهناك عدد كبير آخر لا يملك سوى سلطات التعبير عن رغبات أو آراء – الآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية – أو إصدار توصيات ليست لها صفة الإلزام القانوني (توصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة )

ج- وبعض المنظمات- وهي قلة – تملك سلطة إصدار القرارات القانونية الملزمة (قرارات مجلس الأمن في أحوال تهديد الأمن ووقوع العدوان – أحكام محكمة العدل الدولية – قرارات السلطة العليا للجماعة الأوروبية للفحم والصلب).(2)

د- وبعض المنظمات الأخرى وهي قلة أيضا تتمتع بسلطات ذاتية يحل بها محل الأجهزة المختصة بالتشريع أو القضاء أو التنفيذ العسكري في الدول الأعضاء، ومثال ذلك سلطات مجلس الأمن في اتخاذ إجراءات عسكرية في حال وقوع عدوان وهي سلطات مازالت حتى اليوم نظرية أكثر منها عملية .

هـ- وهناك أخيرا منظمات أخرى وتتمتع بسلطات ذاتية تباشرها دون أن تحل محل الأجهزة المختصة في الدول الأعضاء وأهم هذه السلطات سلطة الرقابة وسلطة العمل المباشر .(3)

المطلب الثاني:دراسة تطبيقية لدور بعض المنظمات الدولية في مجال حماية البيئة.



( الأمم المتحدة UN )



انتشرت فكرة المنظمات الدولية خلال القرن العشرين بشكل كبير ،وهي تعتبر وفقا للقانون الدولي كيانا نشأ بالاتفاق بين الدول التي تمثل الأعضاء الأساسية في المنظمة الدولية .

وتختلف المنظمات الدولية وتتباين من حيث : الاختصاص والأهلية والعضوية ومثال ذلك الأمم المتحدة التي تعتبر منظمة عالمية، حيث العضوية فيها عالمية ، بينما جامعة الدول العربية أو منظمة الوحدة الأفريقية أو الجماعة الاقتصادية الأوربية فهي منظمات دولية إقليمية .

وقبل أن تمارس المنظمة الدولية نشاطها على المسرح الدولي ،لابد من الاعتراف لها بقدر من الشخصية الدولية ،وتختلف بطبيعة الحال قدر الشخصية الذي تتمتع به المنظمة الدولية, وعليه تجد أن بعض المنظمات الدولية تتمتع بمجموعة من الحقوق لا تتمتع بها منظمات أخرى, بينما نجد أن كافة الدول تتمتع بقدر واحد من الشخصية الدولية وهذا الوضع لا يتحقق بالنسبة للمنظمات الدولية.(1)

ونجد أن الجهود الدولية على المستوى الدولي للمحافظة على البيئة قد بدأ خلال وقبل الحرب العالمية الثانية, عندما قامت عصبة الأمم بالتعاون مع بعض الحكومات بإبرام اتفاقية دولية للحد من تلوث البيئة البحرية بواسطة السفن, ومع بداية الأربعينيات والخمسينيات, أبرمت عدة اتفاقيات دولية للمحافظة على الأحياء المائية والحياة البرية, لكنها لم تحظ بأية فاعلية نتيجة عدم تصديق الدول عليها، مثال ذلك الاتفاقية الدولية لتنظيم صيد الحيتان لعام 1946م.

هذا وقد اعتبرت بداية الستينيات, نقطة الانطلاق في ظهور مجموعات من الاتفاقيات الدولية والتشريعات الوطنية بشأن مواضيع البيئة, بهدف أيجاد حلول للمشاكل البيئية, من خلال القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية التي تبين كيفية حماية البيئة والنهوض بها.

إلى جانب استخدام أساليب الإدارة البيئية والتوزيع العادل وغير الضار بالمصادر والثروات الطبيعية.

هذا الاتجاه في القوانين الوطنية أو الاتفاقيات الدولية, عرفت فيها بعد بالقوانين البيئية الدولية أو الوطنية, بالنظر لعلاقتها بمواضيع البيئة, والهدف الأساسي من إبرامها تحسين الوضع البيئي من خلال هذه القوانين.(2)

فعلى المستوى الدولي اهتمت المؤتمرات ببحث مشكلة التلوث. ففي عام 1972م عقدت مدينة أستوكهولم بالسويد مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية وتتابعت بالمؤتمرات الدولية والعالمية والإقليمية الهادفة إلى حماية البيئة من أخطار التلوث, بل والى تربية الناس تربية من شأنها الحفاظ على البيئة التي يعيشون فيها، مثال ذلك المؤتمر الدولي للتربية البيئية الذي عقد عام 1977م بمدينة يبليس بالاتحاد السوفيتي المنهار.

كما أقيمت الهيئات والأجهزة الدولية المكرسة لحماية البيئة, وعلى رأسها برنامج الأمم المتحدة للبيئة الذي أقيم في أعقاب مؤتمر أستوكهولم كأداة للأمم المتحدة في مجال النهوض بالتعاون الدولي لحماية البيئة, ومنها الأقسام والفروع التي خصصتها كثير من المنظمات الدولية للعناية بالبيئة, وتعمل هذه الأجهزة على أجراء البحوث ورصد الملوثات, وتبادل الخبرات والمعلومات, وتنسيق الخطط والمشروعات, وإعداد التوصيات والاتفاقيات المتعلقة بحماية البيئة حتى في المناطق الغير الخاضعة لسيادة أي دولة من الدول كأعالي البحار والمناطق القطبية.(1)



تتعاون الأمم المتحدة مع الكثير من المنظمات الأخرى في مجال حماية البيئة ففي عام 1993م أنشئت منظمة الصليب الأخضر الدولي في جنيف لتعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة على حماية البيئة من الكوارث والملوثات, وكان أول رئيس لها هو ميخائيل جوربا تشوف رئيس الاتحاد السوفيتي الأخير.



مؤتمر قمة الأرض:.في النصف الأول من شهر يونيو عام 1992م وفي مدينة ريوديجانيرو بالبرازيل أنعقد مؤتمر "البيئة والتنمية" الذي أشتهر بمؤتمر قمة الأرض ،وهو أكبر اجتماع عالمي في التاريخ, حيث ضم ممثلي 178 دولة, وحضره أكثر من مائه من رؤساء الدول والحكومات, وأستهدف حماية كوكب الأرض وموارده ومناخه, ووضع سياسة للنمو العالمي والقضاء على الفقر مع المحافظة على البيئة.

وقد بدأ المؤتمر بدقيقتي صمت إحتراما لمتاعب الكوكب المريض, ثم ألقى الأمين العام للأمم المتحدة كلمة افتتاح المؤتمر، أكد فيها أن الأرض مريضة بالتخلف والتقدم معا, وأن الدول الأغنى تتحمل النصيب الأكبر من مسؤولية تلويث الأرض, وأن الجميع معنيون, أهل الشمال الغني وأهل الجنوب الفقير, لأن الأرض بيتهم المشترك، وأضاف أن التنمية يجب أن لا تتم على حساب البيئة. وأن إنقاذ الأرض من أجل الأجيال المقبلة يستلزم جهدا دوليا موحدا ،وتعاونا عالميا منسقا بين جميع أبناء الجنس البشري.(2)



وأصدر المؤتمر في ختام أعماله "إعلان ريو" الذي تبنته كافة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة, وتضم 27 مبدأ يجب الاستناد إليها في إدارة الكرة الأرضية باعتبارها "دار الإنسانية " من أجل الحفاظ على البيئة في عملية التنمية, ومن أهم هذه المبادئ المبدأ الثاني الذي يوجب على الدول " أن تضمن الا تخلق أنشطتها أضرار بيئية لدول أخرى" والمبدأ الثامن الذي يوجب على الدول أن تتخلى عن وسائل الإنتاج والاستهلاك التي تتعارض مع تحقيق نمو دائم ورفع مستوى معيشة جميع الشعوب.

والمبدأ رقم (16) الذي يقضي بأنه "يتعين على الهياكل الإدارية الوطنية أن تناضل من أجل تدويل التكاليف البيئية، وإجبار المتسببين في التلوث على الدفع". والمبدأ رقم (25) الذي يقضي بأن" السلام والتنمية وحماية البيئة هي مسائل متداخلة يعتمد بعضها على بعض".

وأرفقت بالإعلان خطة عمل مفصلة عرفت باسم "جدول أعمال القرن الواحد والعشرين" وهي وثيقة تتكون من 800 صفحة, تتضمن مبادئ التنمية المتوافقة مع متطلبات البيئة أي "التنمية القابلة للاستمرار في كافة ميادين النشاط الاقتصادي".

غير أن مؤتمر قمة الأرض لم يحقق التوقعات المرجوة، وأخفق في علاج عدد كبير من القضايا البيئية الهامة ،خاصة فيما يتعلق بنسبة مساعدات التنمية التي تقدمها الدول الفقيرة ، ومشكلة دور الطاقة الاحفورية في زيادة حرارة الأرض ، كما أن إعلان ريو وجدول أعمال القرن الحادي والعشرين واتفاقيتي تغييرالمناخ والتنوع الحيوي كلها نصوص غير مفصلة وغير ملزمة إلا قليلا.



وفي أواخر يونيو عام 1997م انتهى مؤتمر قمة الأرض التالي الذي عقدته الأمم المتحدة في نيويورك بالفشل في إقرار بيان ختامي بشأن حماية البيئة يتضمن اتخاذ إجراءات جديدة لمقاومة ارتفاع درجات حرارة الأرض، وأكد رئيس المؤتمر انه ليس لدى الحكومات الإرادة السياسة لحل مشاكل البيئة المعقدة التي يواجهونها، كما اعترف اغلب مندوبي الدول المشاركة في المؤتمر، وعددها 170 دولة بفشل المؤتمر . ويعزى هذا الفشل إلى الخلافات المستعصية بين الدول الصناعية التي تطالب بمبادرات بيئية ، والدول النامية التي تطالب بمساعدات مالية ، وقد أقر مؤتمر قمة الأرض بنيويورك وثيقة تم التوصل إليها في اللحظة الأخيرة بدلاً من البيان الختامي أكد فيها:

- أن التدهور المتزايد للوضع البيئي يدعو إلى القلق العميق.

- أن التغيرات المناخية تشكل أحد أكبر التحديات التي سيواجهها العالم خلال القرن الواحد والعشرين.

