pub

| ]

مبادئ القضاء الدستوري


* رقابة الدستورية وعلاقتها بسمو الدستور• * الرقابة القضائية•

* الرقابة السياسية للدستورية• * رقابة الدستورية في اليمن•

إعداد/ عادل حميد الصلوي


تعد السلطة القضائية إحدى المؤسسات الدستورية التي تضمن الاستمرارية والاستقرار للنظام ككل، فهي التي تضمن فصل السلط وهي الحامية لحقوق الأفراد وحرياتهم وهي التي تعطي للقانون فاعليته وإلزامه، اذ بدون القضاء يبقى القانون عبارة عن قواعد نظرية لاتتمتع بالصفة الإلزامية الآمرة•



ونظراً لتقسيم المنظومة القانونية في الدولة لفروع عدة كالقوانين العامة (القانون الدستوري والإداري والمالي•••) والقوانين الخاصة (القانون المدني والتجاري•••)• فإن هذا التقسيم تبعه تنظيم السلطة القضائية وتقسيمها إلى مؤسسات قضائية تختص كل واحدة منها بنظر وتفسير نوع معين من القوانين• وأصبح لكل نوع من أنواع هذه القوانين، قضاء متخصص كالقضاء العادي والقضاء الإداري والقضاء المالي والقضاء التجاري••• ثم القضاء الدستوري•



وهكذا أصبحت السلطة القضائية تضم فروعاً عدة من القضاء المتخصص• ويعد القضاء الدستوري من أهم فروع السلطة القضائية كونه يتعلق بمراقبة دستورية القوانين؛ هذه الدستورية التي تعد تأكيداً لسمو الدستور وتجسيداً لمبدأ تدرج القوانين•



وقد بدأت بوادر هذه المراقبة تظهر من خلال النصوص الدستورية للدول الغربية منها دستور السنة الثامنة للثورة الفرنسية وسويسرا من خلال دستورها الصادر سنة 1874 وإيطاليا من خلال دستورها الصادر سنة 1947، والمانيا من خلال دستورها الصادر سنة 1949، واسبانيا من خلال دستورها الصادر سنة 1978•



كما اعتبر القضاء الأمريكي أن ممارسته الرقابة تشكل جزءاً من وظيفتة ويعود ذلك إلى سنة 1803في قضية (ماربوري ضد ماديسون)•



كما تضمنت بعض الدساتير الإشارة إلى القضاء الدستوري متأثرة ببعض النماذج الأوروبية، منها الجزائر في دستورها الصادر سنة 1963 ومصر في دستورها الصادر سنة 1971 والمغرب في دستورها الصادر سنة 1972 واليمن في دستورها الصادر سنة 1970 (الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية) ودستور 1990م•



وتأتي أهمية دراسة القضاء الدستوري من كونه يعد الركيزة الأساسية لحماية الحقوق والحريات العامة التي كفلتها جميع الدساتير في العالم•



وحماية هذه الحقوق تأتي في مواجهة المؤسسات الدستورية التي قد تتجاوز سلطاتها المخولة لها دستورياً وكون هذا القضاء يعمل على احترام إرادة الجماهير من خلال النظر في الطعون الانتخابية• كما أن اختصاصه في محاكمة كبار موظفي الدولة يعطيه أهمية كبيرة في فهمه ودراسته•



ولأن الاختصاص التقليدي للقضاء الدستوري هو مراقبة دستورية القوانين، فإن هذه المراقبة تختلف من بلد إلى آخر ومن نظام سياسي إلى آخر، فهناك من أوكل هذه المراقبة إلى جهاز سياسي من حيث تكوينه رغم أن طريقة عمله تعد من الأعمال القضائية• وهناك من أوكل المراقبة إلى الجهاز القضائي في الدولة وهو ما أخذ به الدستور اليمني•



كما أن أجهزة القضاء الدستوري قد لانجدها في بعض الانظمة السياسية كالأنظمة التي تأخذ بنظام الدساتير العرفية أو الدساتير المرنة، حيث أنه لايمكن تصور مراقبة دستورية القوانين في تلك الانظمة•



وكل هذه الملاحظات تثير العديد من الإشكاليات منها مدى نجاح القضاء الدستوري في المحافظة على سمو الدستور وعلى حقوق وحريات المواطنين التي كفلها هذا الدستور• وهل هناك ضرورة لمثل هذا القضاء؟ ولماذا لانجده في بعض الانظمة؟ وذلك من خلال تناول تنظيم وتكوين مؤسساته في بعض الانظمة المقارنة ومجالاته واختصاصاته وأنواعه ثم محاولة تحليل القضاء الدستوري اليمني وذلك من خلال النقاط التالية:



أولاً: رقابة الدستورية وعلاقتها بسمو الدستور•



ثانياً: الرقابة السياسية للدستورية•



ثالثاً: الرقابة القضائية•



رابعاً: رقابة الدستورية في اليمن•



المبحث الأول:



رقابة الدستورية وعلاقتها بسمو الدستور



يمكن القول بأن الاختصاص التقليدي والأصيل للقضاء الدستوري هو الرقابة على دستورية القوانين• وقد شكل موضوع هذه الرقابة قضية مركزية في حقل القانون الدستوري وعلم السياسة ولعل الذي يجعله كذلك، ارتباطه بأكثر من مفهوم من المفاهيم الأساسية للمادة في مجال دراستنا•



فالمراقبة تأكيد لسمو الدستور وتجسيد لمبدأ >تدرج القوانين< وهي تحقق مدى حضور >الشرعية< ونفاذها بالمجتمع من عدمها•



وهي كذلك عنوان لدولة القانون وتعبير عنها، فما المقصود بـ>الرقابة على دستورية القوانين<؟ وما علاقتها بمبدأ >سمو الدستور<؟ ثم إلى أي حد تكتسي الإعلانات المرفقة بالدستور ومقدماته قيمة دستورية تجعل الرقابة منصبة عليها أسوة بالأحكام التي تشكل صلب الدستور وجسده•



المطلب الأول: تعريف مراقبة دستورية القوانين



يقصد بمراقبة دستورية القوانين، التأكد من مدى مطابقة القوانين لروح الدستور وأحكامه، ويعني ذلك أن تكون الأعمال القانونية الأدنى درجة من الدستور مسايرة وملائمة لفلسفته وأسسه العامة• واذا ثبت وصدرت مخالفة لذلك، يُحكم عليها بـ>عدم الدستورية<•



فالرقابة بهذا التحديد، ترمي إلى تأكيد >مبدأ سمو الدساتير< الذي اتخذ في لغة الخطاب القانوني عدة تعبيرات ومصطلحات، نذكر منها >مبدأ الشرعية< أو مبدأ القانونية، أي >سيادة القانون< و>دولة القانون<، فما هو إذن مبدأ سمو الدساتير؟



الفرع الأول: مبدأ سمو الدستور



بدون التدقيق في النقاش المميز بين >السمو الموضوعي للدستور< و>السمو الشكلي للدستور<، يقتضي مصطلح >السمو< أن تظل قواعد الدستور وأحكامه والإجراءات المتبعة لوضعها ومراجعتها وإلغائها في مأمن من كل خرق أو خروج عن معناها وروحها، على اعتبار أن الدستور هو الوثيقة الأساسية التي تعلو الجميع وتشترط من الكل احترامها والامتثال لأحكامها، بما في ذلك الجهات التي تكلفت بوضعها أصلاً•



الفرع الثاني: تراتبية القواعد القانونية



يتأسس النسق القانوني للدولة التي تتبنى دستوراً مدوناً (مكتوباً) جامداً على مبدأ التراتبية إذ أن هناك أربعة مستويات(1):



1- القوانين الدستورية، وهي القوانين التي تنظم سير وعمل السلطات العامة داخل الدولة، وتضعها هيئة تسمى بالسلطة التأسيسية الأصلية، وتقوم بتعديلها هيئة تسمى بالسلطة التأسيسية الفرعية•



2- القوانين التنظيمية، وهي قوانين يحددها الدستور، وتعتبر امتداداً مادياً للقوانين الدستورية على أساس أنها تهدف إلى تنظيم عمل السلطات العامة انطلاقاً من المبادئ المقررة في الدستور، وباعتبارها امتداداً مادياً للدستور، فإن القوانين التنظيمية تحتل موقعاً وسطاً بين القوانين الدستورية والقوانين العادية•



3- القوانين العادية، وهي قوانين تختص بوضعها، تعديلها وإلغائها السلطة التشريعية•



4- التشريعات الفرعية، وهي مجموع المراسيم والقرارات التي تختص بوضعها السلطة التنفيذية باعتبارها سلطة إدارية•



إن هذه المستويات من >التشريعات< مؤسسة بشكل تراتبي بحيث لا يمكن لقانون أدنى أن يلغي أو يعدل مقتضيات قانون أعلى منه، وعليه ففي أنظمة سياسية تأخذ بدستور مدون جامد، لايمكن تعديل أو إلغاء مقتضيات قاعدة دستورية إلا بقاعدة دستورية أخرى•



الفرع الثالث: القيمة القانونية لإعلانات الحقوق و>مقدمات< الدساتير:



بدون التفصيل في الاتجاهات المحللة لدستورية إعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير من عدمها، يمكن ترجيح رأي العميد الفرنسي >موريس هوريو<، القاضي بإكساب هذه الأخيرة (الإعلانات والمقدمات) قيمة من حجم ودرجة قوة القواعد والأحكام الدستورية، وذلك حين شدد بالقول >إنه لمن الخطأ الاعتقاد أن مبدأ السمو الدستوري يقتصر على ما هو منصوص عليه بالدستور فقط، إنه يتضمن إضافة إلى ذلك المبادئ الأساسية للنظام<(2)•