- أنه يوجد توافق واسع ولكنه ليس شاملاً حول ضرورة اعتماد قيود ملزمة ، واقعية وعادلة للدول الصناعية تؤدي إلى خفض كبير لانبعاث الغازات وفق جداول زمنية محددة.

- أن نتائج القمة القادمة التي ستعقد في (كيوتو) باليابان ستكون حيوية.


المنظمات الإقليمية

وبخصوص المنظمات الإقليمية التي تهتم بالشأن البيئي فهي عديدة وليس المقام هنا لحصرها لكن سنقتصر على مثالين فقط في منطقتنا العربية بحكم القرب والدراية بها أكثر من غيرها.



المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية:

في الواقع أن أول محاولة جادة في منطقة الخليج العربي لمحاربة التلوث كانت عام 1979م ،حين أنشئت في الكويت المنظمة الإقليمية لحماية البيئة البحرية . والتي ضمت كلا من البحرين ،الكويت ، عمان،قطر،المملكة العربية السعودية،الإمارات العربية المتحدة ،العراق وإيران . وقد قامت سكرتارية هذه المنظمة منذ عام 1982م بإنجاز عدة برامج لحماية البيئة البحرية من التلوث، كما نظمت دورات تدريبية جماعية ،وورش عمل وندوات للدول الأعضاء بهدف زيادة القدرات العلمية والتقنية لدى شعوب المنطقة . وقد تدرب مئات الأشخاص في مجالات عدة مثل اخذ العينات الملوثة بالنفط وغير الملوثة وتحليلها،ومثل تداول المعلومات وصيانة المعدات ، علاوة على مكافحة التلوث البحري وضبطه ومعالجته ،وعلي تشغيل معدات مكافحة التلوث بالنفط وصيانته وتخزينها.

وفي عام 1982م ،انبثق عن المنظمة مركز المساعدة للطوارئ البحرية في البحرين ، الذي راح يقوم بإجراءات يتم بموجبها نقل الكوادر البشرية والمعدات والمواد المطلوبة في الحالات البحرية الطارئة من الدول واليها وعبرها، كما ويشجع برامج التدريب الخاصة بمكافحة التلوث . ويعد المركز كذلك قوائم بالهيئات والمواد والسفن والطائرات المتوافرة وغيرها من المعدات المتخصصة اللازمة في الحالات البحرية الطارئة.(1)

ولان دول الخليج عرفت نقلة تطورية وتنموية مميزة في العقود الأخيرة من القرن العشرين ،كان لابد من أن تتعرض لعوامل وآثار التلوث ،وإزاء هذا الوضع كان لمجلس التعاون الخليجي دوره في التعرض لمشاكل التلوث البيئي .ففي 16/4/1994م، عقدت لجنة التعاون البيئي بدول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة اجتماعها الأول لمواجهة التحديات البيئية المستجدة في المنطقة، وقد توصلت اللجنة إلى القرارات التالية:

- وضع نظام أساسي لحماية البيئة يتضمن القواعد الأساسية للمحافظة على البيئة وحمايتها وتلتزم به كافة الدول الأعضاء.

- وضع سياسة واضحة المعالم لمعالجة المشاكل البيئية تستهدف حماية البيئة من التلوث والمحافظة على الموارد الطبيعية ،والبشرية وتنمية ودعم الإمكانيات الوطنية الأزمة لحماية البيئة وضمان سلامتها ،مع الاهتمام بالتقنيات الموروثة المتلائمة مع البيئة.

- إنشاء واستكمال الأجهزة التشريعية والتنسيقية ودعم الاجهزه التنفيذية المناط بها تنفيذ أنظمة ومقاييس وقواعد حماية البيئة وتوفير ما تحتاجه من إمكانيات للرصد والملائمة والمحافظة على البيئة.

- مراعاة الاعتبارات البيئية وإعطاؤها أولويات متقدمة , ودمج هذه الاعتبارات في جميع مراحل ومستويات التخطيط,وجعل التخطيط البيئي جزءا لا يتجزأ من التخطيط الشامل للتنمية في جميع المجالات الصناعية والزراعية والعمرانية, لتفادي الآثار السلبية التي تنجم عن إهمال هذه الاعتبارات، مع الأخذ بالحسبان التوازن بين العوامل الاقتصادية والبيئية بما يضمن تحقيق التنمية الشاملة.

- اعتماد مبدا التقييم البيئي للمشاريع, وإعداد دراسات القيم البيئية وتقدير جدواها ،وربط ترخيص المشاريع والمرافق بموافقة الجهة المسؤولة عن حماية البيئة على نتائج هذه الدراسات.

- وضع القواعد والتشريعات والمقاييس اللازمة المتعلقة بحماية البيئة وتقديم الإرشادات لاستخدام الموارد الطبيعية ولأحياء الفطرية.

- تنسيق الجهود التي تبذلها الدول الأعضاء لمنع التأثيرات السلبية لمشروعات التنمية والتصنيع التي تقوم بها إحدى الدول على البيئة بالدول المجاورة.

- الاهتمام بحصر وجمع وتبادل المعلومات البيئية الإقليمية والدولية واستخدامها في عملية التخطيط.

- التنسيق بين الدول الأعضاء وتشجيع البحث العلمي وإجراء الدراسات للتعرف على المشكلات البيئية التي تعاني منها المنطقة مع تحديد الأولويات والمجالات لتفادي التكرار والازدواجية ،وإعداد دليل بالخبرات المتوفرة في مجالات حماية البيئة في الدول الأعضاء على أن يتم تحديث هذا الدليل بصورة دورية.(1)

بيد أن حرب الخليج تجاوزت كل التقديرات والتشريعات ،إذ أدت إلى تلويث بيئة الخليج بصورة لم يسبق لها مثيل وما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.













جماعة الخط الأخضر في إقليم الخليج العربي و شبكة الإعلاميين البيئيين لحوض البحر المتوسط :



الخط الأخضر هي أول جماعة خضراء في إقليم الخليج العربي ، لها نفس أهداف الجماعات الخضراء في جميع أنحاء العالم حيث تعتبر نموذجا للعمل البيئي النشط والحيوي ،ووسيلة من وسائل نشر الوعي البيئي ومواجهة أية تعديات تتعرض لها البيئة.(1)



أسس النواة الأولى للخط الأخضر شابين كويتيين هدفهما إنقاذ المجتمع من التلوث الذي بدأ يفتك به ،ورغم الصعوبات والعراقيل التي واجهتهم إلا أن الإصرار على إنقاذ المجتمع بكافة أفراده من التلوث والرغبة في حماية البيئة كانت تهون عليهم الصعوبات والعراقيل التي واجهتهم وقد استطاعا ان يقوما بأول تجمع بيئي سياسي في تاريخ الشرق الأوسط ،وذلك عبر تجمع نفوق الأسماك الذي أقيم أمام البرلمان الكويتي أثر كارثة نفوق الأسماك، للتعبير عن الرفض الكامل لأساليب معالجة الكارثة ،ولخلق ضغط سياسي على النواب للتوقيع على عقد جلسة طارئة لبحث أسباب تلك الكارثة ونجحت الخط الأخضر في ذلك.



تتمتع الخط الأخضر بالاستقلالية الكاملة وحرية التحرك البيئي بكافة أشكاله في المجتمع، ولا تخضع لأية ضغوط من أية جهة ،وتعتبر خلق قوة سياسية واجتماعية ضاغطة تهتم بالبيئة هدفا من أهدافها، هذا وتعتمد على الدعم المقدم من محبي البيئة في تغطية تكاليف نشاطاتها.



من الأهداف الرئيسية للخط الأخضر إنقاذ المجتمع من التلوث الذي يحاصره واستقطاب شباب وشابات المجتمع للاهتمام بالبيئة ،وذلك من اجل خلق رأي بيئي ضاغط يساعد في صنع قرارات تحمي البيئة والمجتمع، كما تعمل الخط الأخضر على دمج المجتمع في الساحة البيئية وجعله على إطلاع كامل بالوضع البيئي حوله، وتعمل الخط الأخضر على الدعوة للمشاركة الجماعية وتكامل الجهود الذاتية لمجابهة أخطار التلوث الذي بدء يدمر صحة المجتمع.



الخط الأخضر تشمل كافة أفراد المجتمع المحبين للبيئة والراغبين في منع التلوث الذي بدء ينشر الأمراض السرطانية والصدرية بين الأطفال والأسر.



ويشترط للإنضمام للخط الأخضر وجود الرغبة الصادقة والحقيقية في ان يكون الفرد ناشطا بيئيا اخضر ، فليس هناك أية رسوم يتم تقاضيها نظير الإنضمام للخط الأخضر، حيث بإمكان المنضم أن يستفيد من موقع الجماعة وذلك عبر التزود بالمعلومات والأخبار البيئية منه ،كما يمكنه ان يعبر عن رأيه البيئي ، وكذلك هناك العديد من الميزات والحوافز التي تقدم للمنظمين للخط الأخضر مثل تزويدهم بالمجلات والنشرات والدوريات البيئية وإشراكهم في العديد من النشاطات والندوات والتجمعات البيئية.

ويمكن ذكر عدة مشاكل وصعوبات تصدت لها جماعة الخط الأخضر خلال الفترات الماضية منها:



حقوق الإنسان البيئية ، نفــوق الأسمـاك، تلوث البيئة الهوائيـة ، تلوث البيئة البحريـة ، التلوث الناتج عن مرادم النفايات ، التلوث الناتج عن مداخن المطاعــم ، التلوث الإشعاعـي والكهرومغناطيســي، التلوث والأضرار الناتجة عن مادة الاسبستوس ،التلوث النفطي الناتج عن مؤسسة البترول الكويتية ، التلوث النفطي الناتج عن منشأة شركــة نفط الكويت ، التلوث النفطي الناتج عن منشأة شركة البترول الوطنيــة و التلوث النفطي الناتج عن شركة صناعـة الكيماويات البترولية.

دور الهيئات والمراكز المهتمة بشؤون البيئة في الإمارات العربية المتحدة:



أقر مجلس الوزراء في اجتماعه يوم 7 يناير 2002 الإستراتيجية الوطنية للبيئة وخطة العمل البيئي الوطنية لدولة الإمارات، وذلك تجاوباً مع نداء مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية الذي عقد في البرازيل في العام 1992.(1)

وتتضمن خطة العمل البيئية لدولة الإمارات أكثر من 90 مشروعاً مقترحاً تغطي مختلف القطاعات تبلغ تكلفتها التقديرية 430 مليون درهم. ومن أهم هذه المشروعات المقترحة إنشاء محطة مركزية لمعالجة النفايات الخطرة، دراسة مصادر ومستويات الضوضاء، وإنشاء شبكة لربط خطوط المياه بالدولة، ودراسة لبناء خط رئيسي للمياه لربط إمارات الدولة، ووضع خطة طوارئ لتغطية نقص المياه في الإمارات مثل مشروع تكثيف الرطوبة وقطرات الندى والضباب، ودراسة إنشاء سكة حديدية بين المدن، ووضع خطة للإستفادة من الطاقة الشمسية والرياح بالدولة، وإنشاء مركز للبحوث المائية للاستخدامات الزراعية، ومجلس وطني للطاقة، ومشروع انتاج الوقود النظيف والبنزين الخالي من الرصاص. كما تشمل المشروعات مسح التنوع البيولوجي للحياة الفطرية والمحافظة على الأنواع المهددة بالانقراض، ووضع التشريعات الوطنية لحماية المياه البحرية من التلوث، وانجاز مشروع خطة إدارة المخزون السمكي.

وتهدف الاستراتيجية الوطنية للبيئة وخطة العمل البيئي اللتين استغرق إعدادهما ثلاث سنوات، إلى تعزيز التزام الدولة للبيئة، وتبني مبادئ التنمية المستدامة عن طريق إدخال الاعتبارات البيئية في عمليات التخطيط الوطنية للتنمية، ورفع القدرات الإدارية والتنظيمية وامكانيات موظفي الهيئة الاتحادية للبيئة بصفة خاصة، والجهات العاملة في المجال البيئي بصفة عامة، وذلك عن طريق التعرف على أولويات العمل البيئي، وعلى القدرات البيئية الموجودة لدى الدولة .

وانتهت الهيئة الاتحادية للبيئة من إعداد اللائحة التنفيذية للقانون الاتحادي رقم (24) لسنة 1999 في شأن حماية البيئة وتنميتها، والذي أصدره صاحب السمو رئيس الدولة الراحل الشيخ زايد – رحمه الله- في الأول من شهر فبراير 2000 والتي تتضمن المزيد من الإجراءات والضوابط والمعايير للعديد من القضايا من أهمها مشروع نظام حماية البيئة البحرية، ومشروع نظام تداول الموارد والنفايات الخطرة والنفايات الطبية التي تشكل خطراً على صحة الإنسان والبيئة، ومشروع نظام مبيدات الآفات والمصلحات الزراعية والأسمدة، ومشروع نظام تقييم الأثر البيئي الذي يحدد المشاريع التي يمكن أن يكون لها تأثير على البيئة وضرورة الحصول على تصريح بيئي بها قبل البدء بإقامتها أو توسيعها والشروط الواجب توافرها في دراسة تقييم الأثر البيئي وإجراءات الرقابة على المشروعات المرخص لها، وإلزام المشروعات القائمة والجديدة بتوفيق أوضاعها مع قانون حماية البيئة وتنميتها .

كما انتهت الهيئة الاتحادية للبيئة في مطلع العام 2002 من إنجاز مشروع نظام حماية الهواء من التلوث، ومشروع المواصفات والمعايير والمقاييس البيئية العامة، ومشروع نظام المحميات الطبيعية. وانتهت كذلك بالتعاون مع المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في غرب آسيا في شهر ابريل 2000 من إعداد التقرير الوطني للبيئة لدولة الإمارات العربية المتحدة .

واهتمت الهيئة الاتحادية للبيئة بإجراء العديد من الدراسات حول القضايا المتعلقة بالوضع البيئي في الدولة، من بينها دراسة تقييم بيئية حول أوضاع الصناعات في الدولة، والتي شملت 333 منشأة صناعية في مختلف إمارات الدولة للتعرف على أنواع الصناعات التي ينتج عنها مخاطر بيئية مثل صناعة الأصباغ، ودراسة حول أثر بطاريات وإطارات السيارات والزيوت المستهلكة في البيئة.

وكان مجلس إدارة الهيئة قد قرر أن تكون الاحتفالات بيوم البيئة الوطني الخامس التي تقام في شهر فبراير من كل عام، حول موضوع المياه تحت شعار " موارد الماء .. استدامة ونماء".

هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها :

حققت هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها منذ إنشائها في العام 1996 بتوجيهات ودعم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ، وبمتابعة سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ، انجازات رائدة على الصعيدين الوطني والدولي في مجال أبحاث البيئة البحرية والبرية والطيور، والحفاظ على العديد من أنواع الحيوانات البحرية المهددة بالانقراض، بالإضافة إلى التوعية البيئية .

وأجريت هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها، على الرغم من حداثة إنشائها، العديد من البحوث العلمية والتطبيقية في مجال البيئة البحرية، تركزت على توفير معلومات أساسية عن البيئة البحرية الساحلية، خاصة في مجال رصد نوعية المياه، ومتابعة التغيرات التي تحدث نتيجة لتأثير المشروعات الصناعية والحضرية كمحطات التحلية والمصانع والمنشآت الإنتاجية الساحلية، وكذلك توفير قاعدة بيانات حول البيئات البحرية والساحلية حيث تمت دراسة مجموعة من العناصر البيئية مثل التربة والماء والطقس، وكذلك العوامل المتصلة بتأثير الإنسان على البيئة.

كما شملت أبحاث الهيئة على دراسة الأنواع المهددة بالانقراض من الكائنات البحرية كأبقار البحر والسلاحف البحرية ،التي يعدها الاتحاد الدولي لصون الطبيعة واحدة من عشرة أنواع تأتي في مقدمة الحيوانات المهددة بالانقراض في العالم، وكذلك الأعشاب البحرية التي تمثل الغذاء الأول للسلاحف وأبقار البحر. كما اهتمت الهيئة بأبحاث الطيور وخاصة الصقور والحبارى.

وانتهت هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية خلال العام 2000 من إعداد الاستراتيجية البيئية لإمارة أبوظبي خلال السنوا ت الخمس القادمة (2000 إلى 2004) والتي تقوم على ستة أهداف رئيسية هي وضع وتطوير التشريعات البيئية، وإنشاء وتطوير أجهزة الرقابة البيئية، وتوجيه إدارة الثروة السمكية، ومصادر المياه واستخداماتها، وإدارة الحياة الفطرية وتنميتها، وتكثيف التوعية البيئية.

مركز بحوث البيئة البحرية :

وأنشأت هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها ،مركز بحوث البيئة البحرية الذي يهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة للموارد البحرية والساحلية من خلال إجراء البحوث التطبيقية لحماية الأنواع المهددة بالإنقراض، والتعرف على المناطق التي تحتاج لأي حماية، والتوجيه إلى تنمية تلك المناطق وإدارتها، وإجراء البحوث والدراسات والمسح الشامل للبيئة البحرية، لتحديد العمليات البيئية ووضع المعلومات اللازمة لبرامج التوعية البيئية التي تهدف إلى نشر الوعي البيئي .

وقد نفّذ المركز، برامج عالمية ناجحة لحماية السلاحف البحرية وتكاثرها. وأنشأ المركز منذ شهر يونيو 1999 وحدة متخصصة لتربية السلاحف البحرية في جزيرة "جرنين" التي تعتبر موطناً لتعشيش السلاحف من أنواع "منقار الصقر" و"القمية الخضراء" المهددتين بالإنقراض عالمياً، حيث يكثر تواجدها على شواطئ الجزيرة.

وتقوم هذه الوحدة بإجراء أبحاث علمية وتطبيقية على هذه السلاحف من أجل التوصل إلى أفضل الطرق للمحافظة عليها ومن ثم إكثارها وإطلاقها إلى الطبيعة مرة أخرى.

ويتركز العمل في الوحدة على تربية صغار السلاحف لتصل إلى أحجام معينة يمكنها بعد ذلك أن تقاوم المخاطر التي تتهددها في الطبيعة عندما يعاد اطلاقها مرة أخرى في السنة الأولى من عمرها.

وشارك باحثون من هيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها في شهر أغسطس 2001 مع الصندوق العالمي لصون الطبيعة في باكستان ،في إطلاق برنامج لتعقب السلاحف الخضراء بواسطة الأقمار الصناعية في باكستان، بهدف توفير معلومات أساسية عن هذه السلاحف وخصائصها البيولوجية وعاداتها في التغذية والتكاثر، مما يسهم في تحديد الوسائل التي يجب اتباعها لحمايتها وتكاثرها.

وواصل مركز أبحاث البيئة البحرية الدراسة التي بدأها منذ شهر يونيو1999 بتمويل من شركة "توتال أبو البخوش" لحماية "أبقار البحر" في مياه الدولة، والعمل على توطينها وإكثارها. ويتم تنفيذ هذه الدراسة على مرحلتين تتضمن المرحلة الأولى إجراء مسح جوي لتحديد مستوطنات أبقار البحر ونمط انتشارها في المناطق المختلفة.

ويتم في المرحلة الثانية متابعة تحركات الأبقار عن طريق الأقمار الصناعية بوضع أجهزة بث على بعض منها، وبذلك يمكن تحديد النطاق المكاني الذي تعيش فيه وأنماط حركتها في مياه الدولة، حيث سيتم في ضوء نتائج هذه الدراسة إقامة محمية بحرية في دولة الإمارات، لتوفير الحماية اللازمة للعديد من أنواع الحيوانات البحرية ومن بينها أبقار البحر المهددة بالإنقراض عالمياً. ويتضمن المشروع تدريب مواطنين من دولة الإمارات على إجراء البحوث العلمية في هذا المجال.

وأكدت دراسة أجريت في العام 1986 وجود نحو 5 آلاف من أبقار البحر في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر، من بينها نحو ألفين في مياه دولة الإمارات، مما يضعها في المرتبة الثانية في العالم بعد استراليا من ناحية تعداد أبقار البحر التي تعيش فيها، حيث توجد في استراليا نحو 5 آلاف بقرة بحر.