المطلب الثاني: وجود مراقبة الدستورية في الدساتير المكتوبة والصلبة (الجامدة) دون المرنة



توجد مراقبة دستورية القوانين في الدساتير المكتوبة والصلبة (الجامدة) المبنية على سمو القوانين الدستورية على باقي التشريعات التي تليها في هرمية القواعد القانونية وتدرجها•



أما الدساتير المرنة التي لاتميز بين القوانين الدستورية والقوانين العادية، فإنها لاتنطوي على مراقبة لدستورية القوانين، لأن إصدار تشريع برلماني مخالف للدستور معناه تعديل الدستور(3)•



فما هي الدساتير المكتوبة والصلبة (الجامدة)؟ وما هي الدساتير العرفية والمرنة؟



الفرع الأول: الدساتير المكتوبة والدساتير العرفية



إذا كان مصدر الدستور هو التشريع، فالدستور في هذه الحالة يكون دستوراً مكتوباً، أما إذا كان مصدر الدستور هو العرف، فالدستور في هذه الحالة يكون دستوراً عرفياً•



أ- الدستور المكتوب:



يعتبر الدستور مكتوباً إذا كان صادراً في شكل وثيقة رسمية بواسطة هيئة مختصة بذلك قانوناً، وعليه فإن تدوين القواعد المتعلقة بتنظيم الحكم لايكسبها صفة الدستور إلا إذا أضفي عليها طابع رسمي• لقد صدر أول دستور مكتوب سنة 1787م في الولايات المتحدة الأمريكية ثم تلته دساتير الثورة الفرنسية ابتداء من سنة 1791م• وكانت وراء فكرة تدوين الدساتير فلسفة سياسية تتأسس على جملة من المرتكزات من أهمها:



- اعتبار الدستور المكتوب تجسيداً للعقد الاجتماعي الذي نشأت الجماعة السياسية بمقتضاه•



- ربط الدستور بالنظام الديمقراطي حيث تم اعتباره ضمانة قوية للحقوق والحريات وتحديداً لسلطات الحاكم(4)•



ب- الدستور العرفي:



إذا كان الدستور المكتوب يستمد مصدره من التشريع، فإن المصدر الرئيسي للدستور العرفي يتمثل في الأعراف الدستورية• وعلى هذا الاعتبار يتخذ الدستور العرفي شكل دستور غير مدون، ولكن هذا لاينفي وجود قواعد دستورية مكتوبة•



يجسد الدستور الإنجليزي نموذج الدستور العرفي، فغالبية قواعده مستمدة من الأعراف أوالإجتهاد القضائي•







الفرع الثاني: الدساتير الجامدة والدساتير المرنة



تنقسم الدساتير من حيث تعديلها إلى دساتير جامدة وأخرى مرنة•



أ‌- الدستور الصلب (الجامد):



أ‌-يعتبر الدستور صلباً (جامداً) إذا كان هناك إجراءات خاصة لتعديله تختلف عن تلك المعتمدة في تعديل القوانين العادية• وهذا الاختلاف يتم إما على مستوى الهيئة المكلفة بالتعديل أو بإجراءات التعديل• كما أن الجمود قد يكون نسبياً وقد يكون مطلقاً•



أ‌-ب- الدستور المرن:



أ‌-يعتبر الدستور مرناً إذا كانت إجراءات تعديله لاتختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية، وعليه فصدور قانون عادي مخالف لمقتضيات الدستور المرن يعتبر بمثابة إلغاء لتلك المقتضيات، وبالتالي فإن السلطة التشريعية تحظى بمكانة خاصة في هرمية مؤسسات النظام المعتمد على دستور مرن، وهو ما عليه الأمر بالنسبة لمجلس العموم في إنجلترا(5)•



أ‌-إن الدستور المرن ليس بالضرورة دستوراً عرفياً، فقد يكون دستوراً مكتوباً• كما أن الدساتير العرفية ليست بالضرورة مطابقة للمرونة، فقد يكون الدستور عرفياً وصلباً• كما قد يكون مكتوباً ومرناً•







ب‌- المبحث الثاني:



الرقابة السياسية للدستورية



تعتبر الرقابة الدستورية بواسطة هيئة سياسية نتاج التجربة الدستورية الفرنسية، فكيف مارست فرنسا هذه الرقابة عبر تاريخها؟ وما هي المزايا والانتقادات الموجهة لهذه الرقابة؟



المطلب الأول: رقابة الدستورية بواسطة هيئة نيابية



أنشأ دستور السنة الثامنة للثورة الفرنسية رقابة دستورية القوانين وأسند ممارستها إلى مجلس الشيوخ الذي كان يتألف من ثمانين عضواً معينين مدى الحياة، وضماناً لاستقلالهم تقرر مبدأ عدم عزلهم• لقد كانت استقلالية مجلس الشيوخ متطلبة لإقرار رقابة فعالة، وهو شيء لم يتحقق في الواقع، إذ تمكن >نابليون< من إخضاعه، إخضاعاً انتهى بإلغائه عام 1807م(6)•