وقد تم اختيار دولة الإمارات لمنصب رئاسة جماعة السلاحف البحرية لمنطقة غرب المحيط الهندي والتي تتبع للاتحاد العالمي لصون الطبيعة، وذلك تقديراً لدورها المتميز في هذا المجال. ووقعت الهيئة عقداً مع فريق نيوزيلندي في شهر يناير 2002 للقيام بمسح للمخزون السمكي والموارد البحرية في مياه دولة الإمارات عن طريق المسح الضوئي وعمليات الصيد باستعمال شبكة البحر القاعي.

وشاركت الهيئة في وضع استراتيجية في مجال الثروة السمكية مع فريق عمل يضم ممثلين لوزارتي الزراعة والثروة السمكية، والداخلية، والهيئة الاتحادية للبيئة، وجهات أخرى. وبدأت الهيئة منذ العام 2000 بتنفيذ البرنامج الخاص بتسجيل صيادي الأسماك وقوارب الصيد في إطار جهودها لحماية وتنمية مصادر الأحياء المائية بالدولة.





الفصل الثاني : المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئة



من المبادئ العامة في القانون الدولي العام مبدأ المسئولية القانونية وهو يعني أن شخص القانون الدولي يتحمل المسئولية القانونية إذا توافر شرطان :

الشرط الأول : ( العنصر الموضوعي ) والذي يتمثل في ارتكاب الدولة فعلا غير مشروع دوليا ، والذي يعني مخالفتها لأحد الالتزامات القانونية الدولية.

الشرط الثاني : ( العنصر الشخصي ) والذي يتمثل في نسبة هذا القول إلى تلك الدولة أو احد أجهزتها الرسمية ، فإذا توافر هذان الشرطان قامت المسئولية في حق الدولة ،ويمكن مطالبتها بالتعويض في حالة تحقق الضرر على أثر ارتكاب الفعل غير المشروع دولياً .

وعلى هذا الأساس فضلنا تقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث مستقلة كالآتي :

المبحث الأول : وسنخصصه عن مفهوم المسئولية والاتجاهات المعاصرة فيها .

المبحث الثاني : ويتكلم عن التنظيم القانوني الدولي للمسئولية عن الأضرار البيئية .

المبحث الثالث : وفيه نتحدث عن حماية البيئة عن طريق العقوبات الرادعة .



المبحث الأول : الاتجاهات المعاصرة للمسؤولية الدولية

تعد المسئولية أحد المبادئ الأساسية لأي نظام قانوني سواءاً على الصعيدين الدولي أم الوطني، ويتأثر مفهومها بتطور النظام القانوني للمجتمع ،وكذلك بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعلاقات بين أشخاص القانون. فما هو مفهوم المسئولية الدولية ؟ وما هي الاتجاهات التي ظهرت لمعالجة هذا الموضوع ؟

للإجابة على هذه التساؤلات فإننا نحبذ تقسيم هذا المبحث إلى المطلبين الآتيين :

المطلب الأول : مفهوم المسئولية الدولية

المطلب الثاني : الاتجاهات الحديثة للمسئولية الدولية



المطلب الأول : مفهوم المسئولية الدولية

مر مفهوم المسئولية الدولية بمراحل تطور عديدة منذ المجتمعات القديمة حتى الآن ، وقد تأثر ذلك بتلك التطورات السياسية والإجتماعية والاقتصادية التي تعرض لها المجتمع الدولي وقد شمل هذا التطور الأسس التي تقوم عليها مسئولية الدولة وشروط قيامها، وبالتالي تعرض مفهومها في حد ذاته للتطور والتعديل ،إلا أننا بالرغم من هذا التطور فإننا سنغض الطرف عن المراحل السابقة لتطور هذا المفهوم وسنقتصر على مفهومه المعاصر وذلك رغبة منا في تركيز فكر القارئ على واقعه الذي يعيشه ،دون الرجوع إلى العصور السابقة والتحقيق التاريخي فيها .



إذا اعتبرنا أن القانون الدولي المعاصر هو ذلك القانون المطبق في عصر التنظيم الدولي، والذي ظهرت أولى ملامحه مع بداية القرن العشرين، فقد حدثت عدة تطورات كان لها تأثيرها الواضح في شأن مفهوم المسئولية الدولية في ظل هذا القانون والتي يمكن بلورتها فيما يلي :

(أ) تحريم اللجوء إلى تدابير الانتقام المسلح : إن من أهم مبادئ القانون الدولي العام المعاصر هو مبدأ تحريم استخدام القوة أو اللجوء إلى الحرب أو التهديد بها من أجل تسوية المنازعات الدولية، فالأول حرم في تاريخ العلاقات الدولية تقبل الجماعة الدولية الالتزام بذلك فيما نص صريح تضمنه المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة، واستناداً إلى ذلك أصبح اللجوء إلى تدابير للانتقام المسلح عملا غير مشروع دوليا .(1)

(ب) أشخاص القانون الدولي العام : مع ظهور المنظمات الدولية في القرن العشرين ، لم تعد الدول ذات السيادة هي الكيانات الوحيدة المتمتعة بالشخصية القانونية بل أصبحت هذه المنظمات الدولية تتمتع بهذه الشخصية .

وقد عبرت عن ذلك محكمة العدل الدولية في الرأي الاستشاري الذي طلبته منها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قضية الكونت برنادرت عام 1949 قائلة : إن هيئة الأمم المتحدة ليست دولة ، ولا تعد دولة فوق الدول، إلا أنها شخص دولي ولها بهذا الوصف الأهلية اللازمة لحفظ حقوقها برفع الدعاوى الدولية على الدول الأعضاء وغير الأعضاء في الهيئة ،وذلك للحصول على تعويض عن الأضرار التي تلحق بها أو تلحق بموظفيها . وأن منظمة الأمم المتحدة حين ترفع هذه الدعوى لا تستطيع القيام بذلك إلا إذا كان أساس دعواها المساس بحق ثابت لها .

وإستناداً إلى ما تقدم فإن أطراف المسئولية الدولية لم تعد قاصرة على الدول فقط كما كان الحال سابقا في ظل القانون الدولي التقليدي ،ولكن أصبح من الممكن أن يكون هناك أطرافا لهذه العلاقة من غير الدول هم المنظمات الدولية ،وقد أنعكس ذلك على تعريف الفقه الدولي للمسئولية الدولية فأصبحت تعني النتيجة التي يرتبها القانون الدولي في حالة ارتكاب أحد أشخاص القانون لمخالفة لأحد الالتزامات الدولية .

(ج) أساس المسئولية الدولية : أدت الاكتشافات العلمية الحديثة واستخدام البخار والكهرباء والآلات على نطاق واسع إلى تزايد المخاطر والأضرار التي قد تصيب الغير نتيجة هذه الاستخدامات ،ونظرا لجسامة هذه







الأضرار من جهة وصعوبة إثبات وقوع الخطأ من جهة أخرى ،فقد اتجه الفقه في الدول المختلفة منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى تأسيس المسئولية على مجرد التسبب في إحداث الضرر بصرف النظر عن الخطأ أو الفعل غير المشروع ،ويعرف هذا النوع من المسئولية على أساس المخاطر أو المسئولية المطلقة. وقد دخلت هذه النظرية في كثير من التشريعات الوطنية كضرورة تتطلبها ظروف التقدم الصناعي الحديث .

وهناك بعض الممارسات في العمل الدولي المعاصر تقيم المسئولية الدولية استنادا إلى مبدأين هامين هما :

مبدأ تحريم إساءة استعمال الحق ، ومبدأ حسن الجوار، وهما مبدأين يلعبان دوراً ملحوظا في المشاكل الخاصة بالقانون الدولي للبيئة . (1)

(د)تدوين قواعد المسئولية الدولية : لا يوجد في فقه القانون الدولي موضوع أثار من الخلاف مثل ما أثارته المسئولية الدولية، فلا يوجد مجال يكتفه ما يكتنف المسئولية الدولية من غموض وإبهام من الناحية النظرية ،لذلك اتجهت الجهود إلى ضرورة تدوين قواعد المسئولية الدولية لاستقرار العلاقات السلمية بين الدول ، ولقد بدأت محاولات تدوين هذه القواعد من العشرينات من هذا القرن ،ولازالت مستمرة حتى الآن سواءاً على مستوى الهيئات العلمية الخاصة أو المنظمات الإقليمية أو عصبة الأمم المتحدة أو منظمة الأمم المتحدة إلا أنها لم تصل حتى الآن إلى اتفاق دولي عام حول هذا الموضوع .



المطلب الثاني : الاتجاهات الحديثة للمسئولية الدولية

الأسلوب التقليدي : لقد وضع القانون الدولي بصورة تقليدية قيودا قليلة على حق دولة من الدول أو حق أفراد تكون الدول مسئولة عنهم من ناحية الاشتراك في أنشطة تهدد بإلحاق الضرر بالبيئة وللدول مصلحة مشتركة في الاحتفاظ بأكبر قدر من التعقل عند استخدام الموارد الطبيعية الموجودة داخل أراضيها، وقد اعترفت هذه الدول بطريقة ضمنية بقيمة حفظ المناطق الواقعة خارج نطاق سيادتها القانونية مفتوحة كي توضع فيها نفايات المواد التي لا يمكن التدخل في شئون الدول يمكن أن تؤدي إلى أضرار غير مقبولة بالمصالح الهامة للدول ،ومن ثم تصبح مصدرا للمنازعات بين الدول ولتفادي ذلك أمكن الوصول إلى معايير محددة يمكن أن تخرق سلطة الدولة الخالصة والمطلقة . وثمة أسلوب تقليدي للسيطرة على النشاط الذي يخرق صور التلوث المرسومة هو أن يحمل الدولة التي يسبب لها هذا النشاط مسئولية أي ضرر يحدث ولكن سوءا كان النشاط في حد ذاته غير قانوني أو قد يؤدي إلى آثار قانونية هامة فإنه لا يجلب مسئولية قانونية إلا بعد أن يتم النشاط أو تظهر هذه الآثار قد يكون الهدف هو الحيلولة دون فساد البيئة ولكن لا يمكن اتهام الدولة بمسئوليتها إلا بعد أن يحدث التلوث .