نهج دستور الامبراطورية الثانية الصادر عام 1852م نفس مسلك دستور السنة الثامنة، إذ أنشأ رقابة دستورية القوانين وأسندها إلى مجلس الشيوخ، وإذا كان دستور السنة الثامنة قد حصر جهات الإحالة في السلطات العامة، فإن دستور 1852م مكن المواطنين من إحالة بعض القوانين على مجلس الشيوخ للنظر في دستوريتها•



المطلب الثاني: رقابة الدستورية بواسطة مجلس دستوري



يعتبر المجلس الدستوري الجهاز الذي أُنيط إليه تمثيل القضاء الدستوري بفرنسا، والذي تم إنشاؤه في ظل دستور الجمهورية الخامسة سنة 1958م، وبموجب هذا الدستور أصبح هذا المجلس يتمتع بصلاحيات جد واسعة• كما منحت المادة 62 من الدستور الفرنسي حجية تامة لقرارات المجلس الدستوري من خلال التنصيص على أن قرارات هذا الأخير لاتقبل أي وجه من أوجه الطعن، فهي ملزمة للسلطات العامة ولجميع السلطات الإدارية والقضائية(7)•



وبالرغم من الخلاف الفقهي الذي كان يدور حول الطبيعة القانونية لهذا المجلس بحكم أنه جهاز قضائي وسياسي في نفس الوقت، وبالنظر إلى أسلوب تعيين أعضائه وتركيبته ذات الطابع السياسي، وإلى الوظائف والاختصاصات التي يمارسها ذات الطابع القضائي، مع تمتع أعضائه بالاستقلال المخول للقضاة، فإن أغلب الفقه قد استقر على أن المجلس الدستوري هو جهة قضائية•



الفرع الأول: تشكيل المجلس الدستوري



يتألف المجلس الدستوري من نوعين من الأعضاء، أعضاء >فعليين< وأعضاء >معينين<• بالنسبة للأعضاء >الفعليين< فيتشكلون من رؤساء الجمهورية السابقين (يعينون مدى الحياة) أما الأعضاء >المعينون< فيتكونون من تسعة أعضاء:



- ثلاثة أعضاء يعينهم رئيس الجمهورية•



- ثلاثة أعضاء يعينهم رئيس الجمعية الوطنية•



- ثلاثة أعضاء يعينهم رئيس مجلس الشيوخ•



تستمر عضوية الأعضاء التسعة لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد على أن يتجدد ثلث الأعضاء كل ثلاث سنوات•



وأعضاء المجلس الدستوري غير قابلين للعزل إلا بواسطة المجلس نفسه ولظروف استثنائية، ومن هنا فإن استقلالهم يبدو واضحاً ويتولى رئيس الجمهورية تعيين رئيس المجلس الدستوري، وتظهر أهمية هذا الأمر في تنصيص الدستور على أن لرئيس المجلس الدستوري صوتاً مرجحاً عند تعادل الأصوات•



وبناء على نص المادة 57 من الدستور الفرنسي، والمادة 4 من القانون الأساسي للمجلس الدستوري، فإنه لايجوز الجمع بين عضوية المجلس وبين منصب وزاري أو عضوية في البرلمان أو عضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي•



الفرع الثاني: اختصاصات المجلس الدستوري



يتمتع المجلس الدستوري بمجموعة من الاختصاصات نوجزها في ما يلي:



1- الرقابة على دستورية القوانين العادية:



وتعد رقابة سابقة على إصدار القوانين -رقابة قبلية- وهذه الرقابة تكون دائماً على نص قانوني تم الاقتراع عليه بواسطة البرلمان•



وقد حدد المشرع الجهات التي تتمتع بحق إحالة مشاريع القوانين على المجلس الدستوري للنظر في دستوريتها في أربع جهات هي:



- رئيس الجمهورية



-- الوزير الأول



-- رئيس الجمعية الوطنية



-- رئيس مجلس الشيوخ



واعتباراً من عام 1974 أصبح حق الطعن مقرراً أيضاً بناء على طلب ستين عضواً سواء من الجمعية الوطنية أو من مجلس الشيوخ•



عندما يحال مشروع قانون على المجلس الدستوري للنظر في مدى مطابقته للدستور، يتم إقرار دستورية القانون من عدمه بناء على تقرير يقدمه أحد أعضاء المجلس خلال شهر ابتداء من تاريخ إحالته عليه، وعند الاستعجال يتقلص الأجل إلى ثمانية أيام، ويصدر القرار معللاً وينشر في الجريدة الرسمية•



إذا أقر المجلس الدستوري بأن القانون المحال عليه مطابق للدستور، يتم إصدار القانون، أما إذا أقر بعدم دستوريته، فيجب التمييز بين الإقرار الشامل والإقرار الجزئي، فالإقرار الشامل بعدم دستورية القانون يوقف إصداره، أما الإقرار الجزئي بعدم الدستورية فينتج حالتين:







- حالة إقرار المجلس الدستوري بأن القانون المعروض عليه يتضمن فقرة غير مطابقة للدستور، ولا يمكن فصلها عن القانون، فهنا يكون إصدار القانون متعذراً•







- حالة إقرار المجلس الدستوري، بأن القانون المعروض عليه يتضمن فقرة غير مطابقة للدستور، مع وجود إمكانية فصلها عن مجموع هذا القانون، فهنا يمكن لرئيس الجمهورية إصدار هذا القانون باستثناء تلك الفقرة•



2- الرقابة على دستورية القوانين الأساسية (التنظيمية):



إن الرقابة على دستورية القوانين الأساسية تعد رقابة وجوبية حيث ألزمت المادة 46 من الدستور الفرنسي ضرورة أن تعرض هذه النوعية من القوانين على المجلس الدستوري حتى يتم التأكد من كونها متوافقة مع أحكام الدستور وذلك قبل إصدارها•



وتتم إحالة هذه القوانين على المجلس، بواسطة الوزير الأول• والسبب في وجوبية إحالة القوانين الأساسية (أي التنظيمية) إلى المجلس الدستوري لينظر في دستوريتها هو أنها تعتبر امتداداً مادياً للدستور• ومن أمثلة هذه القوانين هناك القوانين التي تنظم عمل المؤسسات الدستورية العليا•







3- الرقابة على دستورية لوائح مجلسي البرلمان:



هذه اللوائح هي القوانين الداخلية لمجلسي البرلمان (الجمعية الوطنية، ومجلس الشيوخ) حيث تقضي المادة 61/1 من الدستور الفرنسي بأن لوائح مجلسي البرلمان يتعين وجوباً أن تعرض على المجلس الدستوري قبل تطبيقها للوقوف على مدى دستوريتها، كما يتعين هذا الأمر أيضاً على أي تعديلات مزمع إدخالها على تلك اللوائح•







4- الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية:



المقصود بالمعاهدات الدولية، كل المعاهدات والاتفاقات الدولية والقرارات الصادرة عن منظمات دولية، والتي تتضمن تعهداً ما من قبل الحكومة• وقد أجازت المادة 54 من الدستور حق اللجوء إلى المجلس الدستوري لفحص مدى دستورية المعاهدات الدولية لكل من:







- رئيس الجمهورية•



- الوزير الأول•



- رئيس الجمعية الوطنية•



- رئيس مجلس الشيوخ•



فإذا تبين للمجلس الدستوري أن هذه المعاهدات غير دستورية فلا يجوز بأي حال من الأحوال المصادقة عليها إلا إذا تم هناك تعديل في نصوص الدستور ذاته•



5- الرقابة على دستورية الانتخابات الرئاسية:



نصت المادة 58 من الدستور على أن المجلس الدستوري يراقب سلامة انتخابات رئيس الجمهورية ، ويفحص الطعون الخاصة بهذه الانتخابات ويعلن نتيجة الاقتراع• ولعله يتضح من المادة أن المجلس الدستوري يتمتع باختصاص أوسع في مادة انتخاب رئيس الجمهورية، بالمقارنة مع تلك المقررة له في مادة الانتخابات البرلمانية، ذلك أن اختصاص المجلس الدستوري بالنسبة للانتخابات الرئاسية يبدأ من وقت الترشيح مروراً بالانتخابات وانتهاء بإعلان النتيجة•



أما في ما يتعلق بمن له الحق في الطعن في الانتخابات الرئاسية فإن هذا الحق مقرر:



- لكل ناخب من خلال إثبات اعتراضه في المحضر الخاص بالانتخابات أي أن الناخبين ليس من حقهم الطعن مباشرة أمام المجلس الدستوري•



- ممثل الدولة في الدائرة الانتخابية: إذا تبين له أن الضوابط القانونية الواجب اتباعها أثناء الاقتراع لم تراع•



- لكل مرشح: يحق لكل مرشح أن يطعن في الانتخابات مباشرة أمام المجلس الدستوري•



- لممثلي المرشحين: وذلك من خلال تسجيل اعتراضهم على المحضر الخاص بمكتب الانتخابات أو بلجنة فرز الأصوات في الإقليم•



-



6- الرقابة على دستورية الانتخابات التشريعية:



يختص المجلس الدستوري في البت في المنازعات المتصلة بانتخاب البرلمان، بحيث يمكن الطعن أمام المجلس في انتخاب نائب، وذلك داخل أجل عشرة أيام من تاريخ إعلان نتائج الاقتراع، ويتمتع بحق الطعن جميع الأشخاص المسجلين في اللوائح الانتخابية للدوائر التي جرت فيها العمليات الانتخابية، إضافة إلى الأشخاص الذين رشحوا أنفسهم•