المسئوليات المستحدثة للمسئولية الدولية: إن إحدى المسائل المتناهية الأهمية التي برزت في مناقشات مسئولية الدولة عن التلوث من وجهة النظر التقليدية هي ما إذا كان الخطأ ضروريا قبل مساءلة الدولة عن الضرر الذي يقع خارج أراضيها أم لا ؟ وفي مقدورنا أن نعيد صياغة المشكلة حتى تتمشى مع الطريق الذي انتهجته لجنة القانون الدولي بأن نسأل ما إذا كانت التزامات الدول الأساسية التي تفرض قواعد الالتزام بعمل يتوقف على قيام الدولة أو عدم قيامها بعمل من الأعمال أو يتوقف على قواعد الالتزام بنتيجة وفي هذه الحالة تكون مشاهدة الحادث المحظور هو أساسي مسئولية الدولة . ولاحظنا أن الالتزام نتيجة ما زال يحتاج إلى بعض الربط بين سلوك الدولة المسؤولة واثر التلوث وإن الأثر يحد من أهمية الخطأ كعنصر مطلوب من أجل فرض مسئولية الدولة وبهذه الطريقة تزيد من فاعلية نظم المسئولية القانونية سواءا كوسيلة لتحديد تكاليف التغيير التكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي وأيضا كرادع للنشاط الملوث . (1)



الإصلاح : بغض النظر عن المعيار القانوني المستخدم فإذا ثبتت المسئولية القانونية على الدولة أو أي طرف آخر وفقا لقواعد القانون الدولي فإنه يعتبر مسئولا من الناحية القانونية لتعديه حدود الحد الأدنى للتلوث على خرق القواعد القانونية الدولية فإننا نطبق القاعدة العامة التي أشارت إليها محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية مصنع كروزو، تقول هذه القاعدة "أن أحد مبادئ القانون الدولي أن أي خرق الاتفاق يستتبعه التزام بدفع تعويض " أن واجب دفع تعويض هو قاعدة ثانوية تترتب عندما تفشل الدولة في الوفاء بالتزاماتها الأساسية ،وإذا كان القيام بعمل أو عدم القيام بهذا العمل – لا يخرق في حد ذاته القانون الدولي يظل الطرف المسؤول مطلوباً منه أن يفي بالتزامه الأساسي عن طريق القيام بعمل إيجابي الإصلاح الضرر الذي وقع (2).



منع الأضرار التي تصيب البيئة : يتطلع خبراء القانون الدولي إلى فرض مجموعة من القواعد السلوكية الاولية التي تحمل الدولة المسؤولية قبل وقوع الضرر ،وعلى خلاف الاتجاه الموجود في نظم المسؤولية القانونية التي تضع قواعد لتحديد مسؤولية الدولة على أساس نتائج العمل الذي تقوم به الدولة ،فأن هذه المعايير الجديدة تحاول أن تحدد بوضوح الخطوات الإجرائية التي ينتظر من الدول أن تتخذها للوفاء بالتزامها الأساسي ألا وهو منع الأنشطة التي تحت سيطرتها من إلحاق الضرر بالمناطق الخارجية عن نطاق ولايتها الإقليمية.

ويمكن أن نفرق بين هذه القواعد التي تحكم "كبح الضرر الذي يهدد البيئة" و"منع ضرر البيئة" حيث أن المضمون الذي سيتم تطبيقه في كل من الحالتين يختلف اختلافا بيناً ، ففي الحالة الأولى يكون التهديد ،وغالباً ما يكون نتيجة حادث غير منظور، مثل عاصفة تجعل ناقلة بترول تجنح ،وقد يطلب عملاً إيجابياً حتى من جانب من ليست لهم صلة مباشرة به، أما بالنسبة للسفينة أو للشواطئ التي قد تتلوث وذلك إذا أردنا تجنب



وقوع أضرار بالغة ،أما "منع ضرر البيئة" فيشير إلى مجموعة من الالتزامات الإجرائية من جانب الدولة التي يكون النشاط قد جرى فيها بما يهدد بأن تكون له أثار ضارة للبيئة ولكن بشكل غير فوري وفي معظم الحالات تتطلب القيام بعمل قبل أن يبدأ النشاط الذي يمكن أن يهدد البيئة (1).



المبحث الثاني : التنظيم القانوني الدولي للمسؤولية عن الأضرار البيئية



يرى بعض الفقهاء صعوبة في تطبيق القواعد التقليدية الخاصة بالمسؤولية الدولية على الأضرار التي تصيب البيئة ، ويفضل هؤلاء الفقهاء اللجوء إلى وسائل إدارية أو فنية أو وسائل قانونية غير تقليدية من أجل تحقيق حماية فعالة للبيئة في ظل التطورات التي يمر بها المجتمع الدولي، وقد عبر عن هذه الحقيقة المبدأ رقم (22) من إعلان استوكلهم الخاص بالبيئة في عام 1972م ، وكذلك المبدأ رقم (13) من إعلان ريودي جانيرو عام 1992م ، وذلك بتشجيع التعاون الدولي من أجل العمل على تطوير قواعد المسؤولية الدولية عن أضرار التي تلحق البيئة .

وفي إطار التنظيم القانوني الدولي للمسؤولية عن الأضرار البيئية سنقسم هذا المبحث إلى المطلبين التاليين :

المطلب الأول : الصعوبات التي تعترض تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية الدولية في مجال حماية البيئة.

المطلب الثاني : إيجاد الحلول المناسبة للصعوبات السابقة .



المطلب الأول : الصعوبات التي تعترض تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية الدولية في مجال حماية البيئة .



إن الأضرار العابرة للحدود والتي تصيب مناطق تقع داخل نطاق السيادة الإقليمية لدولة أخرى يثير عدة تساؤلات تتعلق بالقواعد التقليدية للمسؤولية الدولية ،والتي يأتي في مقدمتها ما يلي :

1)علاقة السببية بين التصرف المخالف والضرر الناشئ عنه : يثير التلوث العابر للحدود عدة مشاكل منها :

المسافة: فلا يمكن أن تحدد بدقة المسافة التي تفصل بين مصدر الضرر وبين المكان الذي حدث فيه الضرر، كتلوث الهواء الجوي أو تلوث المياه بالنفايات المشعة أو بالادخنه لا يعرف حدوداً معنية .





ولكنه يمتد إلى مسافات بعيدة من الصعب تحديدها والسيطرة عليها أيضاً .

تقدير التعويض : من الصعب تقدير التعويض في حالة التلوث العابر للحدود ففي حالات معينة من التلوث كما في حالة التلوث النووي والذي لا تظهر أثاره بصورة فورية ، ولكنها تظل كامنة ثم تظهر بعد عدة سنوات وذلك كما في حادثة المفاعل النووي في منطقة تشيرنوبل في أو كرانيا في السادس والعشرين من إبريل عام 1986م ، يصعب حصر حجم الخسائر والأضرار فور الحادثة (1).

صعوبة حصر أنواع التلوث : ففي بعض الحالات التي تصيب النبات أو الحيوان أو حتى المباني يصعب تحديد مصدر ونوع التلوث الذي يسبب الضرر الذي يحدث نتيجة تفاعل عدة أنواع من التلوث ،وذلك كما في حالة تلويث مياه الأنهار الدولية بإلقاء النفايات أو بتصريف مياه المصانع والمفاعلات النووية .

صعوبة حصر أثار التلوث : فمن الثابت علمياً أن مصادر التلوث لا تحدث نتائج متماثلة دائماً . ذلك لأن الظروف الطبيعية تلعب دوراً هاماً في هذا المجال، فإلقاء نفايات ملوثه في النهر يحدث ذات الإضرار خلال فترة حركة المياه ، وهناك أيضاً عوامل أخرى مثل الرياح والشمس والضباب يمكن أن تؤثر على التلوث الجوي وهنا يصعب إسناد الإضرار إلى مصدر محدد وبالتالي يصعب المطالبة بالتعويض.

2)صعوبة تحديد فاعل التلوث : طبقاً للقواعد العامة للمسؤولية القانونية ينبغي أن يكون المتسبب في الضرر محدداً، ولكن في التلوث العابر للحدود لمسافات بعيدة أو حتى لمسافات قصيرة من الصعب تحديد المتسبب في الضرر،كما في حالة التلوث الجوي من الأدخنة المتطايرة من عادم السيارات أو من المصانع وذلك لتعدد الأشخاص المسؤولين عن هذه الإضرار.

3)صعوبة حصر الإضرار التي تلحق بالبيئة : نظراً لصعوبة إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل حدوث الضرر في حالة الضرر البيئي ، فإن مسألة حصر الإضرار تصبح ضرورية من أجل تقدير قيمة التعويض وهي مسألة من الصعب تقديرها لأنها تختلف من حالة إلى الأخرى ،بالإضافة إلى أن التقدير هنا يتم بصورة تقريبية .

4)الأساس القانوني للمسؤولية عن الضرر البيئي : لا يوجد في القانون الدولي العام - في مرحلته الراهنة – قاعدة عرفية دولية تسمح بتطبيق نظرية المسؤولية المطلقة أو المشددة ،كما أن هذه النظرية لم تصل بعد إلى درجة اعتبارها أحد المبادئ العامة للقانون، ذلك لدى الاتجاه الغالب في فقه القانون الدولي ،ولهذا فإن اللجوء إلى هذه النظرية لا يمكن أن يحدث إلا من خلال اتفاق دولي صريح ،وهذا بالفعل هو ما لجأت إليه









بعض الاتفاقيات الدولية في مجال استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، واستخدام مركبات الفضاء وبعض حالات من التلوث فإذا لم تتوفر مثل هذه الاتفاقيات سيصعب على ضحايا التلوث البيئي تحريك المسؤولية استناداً إلى نظرية الخطأ أو نظرية الفعل غير المشروع للمطالبة بالتعويض عن الإضرار الناجمة عن أنشطة غير محظورة دولياً .

5)نظام الحماية الدبلوماسية : إذا كان الشخص الذي يتمتع بجنسية الدولة ( أ ) يقيم على إقليم الدولة (ب) وهي الدولة المتسببة في الضرر الذي لحق هذا الشخص فإنه طبقاً لنظام الحماية الدبلوماسية يمكن لهذا الشخص اللجوء إلى المحاكم الداخلية للدولة (ب) فإذا لم يتمكن من ذلك يمكنه اللجوء إلى دولة (أ) لتتولى هي مباشرة الدعوى الدولية تجاه الدولة ( ب) المتسببة في الضرر . ويقتضي نظام الحماية الدبلوماسية ضرورة توافر شرطان : فعلاوة على ضرورة تمتع الشخص بجنسيه الدولة التي تتولى حمايته ،ينبغي أن يقوم هذا الشخص باستنفاذ طرق الطعن الداخلية ،إلا أن تطبيق هذا النظام يؤدي إلى بعض العقبات أمام المطالبات المتعلقة بالأضرار البيئة (1).