أما بالنسبة للحملات الانتخابية فقد اعتبر المجلس أن:



- قيام أحد المرشحين بإرسال خطابات شخصية لبعض العمال (محافظي المحافظات) بغرض الدعاية، أمر غير مؤثر في العملية الانتخابية•



- كما يراقب المجلس كيفية صرف الأموال المخصصة للحملات الانتخابية حيث اعتبر نشر إعلانات الدعاية الانتخابية المدفوعة الأجر في الصحف أمراً ممنوعاً•



-وفي هذا المجال يمكن القول بأن دور المجلس الدستوري في رقابته على الحملات الانتخابية، لايقتصر فقط على التحقق مما إذا كانت الإجراءات اللائحية قد تم مراجعتها من عدمه، بل أيضاً يتولى البحث في ما إذا كانت الأساليب التي استخدمت في هذه الحملات قد أثرت في العملية الانتخابية من عدمه•



-هذا ويمارس المجلس الدستوري رقابته ليس فقط على الحملات الانتخابية وما يدور فيها، بل أيضاً تمتد رقابته على عملية الاقتراع ذاتها•



7- اخصاصات المجلس في الاستفتاءات:



يختص المجلس بحسم كافة المنازعات في شأن الاستفتاءات وذلك بشكل نهائي، ولكن المجلس الدستوري فسر هذا الاختصاص بطريقة ضيقة حيث أنه ذهب إلى أن المنازعات في شأن الاستفتاءات لايجوز أن تقدم إليه إلا بعد انتهاء عملية الاستفتاء•







وتأسيساً على ذلك فإن المجلس الدستوري في مواد منازعات الاستفتاء يختص فقط بالرقابة على عمليات الاقتراع ذاتها•



وفي هذا الشأن ينظر المجلس الدستوري ما إذا كانت الوقائع المثارة ذات تأثير بالغ الشدة على عملية الاستفتاء ذاتها، فإذا اتضح ذلك فيجوز له حينئذٍ أن يصدر قراره بإلغاء الاستفتاء سواء كلياً أو جزئياً بحسب ظروف الحال•



ويجب التذكير بأن المجلس الدستوري لايختص بمراقبة دستورية القوانين الاستفتائية، ذلك أن الفقه قد طرح سؤالاً: هل يمكن إخضاع القوانين التي يصوت عليها الشعب عن طريق الاستفتاء إلى مراقبة الدستورية؟ إن هذا السؤال قد تم الحسم فيه من خلال إقرار المجلس الدستوري بشأن القانون المعتمد بموجب استفتاء 28 نوفمبر 1962 إذا أقر أن القوانين الاستفتائية، عكس القوانين التنظيمية والقوانين البرلمانية، غير خاضعة لمراقبة الدستورية لاعتبارات من أهمها أن القوانين الاستفتائية هي تعبير مباشر عن سيادة الأمة، ولايمكن لأي كان أن يراقب هذه السيادة(8)•



الفرع الثالث: تقدير الرقابة السياسية بشكل عام ودور المجلس الدستوري بشكل خاص



تتميز الرقابة السياسية بمزايا دفعت بعض الفقه إلى استحسانها وبعض الدساتير إلى تبنيها، ولكن غالبية الفقه انتقدها انتقاداً شديداً•







أ‌- مزايا الرقابة السياسية:



أولاً



تتم الرقابة السياسية قبل صدور القانون، ولهذا سميت بالرقابة الوقائية• هذا الأسلوب يمنع صدور أي قانون مخالف للدستور، وبالتالي تبدو هذه الرقابة أكثر فاعلية وفائدة من الرقابة اللاحقة•



ثانياً: إذا كانت الرقابة على دستورية القوانين رقابة قانونية من حيث موضوعها فهي رقابة سياسية من حيث اثارها•



ونظراً للمكانة العليا التي تكتسيها الجهة المنوط بها الرقابة السياسية على دستورية القوانين، فإن تأثيرها على عمل السلطة التشريعية يكون كبيراً وموجهاً لها وفق أحكام الدستور، وما يتلاءم ومصلحة البلاد التي تقدرها هيئة سياسية معينة(9)•



ومع هذه المزايا، فقد تعرضت الرقابة السياسية لكثير من الانتقادات منها ما وجه لطبيعة هذا النوع من الرقابة بشكل عام ومنها ما وجه إلى المجلس الدستوري الفرنسي بشكل خاص•



ب‌- الانتقادات التي وجهت للرقابة السياسية بوجه عام:



طرح الفقيه الفرنسي >دوجوي< أربع صور لممارسة رقابة دستورية القوانين بواسطة هيئة سياسية:



- الصورة الأولى: تتجسد في ممارسة رقابة دستورية القوانين من طرف السلطة التشريعية أو من قبل هيئة تختارها السلطة التشريعية لهذا الغرض، وهي صورة تُفقد رقابة دستورية القوانين كامل جدواها اذ ستغدو الرقابة في هذه الصورة رقابة ذاتية حيث ان السلطة التشريعية ستضع القانون وستقرر في نفس الوقت إذا ما كان هذا القانون مطابقاً للدستور أم لا.