المطلب الثاني : الحلول المناسبة للصعوبات التي تعترض تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية الدولية

في ظل الصعوبات التي تعترض تطبيق القواعد التقليدية للمسؤولية الدولية في مجال البيئة ،ذهب اتجاه متزايد في الفقه الدولى يدعو إلى إيجاد الحلول المناسبة وذلك من خلال :

تطوير مفهوم المسؤولية الدولية : بالإضافة إلى الاتجاه المتزايد في الفقه والذي ينادي بتطبيق نظرية المسؤولية المطلقة في مجال البيئة للتغلب على المشاكل التي تعترض إقامة علاقة السببية بين التصرف والضرر الناجم عنة، يقترح البعض تطوير مفهوم المسؤولية الدولية المباشرة .



فمن الثابت أن المسؤولية الدولية للدولة تنشأ إذا تم إسناد الفعل غير المشروع إلى الدولة أو إلى أحد أجهزتها الرسمية، وتسمى المسؤولية في هذه الحالة بالمسؤولية الدولية المباشرة . أما أن كان هناك أفعال غير مشروعة صادرة عن الأفراد أو الأشخاص على إقليم الدولة، فإن المسؤولية الدولية لا تتحقق هنا إلا إذا تبين أن هناك خطأ أو تقصير من جانب الدولة في القيام بالتزاماتها الدولية، فإذا تم إثبات ذلك تقوم مسؤولية الدولة عن أنشطة الأفراد أو الأشخاص ،وتسمى المسؤولية هنا بالمسؤولية الدولية غير المباشرة ،إلا أن مثل هذا المفهوم لمسؤولية الدولة قد تعرض لتطور في ظل مقتضيات القانون الدولي للبيئة وفرض التزامات جديدة على عاتق الدولة ،والتي يأتي في مقدمتها ذلك الالتزام الذي يمنع الدول من أن تستخدم إقليمها للاضرار بأقاليم الدولة الأخرى ،وهو التزام دولي مستمر في الفقه و العمل الدوليين .

ونظراً لان كثيرا من الأنشطة البشرية ذات الآثار البيئية الضارة بالمجتمع تتم على يد أشخاص لا تكون الدولة مسئولة مسئولية مباشرة عنهم إلا أن هذه الأنشطة تخضع من حيث المبدأ لرقابة وإشراف الدولة من حيث منح التراخيص أو فرض نوع من الرقابة والإشراف، ومن هذه الزاوية يمكن أن تكون الدولة مسؤولة مسئولية مباشرة وليست غير مباشرة ، وهو الأمر الذي يحقق نوعا من فعالية مسئولية الدولة يتفق ومتطلبات حماية البيئة، وطبقا لهذا المفهوم تلتزم الدولة باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمنع الأشخاص الخاضعين لاختصاصها من القيام بأية أنشطة ضارة بالبيئة فإذا لم تقم الدولة بالتزاماتها تعرضت للمسئولية الدولية .

تطوير القواعد الإجرائية المتعلقة بتسوية المنازعات البيئية :

ذهب بعض الفقهاء إلى ضرورة تطوير مفهوم الحماية الدبلوماسية بما يتفق ومتطلبات حماية البيئة ،وذلك من الشرطين اللازمين لأعمال هذه الحماية ،ويرى هؤلاء الفقهاء أن شرط الجنسية ليس لازما في تحريك دعوى المسئولية الدولية عن الأضرار البيئية . فالفرد المضرور يمكن أن يكون متمتعا بجنسية الدولة المدعى عليها ويستند حق الدولة في المطالبة بالتعويض في هذه الحالة إلى قواعد القانون الدولي التي تكفل لها حماية إقليمها من أية أضرار خارجية، ولا تمارس الحماية الدبلوماسية في حالة الضرر البيئي إلا في حالة عدم وجود علاقة( الإقامة ، تعاقد بين الطرفين) بين المضرور والدولة المتسببة في الضرر ،فإذا مارست الدولة الحماية الدبلوماسية فإن ذلك يكون في نطاق اختصاصها الشخصي ( ويتحقق مثل هذا الفرض في المناطق خارج السيادة الإقليمية للدول مثل منطقة أعالي البحار والفضاء الخارجي والمناطق القطبية ) .(1)

أما بالنسبة لشرط استنفاذ طرق التقاضي الداخلية ، فمن الثابت أن قاعدة استنفاذ طرق الطعن الداخلية تستند إلى الخضوع الإرادي من قبل الشخص الذي يوجد بينه وبين الدولة مصدر الضرر ثمة علاقة ( تعاقد-إقامة... الخ ) وان لم تكن هذه العلاقة موجودة أو لم يعبر هذا الشخص عن إرادته في الخضوع لمثل هذا النظام القانوني في تلك الدولة ، فان قبل هذه الحالة ،يكون ضحية العمل مخالف تجاه دولته ، كما في حالة إقامة هذا الشخص في دولته ، هنا يجوز للدولة تحريك دعوى بالمسئولية دون الالتزام بشرط استنفاد طرق الطعن الداخلية.

وعلى عكس ذلك الاتجاه سارت اتفاقية المسئولية الدولية عن الأضرار الناجمة عن الأشياء الفضائية عام 1972 حيث لا تشترط المادة (7) من هذه الاتفاقية ضرورة استنفاد طرق الطعن الداخلية ، وتبعا لذلك تكون للمضرور حرية الاختيار في أن يتقدم مباشرة لحكومته لمطالبتها بالتدخل ، أو أن يتقدم مباشرة بدعوى تعويض أمام المحاكم القضائية أو الأجهزة الإدارية للدولة التي قامت بإطلاق الأشياء الفضائية التي حدثت الأضرار .

وبالإضافة إلى ما سبق ورغبة في تذليل الصعوبات التي تعترض الحصول على التعويض المناسب عن الأضرار البيئية، تم إبرام عدة اتفاقيات تستهدف ضمان تلقي المضرورين للتعويض الملائم دون أن يؤدي ذلك إلى توقف الأنشطة، نجد أمثلة لهذه الاتفاقيات في الأنشطة المتعلقة بتشغيل السفن والمنشئات النووية ،وكذلك السفن التي تقوم بنقل البترول .( 1)



المبحث الثالث : حماية البيئية عن طريق العقوبات الرادعة

المطلب الأول: مكافحة التلوث

النشاط الحكومي: تعمل الحكومات – القومية والمحلية في مختلف أرجاء العالم على التخلص من التلوث الذي يسبب التلف لأرضنا من يابسة وهواء وماء ،وبالإضافة إلى ذلك بذلت جهود دولية عديدة لحماية الموارد الأرضية.

وقد سنت العديد من الحكومات المحلية القوانين التي تساعد في تنقيه البيئة .

الجهود العلمية : دفع الاهتمام الواسع بالبيئة العلماء والمهندسين إلى البحث عن الحلول التقنية لهذه المسألة . فبعض الأبحاث تحاول إيجاد طرق للتخلص من التلوث أو تدبيره ، وبعضها الآخر يهدف إلى منعه.

المؤسسات والمصانع . اكتشفت العديد من الشركات أن الحد من التلوث أمر مطلوب من المنظور التجاري ،فقد وجد بعضها أن الحد من التلوث يحسن صورتها لدى الجماهير كما أنه يوفر المال.

وطور آخرون منتجات أو وسائل لا تشكل خطورة على البيئة ، وذلك سعياً لكسب رضى المستهلكين ، كما طور البعض الآخر أنظمة لمكافحة التلوث ،لاعتقادها بأن القوانين سترغمهم على فعل ذلك، آجلاً أو عاجلاً . وتحد بعض الشركات من التلوث لأن القائمين على هذه الشركات آثروا أن يفعلوا ذلك.

الزراعة : يطور العلماء والمزارعون طرقاً لتنمية الغذاء تتطلب القليل من الأسمدة والمبيدات . وستخدم الكثير من الزارعين الدورات الزراعية ، أي المناوبة بين المحاصيل من سنة لأخرى ، لتقليل الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية .

المنظمات البيئية: تساعد في مكافحة التلوث عن طريق محاولة التأثير على المشرعين وانتخاب القادة السياسيين الذين يولون اهتماماً بالبيئية . وتقوم بعض الجماعات بجمع الأموال لشراء الأراضي وحمايتها من الاستغلال . وتدرس جماعات أخرى تأثيرات التلوث على البيئة ، وتطور نظما لإدارة ومنع التلوث ، وتستخدم ما توصلت إليه من نتائج لإقناع الحكومات والصناعات بالعمل على منع التلوث أو الحد منه . وتقوم المنظمات البيئية أيضاً بنشر المجلات والمواد الأخرى لإقناع الناس بضرورة منع التلوث.

جهود الأفراد : يعد حفظ الطاقة من أهم الطرق التي يمكن للفرد أن يتبعها للحد من التلوث . فحفظ الطاقة يحد من التلوث الهوائي الناجم عن محطات القدرة . وقد تؤدي قلة الطلب على الزيت والفحم الحجرى إلى التقليل من انسكاب الزيت ، ومن التلف الحاصل للمناطق المشتملة على الفحم الحجري إلى التقليل من انسكاب الزيت ، ومن التلف الحاصل للمناطق المشتملة على الفحم الحجري. والتقليل من قيادة السيارات يعد أيضاً أحد أفضل طرق توفير الطاقة وتجنب التلوث الحاصل للهواء.

و في مقدور الناس أيضاً شراء المنتجات التي لا تشكل خطراً على البيئة . فبإمكان الأسر ، على سبيل المثال ، أن تحد من التلوث عن طريق تقليل استخدام المنظفات السامة ، والتخلص الصحيح من هذه المنتجات . فإذا ما امتنع المستهلكون عن شراء المنتجات الضارة فلسوف يتوقف المصنعون عن إنتاجها.

المطلب الثاني: أمثلة تطبيقية على بعض العقوبات المتعلقة بحماية البيئة:



كان لابد من تزويد القانون بجزاء مادي يكفل احترم قواعده ويميزها عن غيرها من قواعد السلوك الأخروى ،كقواعد الدين أو قواعد الأخلاق أو قواعد المجاملات ،التي يتمثل جزاءاتها في العقاب أو الثواب الأخروي ،أو في تأنيب الضمير ، أوفي استنكار الناس وازدرائهم للمخالف . وللجزاء في القانون الداخلي صور ثلاث هي الجزاء الجنائي والجزاء المدني والجزاء الإداري ،وقد تجتمع كافة صور الجزاءات القانونية معاً لمواجهة نفس المخالفة المرتكبة ضد أحكام قوانين حماية البيئة فصاحب المشروع الذي يتسبب في تلويث البيئة قد يحكم عليه بالسجن أو الغرامة كجزاء جنائي وبإزالة آثار التلوث وتعويض الأضرار المترتبة عليه كجزاء مدني، فضلا عن غلق المشروع أو إلغاء ترخيصه كجزاء إداري . (1)

أولا : الجزاء الجنائي : يتخذ الجزاء الجنائي شكل عقوبة على النفس أو الجسم أو الحرية أو المال ،ومن القوانين التي تجنبت النص على الحبس كعقوبة المخالفة أحكامها قانون حماية البيئة في إمارة دبي الصادر بالأمر المحلي رقم 61 لسنة 1991م، فلم ينص على الحبس أو السجن كعقوبة على مخالفة أحكامه أيا كانت أهميتها أو خطورتها ونصت على أن يعاقب من يخالف أحكامه أو أحكام لائحته التنفيذية بإحدى العقوبات التالية :

1- الإنذار .

2- غرامة لا تقل عن خمسة آلاف درهم ، وتتضاعف الغرامة في حالة التكرار بما لا يزيد خمسة عشر ألف درهم .

3- إغلاق المحل لفترة لا تزيد عن شهر .

4- إلغاء الرخصة .

وذلك فضلا عن تحميل المخالف نفقات الإزالة أو الإصلاح التي تحددها البلدية، ومصادرة الأدوات أو الأجهزة التي استخدمت في ارتكاب المخالفة .

وبعض القوانين – كالقانون العماني – لم تنص على عقوبة الحبس إلا كعقوبة لجريمة واحدة فقط، اعتبرها أخطر الجرائم المنصوص عليه فيه ، وهي جريمة إعطاء بيانات كاذبة، ومع ذلك جعلت الحبس اختياريا ، فقضت بأن تكون العقوبة هي السجن لمدة لا تتعدى ستة أشهر أو الغرامة (2)



ثانيا : الجزاء المدني : يتخذ الجزاء المدني أشكالا متعددة تشترك جميعا – كما هو الشأن في كافة صور الجزاء القانوني – في تأكيد سيادة القانون وكفالة احترام أحكامه وهذه الأشكال هي البطلان والإزالة والتعويض .



ثالثا : الجزاء الإداري : يتخذ الجزاء الإداري وكغيره من صور الجزاء - أشكالا متعددة هي الإنذار أو التنبيه وتأديب الموظفين المسئولين، والغلق المؤقت أو وقف العمل وإلغاء الترخيص .

ونظرا لأن السكان هم المتسببون الرئيسون في تلويث الأماكن العامة المحيطة بهم على وجه الخصوص مما يجعلهم مسئولين عن تنظيفها وإزالة ملوثاتها على نفقتهم ، فقد أجازت قوانين بعض الدول فرض رسوم إجبارية يؤديها شاغلوا العقارات المبنية بما لا يجاوز نسبة معينة من قيمتها الايجارية كنسبة 2% مثلا – تخصص حصيلتها للنظافة العامة ومن الأمثلة على هذه القوانين قانون النظافة العامة المصري رقم 38 لسنة 1967م.

وتجيز بعض القوانين للوزير المختص أن يأمر بإخراج النفايات المودعة في باطن التربة – وليس فقط على سطح التربة- على نفقة مولدها ،وذلك كالقانون الهولندي الصادر عام 1976م ،وتلزم بعض القوانين أصحاب النفايات وملوثي البيئة بإزالة الملوثات أو التخلص منها قبل أن تصل إلى البيئة، فتلوث أي عنصر من عناصرها ومن ذلك القانون الفرنسي الصادر عام 1975م الذي يلزم كل من يولد أو يحوز نفايات يمكن إن تشكل خطراً على الإنسان أو البيئة بالتخلص منها تفاديا لأثارها الضارة .

وفي معرض حديثي عن حماية البيئة عن طريق العقوبات والجزاءات الرادعة أجدني مدفوعا للحديث عن هذا الجانب في دول الخليج ،مقتصرا مقارنتي بين دولتين هما: الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان ،من حيث القواعد التي تنظم هذه المسألة في مجال حماية الخليج العربي من التلوث بالزيت.

فقواعد منع ومكافحة تلوث مياه الخليج العربي بالزيت ليست قواعد أخلاقية أو قواعد سلوك فحسب، بل هي أيضا قواعد قانونية مصحوبة بجزاء يوقع على المخالف بواسطة السلطة العامة عند الاقتضاء ، هذا الجزاء قد يكون إداريا أو جنائيا وقد يكون مدنيا .

وطبقا لاتفاقيتي عام 1954م ، 1973م فإن الدول المتعاقدة ملتزمة بأن تلاحق جنائيا لأشخاص المخالفين لاحكامها ، كما أن المادة 12/3من بروتوكول 1989م الخاص بالتلوث البحري الناجم عن استكشاف واستغلال الجرف القاري تلزم الدول المتعاقدة بالعمل على وضع عقوبات على التصريف غير الصحيح .

ففي دولة الإمارات العربية المتحدة تقضي المادة 59 من قانون المحافظة على الثروة البترولية ،بأنه يعاقب بغرامة لا تقل عن 10 آلاف درهم ولا تجاوز 500 ألف درهم كل شخص لم يتخذ كافة الاحتياطات اللازمة لمنع تلوث الهواء والمياه الجوفية السطحية والمياه الإقليمية ومياه الجرف القاري والشواطئ وكافة الجزر الواقعة في المياه الإقليمية والجرف القاري وتضاعف العقوبة إذا تكررت المخالفة .

أما في سلطنة عمان توجد ثلاثة قوانين كل منها تقضي بعقوبات محددة فالمادة 9 / 6 من قانون النفط والمعادن تعاقب من يخالف نصوصه بالسجن مدة لا تتعدى 10 سنوات أو الغرامة التي لا يتجاوز مليون ريال عماني أو بكلتا العقوبتين ،ومن بين نصوص هذا القانون نص مادة 2 /5 الذي يفرض على القائمين بالعمل بذل العناية اللازمة لمنع حدوث أضرار خطيرة بالبيئة .

أما قانون مراقبة التلوث البحري فإن المادة 1/2 منه تلزم من يصرف مادة ملوثة في المياه الإقليمية بدفع غرامة لا تتعدى 5 آلاف ريال عماني .

وهناك أخيرا العقوبات الواردة في قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث رقم 10/82 والمعدل بالمرسوم السلطاني رقم 63/85 وهي عقوبات متنوعة .(1)

فمن يدلي بيانات كاذبة أو مضللة في إقرار التأثير البيئي بشأن مشروع معين، يعاقب بالسجن مدة لا تتعدى 6 اشهر أو بغرامة لا تتجاوز 10 % من راس المال المستثمر في المشروع وذلك بالإضافة إلى جواز وقف العمل بالمشروع.م26

ومن يتسبب في أي تلوث للبيئة نتيجة لعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة يعاقب بغرامة تساوي ثلاثة اضعاف تكاليف تلك الإجراءات أو ثلاثة أضعاف قيمة الضرر الناتج عن هذه المخالفة أيهما أكبر (م 29) .

أما عن المسؤولية المدنية على مخالفة قواعد منع ومكافحة التلوث بالزيت في دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان فهي كالتالي :

في دولة الإمارات العربية المتحدة ورد النص على المسئولية المدنية عن التلوث في الفقرة الثانية في المادة 56 من قانون المحافظة على الثروة البترولية ،التي تقرر أنه: إذا ترتب على عمليات الجهة العاملة حدوث تلوث وجب عليها أن تبادر فورا لإزالة الآثار الناجمة عنه وفق الأساليب الفنية الحديثة " والذي يبدو أن هذا النص يقيم مسئولية الجهة العاملة على أساس موضوعي هو حدوث أضرار التلوث بصرف النظر عن وجود خطأ أو إهمال ،فالمسئولية تقوم" إذا ترتب على العمليات حدوث تلوث " أما عن نطاق المسئولية فلأول وهلة يبدو أنها لا تمتد لتعويض المضرورين (الصيادين أو محطات اعذاب المياه مثلا ) لأن النص يفرض على الجهة العاملة أن تبادر فوراً لإزالة الآثار الناجمة من التلوث، ولكن بإمعان النظرنجد أن الأضرار التي تلحق بالغير تعد أثرا من آثار التلوث تجب إزالته ، وذلك بالتعويض عنه، وكان جديرا بالمشرع الإماراتي أن ينص على وجوب تعويض المضرورين صراحة على نحو ما ورد في المادة 58 من نفس القانون التي يتوجب على الجهة العاملة أن تؤدي إلى دائرة النفط والتعويض المناسب عن ضياع أو تبذير البترول .(1)

أما في سلطنة عمان فتوزعت النصوص المتعلقة بالمسئولية المدنية بين ثلاثة قوانين :

الأول : هو قانون النفط والمعادن ،الذي تنص مادته 3 /5 على أن يتحمل القائمون بالعمل المسئولية عن جميع الإضاعة والتبذير أو التلويث الناجم عن عملياتهم وعليهم القيام بكافة الأعمال الضرورية والمناسبة لاعادة أية منطقة حدث فيها التلوث والإضاعة والتبذير إلى سابق عهدها، وذلك حسب الأنظمة التي تصدرها المديرية وفي حالة تقاعس أي قائم بالعمل على إعادة المنطقة المعنية إلى وضعها السابق ،تقوم المديرية بذلك حسب ما تراه مناسبا على حساب القائم بالعمل ، ويحق لها اتخاذ أي إجراء تراه مناسبا في تلك الظروف بما في ذلك توقيف عمليات القائم بالعمل " فالمسئولية التي يقررها النص تقوم على فكرة تحمل التبعة، التي تقوم إذا حدث الضرر دون حاجة إلى توافر ركن الخطأ ،لكنها تقف عند إزالة الضرر بإعادة تأهيل المنطقة الملوثة ولا تمتد إلى تعويض المضرورين .