- الصورة الثانية: تتجلى في ممارسة رقابة دستورية القوانين من قبل هيئة تقوم السلطة التنفيذية بتشكيلها، وذلك أن السلطة ستتمكن من وسيلة فعالة، هي وسيلة المراقبة، لعرقلة عمل السلطة التشريعية•



- الصورة الثالثة: تتمثل في مراقبة دستورية القوانين من قبل هيئة منتخبة من قبل الشعب، وهذه الصورة ستفضي إلى صراع حول من يتمتع بالمشروعية الشعبية، باعتبار أن السلطة التشريعية وهيئة المراقبة منتخبتان معاً من طرف الشعب•



- الصورة الرابعة: تتشخص في ممارسة مراقبة دستورية القوانين من قبل هيئة تتكون بالاختيار الذاتي وتشارك في هذا الاختيار كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وهي صورة معمول بها في إطار المجلس الدستوري الفرنسي، وهذه الصورة تفضي إلى تشكيل هيئة أرستقراطية بعيدة عن مبادئ الديمقراطية•



ج- الانتقادات التي وجهت إلى المجلس الدستوري بشكل خاص:



أولاً:



من حيث تشكيل المجلس: إن صفة التعيين لأعضاء المجلس وغلبة الصفة السياسية فيهم تؤدي إلى عدم تحقق الاستقلال الكافي لأداء المجلس مهمته الرقابية•







ثانياً:



من حيث الاختصاص: ان طبيعة اختصاص المجلس وإجراءات عمله تحرمان الأفراد من حق اللجوء إلى المجلس للطعن بعدم دستورية أي مشروع قانون بل إن المجلس نفسه لايستطيع النظر من تلقاء نفسه في عدم دستورية القوانين•



ثالثاً: وأخيراً انتُقد دور المجلس الدستوري بسبب استثناء مشروعات القوانين التي يوافق عليها الشعب باستفتاء عام من هذا المجلس• هذا الاستفتاء كما يقول الفقهاء الفرنسيون قد يُخرج بعض القوانين المقيدة لحقوق وحريات الأفراد من رقابة المجلس لمجرد موافقة أفراد الشعب السياسي عليها دون أن يشعروا بخطورة ما قاموا به•



ومن الدول العربية التي تأثرت بالتجربة الفرنسية هناك المغرب والجزائر وتونس موريتانيا ولبنان•



ولعل مآزق تجربة المراقبة السياسية لدستورية القوانين كما بلورتها فرنسا، وفعالية تجربة المراقبة القضائية كما عاشتها الولايات المتحدة الأمريكية، هي التي دفعت الفقه إلى انتقاد التجربة الفرنسية•







المبحث الثالث:



الرقابة القضائية







خلاف الرقابة السياسية التي يعهد بها إلى جهاز سياسي فإن الرقابة القضائية على دستورية القوانين تُخول لمحكمة أي لجهاز قضائي، ولم تتفق الدول التي أخذت بنظام الرقابة القضائية على أسلوب واحد، بل تعددت هذه الأساليب وتنوعت، إلا أنه يمكن تقسيمها إلى رقابة عن طريق الدعوى ورقابة عن طريق الدفع• وتبعاً للآثار المترتبة عليها يمكن تقسيمها إلى نوعين رئيسيين، هما رقابة الإلغاء ورقابة الامتناع•



المطلب الأول: رقابة الإلغاء:



يقصد برقابة الإلغاء، أو كما تسمى أحياناً بالرقابة عن طريق الدعوى الأصلية، اختصاص هيئة قضائية >خاصة< بإلغاء قانون أُحيل عليها إذا ما ارتأت أن مقتضياته مخالفة لأحكام الدستور، ويترتب على هذا الإلغاء >إعدام< القانون بحيث يتم اعتباره كأن لم يكن ويطال كافة القضايا وجميع الأفراد•



واعتبارا لأهمية وخطورة ما يترتب عليه من آثار، فإن المشرع في الأنظمة السياسية التي تعمل برقابة الإلغاء، يحرص على التنصيص عليه في الدستور مع تحديد الهيئة القضائية التي توكل إليها مهمة النظر في دستورية القوانين، بحيث قد يسند الاختصاص إلى المحكمة العليا في الدولة أو يسند إلى محكمة دستورية متخصصة وفي الصورتين تبقى الرقابة على دستورية القوانين رقابة مركزية(10) بمعنى آخر لاتعطى هذه الرقابة إلا لنوع معين من جهات القضاء في الدولة وليس إلى جميع المحاكم•