الثاني : هو قانون مراقبة التلوث البري ،حيث تقضي المادة 1/6 بأنه إذا تقرر أن تصريف مادة ملوثة ( زيت أو مزيج زيت ) إلى مياه الخليج المعلنه منطقة خالية من التلوث قد صدر عن مركب أو موقع بري أو أجهزة نقل النفط ،فإن مالك ذلك المركب أو مالك أو شاغل الموقع البري أو تلك الأجهزة لنقل النفط يلتزم بالمسئولية وبغض النظر عن إيجاد لوم أو إهمال " .

أ- عن تكاليف وضع حد للتلوث أو إيقافه أو خفضه أو إزالته، ولاعادة بيئة المنطقة إلى الحالة التي كانت عليها قبل حدوث التصريف .

ب-عن الأضرار التي تلحق أي شخص من جراء التصريف بالإضافة إلى التكاليف المشار إليها .

الثالث : هو قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث والذي يقرر في المادة 27 منه ( معدلة بمرسوم سلطاني رقم 63/ 85) أن يتحمل " كل من يخالف أي حكم من أحكام هذا القانون جميع التكاليف الناجمة عن معالجة الأضرار وكذلك بالتعويضات التي قد تترتب على هذه الأضرار ،وفي حالة تقاعس المالك عن معالجة تلك الأضرار في الفترة الزمنية التي تحـددها الوزارة يحق للوزارة تكليف من تـراه للقيام بهذه المعالجة على نفقة المالك (2).

















































الخاتمة



وختاماً فإن خلاصة القول نؤكد أن دراسة موضوع هام جداً كموضوع التلوث البيئي ، ومدى المسؤولية الدولية فيه ، هو موضوع متجدد ودقيق ، واعترف أن البحث فيه ليس بالأمر السهل ، وذلك بسبب التطور المتلاحق في دراسات حماية البيئة، واختلاف الاتجاهات الفقهية المهتمة بالمشاكل الدولية للبيئة ، وهذا يدعوني الى توجيه ندائي للمتخصصين في القانون الدولي ومنظمات حماية البيئة لإشباع جانب المسؤولية القانونية الدولية،دراسة وتمحيصاً وكذلك عنصري الضرر والتعويض في هذا المجال ، إضافة إلى مسؤولية الدولة عن الأفعال التي تأتيها مسببة التلوث الذي يهدد البشرية جمعاء، وأن يحددوا المعيار الذي بموجبه يتم قياس درجة جسامة تلك الأفعال، وتوضيح جميع هذه المفاهيم وتأصيلها للباحثين بحيث لا يجدون فيها لبساً ولا غموض.



وبالرغم من أن موضوع البحث يختص بالجانب الدولي ويتجه للدول والمنظمات الدولية،بحكم حجم الكارثة ،إلا أنني لا أغفل دور جميع البشر ،كلاً من خلال موقعه،وذلك في التأثير سلباً أو إيجابا على البيئة ، فالجميع مدعوون لتحمل مسؤولية الحفاظ على البيئة ، وفي حالة تقاعسنا وقصرنا في أداء هذا الواجب ، فإننا نصبح حينها متآمرين في جريمة تخريب هذا الكوكب،وعقوبة هذه الجريمة عامة،وهو الضرر الذي سيقع علينا جميعاً وهو لا يعرف الحدود بل يجتازها دون رقيب ولا حسيب ولا جواز سفر،وسينتشر التلوث وآثاره حينها في كل مكان بحيث يصعب القول بوجود مناطق أمنه منه.



رغم هذا كله، فإن الأوان لم يفت بعد ! لكن لابد من وجود التضامن والتعاون الدولي ،ويكون لزاماً على المنظمات الدولية تنسيق الجهود فيما بينها ، وعلى الدول سن القوانين والتشريعات البيئية الصارمة وملء الفراغ القانوني في مجال حماية البيئة،وعلى وسائل الإعلام تجيش جهودها الجبارة في سبيل التوعية البيئية ، فالهدف هو أن يحيا الإنسان حياة مستقرة وآمنة خالية من المخاطر والأمراض وبعيدة عن كل مظاهر الخوف والقلق، لنحقق بعدها آمالنا المنشودة.

















تم بحمد الله.































التوصيات والنتائج :





في نهاية المطاف يمكن استخلاص عدة توصيات من خلال البحث المقدم ، لعل فيها الفائدة لمن أراد معالجة مثل هذه الموضوعات من شتى جوانبه ، وهي كما يلي:



التوصية ( 1 ): حث جميع الدول على المشارك والانضمام في أي تجمع يهدف إلى حماية البيئة وعدم التواني في ذلك ، والتصديق على الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تصب في مصلحة البيئة.



التوصية ( 2 ): مناشدة الدول بسن القوانين والتشريعات الداخلية المتسمة بالصرامة في ملاحقة ملوثي البيئة وعدم التراخي في توقيع العقوبات عليهم ، وملء الفراغ التشريعي في بعض البلدان النامية.



التوصية ( 3 ): توجيه الإعلام ووسائله الفعالة إلى نشر الوعي البيئي ، وتكثيف برامجه الداعية للمحافظة عليها ، وإطلاع الأفراد على مخاطر التلوث ، وكذلك زيادة النشرات و والبحوث والدوريات المتخصصة والتي تحمل طابع التوجيه والإرشاد للتعامل مع البيئة ، لإخراج جيل مشبع بالتربية البيئية وداعياً لها.





التوصية ( 4 ): إتباع آلية أفضل لتبادل المعلومات بين الدول والمنظمات الدولية الحكومية منه وغير الحكومية بشأن المشاكل البيئية تتصف بالسرعة والدقة وبعيدة عن الجوانب الإجرائية والشكلية ، وذلك للإنتفاع بها واستخدامها في مواجهة أي خطر يهدد البيئة.



التوصية ( 5 ): لابد أن يتدخل القانون ويفعل بالتطبيق على المتسببين في أخطر ما يلوث البيئة من كوارث نتيجة الحروب والنزاعات المسلحة ، أو حتى المناورات والتدريبات العسكرية التي تستغل الطبيعة أسوأ استغلال وعدم التساهل في ملاحقة من يهدد بيئة الإنسان الآمن.









قائمة المراجع



1. القرآن الكريم

2. بدرية عبدالله العوضي. دور المنظمات الدولية في تطوير القانون الدولي البيئي ،بحث منشور في مجلة الحقوق الكويتية،كلية الحقوق،السنة التاسعة-العدد الثاني-1985م

3. حازم محمد عتلم, المنظمات الدولية الإقليمية والمتخصصة, دار النهضة العربية, القاهرة, 2002م

4. خالد محمد القاسمي و وجيه جميل البعيني, حماية البيئة الخليجية من التلوث الصناعي وأثرة على البيئة, المكتب الجامعي الحديث الأزاريطية, الإسكندرية, 1999م

5. روبيرت لافون جرامون, (ترجمة: نادية القباني ومراجعه جورج عزيز), التلوث شركة ترادكسيم, جنيف, 1977م

6. سعيد سالم جويلي – مواجهة الأضرار بالبيئة بين الوقاية والعلاج ،جامعة الإمارات،1999م

7. عاشور عبد الجواد عبد الحميد – حماية الخليج العربي من التلوث بالزيت ،جامعة الإمارات،1999م

8. عامر محمود طراف،إرهاب التلوث والنظام العالمي،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،2002م

9. علوي أمجد علي, الوجيز في القانون الدولي العام, كلية شرطة دبي, دبي, 1999م

10. كمال شرقاوي غزالي – التلوث البيئي العقدة والحل ،الدار العربية للنشر،1996م

11. لائحة تنظيم استصدار الموافقات البيئية والتصريح البيئي النهائي ،سلطنة عمان،وزارة البلديات الاقليمية والبيئة وموارد المياه- المديرية العامة للشؤون البيئية-2001م

12. لسان العرب ، ابن منظور ، ج1 +ج12،دار إحياء التراث العربي،1999م

13. ماجد راغب الحلو, قانون حماية البيئة:في ضوء الشريعة, المكتبة القانونية لدار المطبوعات الجامعية, الإسكندرية, 1999م

14. محمد إبراهيم حسن, البيئة والتلوث: دراسة تحليلية لأنواع البيئات ومظاهر التلوث, جامعة الإسكندرية- مركز الإسكندرية للكتاب, الإسكندرية, 1997م

15. محمد إسماعيل علي،الوجيز في المنظمات الدولية، -دار الكتاب الجامعي بالقاهرة- 1982م

16. محمد أمين عامر ومصطفى محمود سليمان, تلوث البيئة مشكلة العصر:دراسة علمية حول مشكلة التلوث وحماية صحة البيئة, دار الكتاب الحديث, القاهرة, 1999م

17. محمد حسام محمود لطفي ،الحماية القانونية للبيئة المصرية دراسة للقوانين الوضعية والاتفاقيات الدولية النافذة ،القاهرة،2001م

18. محمد سعيد الصباريني, رشيد حمد الحمد, الإنسان والبيئة, (بدون دار النشر) , (بدون مكان النشر), 1994م

19. محمد خليل الموسى،الوظيفة القضائية للمنظمات الدولية ،دار وائل للنشر،2003م

20. محمد السيد أرناؤوط, الإنسان وتلوث البيئة, الدار المصرية اللبنانية, القاهرة, 1993

21. محمد عزيز شكري وماجد الحموي،الوسيط في المنظمات الدولية، ،منشورات جامعة دمشق -2000م

22. المصباح المنير، احمد بن محمد المقري، ،الجزء الثاني،دار الكتب العلمية،بيروت،1994م

23. مصطفى أحمد فؤاد ،قانون المنظمات الدولية(دراسة تطبيقية)،ص108-دار الكتب القانونية-2003م

24. مفيد محمود شهاب،المنظمات الدولية،–دار النهضة العربية-1994م

25. نبيل أحمد حلمي, الحماية القانونية الدولية للبيئة, دار النهضة العربية للطبع والنشر والتوزيع, القاهرة, 1991م.

26. وائل أحمد علام ،المنظمات الدولية(النظرية العامة)، -جامعة الزقايق-1994م