الفرع الأول



المحكمة العليا صاحبة الاختصاص في الرقابة



في هذه الحالة يعهد بالرقابة على دستورية القوانين وبأي اختصاص في المجال الدستوري إلى محكمة في النظام القضائي العادي، ولتكن محكمة النقض أو التمييز مثلاً• فتتولى هذه المحكمة مهمة التحقق من مطابقة القانون للدستور عن طريق الدعوى الأصلية التي ترفع أمامها إلى جانب اختصاصاتها القضائية العادية الأخرى التي يحددها القانون•



ومن الدساتير التي أخذت بهذا النوع من الرقابة الدستور السويسري الحالي حيث خول هذا الدستور المحكمة الاتحادية السويسرية وحدها سلطة فحص مدى توافق القوانين لأحكام الدستور أو عدم تطابقها، وإلغاء ما يكون منها مخالفاً للدستور الاتحادي أو لدساتير الولايات• وقد أخذ بهذا النوع من الرقابة منذ عام 1874، ولذلك فهي أقدم الدول التي تبنت مثل هذا النظام•







- دستور كولومبيا لعام 1886، ودستور فنزويلا 1931 ودستور كوبا 1934• ومن الدساتير الحديثة، دستور جمهورية السينغال لعام 1960، ودستور جمهورية الصومال لعام 1960، ودستور السودان 1973، ودستور الجماهيرية العربية الليبية، والدستور اليمني لعام 1990م كما سيأتي بيانه لاحقاً•



-



الفرع الثاني:



المحكمة الدستورية هي صاحبة الاختصاص في الرقابة







وفي هذه الحالة يعمل الدستور على إنشاء محكمة متخصصة يعهد إليها بمهمة الرقابة على دستورية القوانين، وغالباً ما يسميها الدستور بالمحكمة الدستورية• وتكون هذه المحكمة هي المختصة دون غيرها بالنظر في الدعوى الأصلية التي ترفع أمامها لإلغاء قانون مخالف للدستور•



ومن الدساتير التي أخذت بنظام المحكمة الدستورية الخاصة، الدستور التشيكوسلوفاكي والدستور النمساوي الصادران عام 1920، والدستور النمساوي الصادر عام 1945، والدستور الإيطالي الحالي الصادر عام 1947، والقانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية الصادر عام 1949، ومن الدساتير الحديثة التي نصت على إنشاء محكمة دستورية، دستور جمهورية مصر العربية عام 1971 والمعدل عام 1980، ودستور الجمهورية العربية السورية الصادر عام 1973، والدستور الكويتي• وكمثال تطبيقي لهذا النوع من الرقابة نسلط الضوء ولو بشكل موجز على المحكمة الدستورية الإيطالية، والمحكمة الدستورية العليا في مصر•



أ-المحكمة الدستورية الإيطالية:



يعتبر القضاء الدستوري الإيطالي ضمن النموذج الأوروبي للقضاء الدستوري حيث يعطي هذا النموذج للمحاكم الدستورية الأوروبية حق إصدار الأحكام إضافة إلى اختصاصها في مراقبة دستورية القوانين•



أولاً: تكوين واشتغال المحكمة:



1- تكوينها: تتكون المحكمة من 15 عضواً، ولا تتوفر على نظام الغرف (الدوائر) كما هو الشأن بالنسبة للقضاء العادي، ويختار رئيس الجمهورية ثلث الأعضاء والثلث الثاني من قبل البرلمان في اجتماع مشترك بين الغرفتين التشريعيتين والثلث الثالث من المحاكم العليا العادية والإدارية حسب الفصل 135 من الدستور• ويصوت أعضاء البرلمان بالأغلبية المطلقة على القضاة المختارين وذلك لتفادي اختيار القاضي الدستوري بأغلبية بسيطة أو بالأغلبية المساندة للحكومة حتى يكون هؤلاء القضاة فوق الأحزاب•



في ما يخص القضاة الذين تختارهم المحاكم العليا يتم اختيارهم على الشكل التالي:



- ثلاثة قضاة تختارهم محكمة النقض•



- قاض واحد يختاره مجلس الدولة•



- قاض تختاره محكمة الحسابات•



أما الثلث الذي يختاره الرئيس فهو يقوم بهذه المهمة بدون اقتراح من الحكومة غير أن مرسوم التعيين يوقعه رئيس مجلس الوزراء•



ويختار هؤلاء القضاة سواء من قدماء القضاة المحالين على التقاعد أو من الأساتذة الجامعيين ومن المحامين الذين قضوا على الأقل عشرين سنة في مزاولة مهنة المحاماة•



ويختار الأعضاء الـ15 رئيس المحكمة من بينهم بواسطة الاقتراع وذلك لمدة 3 سنوات يمكن تجديدها•



ولاية هؤلاء القضاة 9 سنوات ولايمكن أن تتجدد هذه الولاية لمدة أخرى• كما أن مزاولة مهنة قاض دستوري تتنافى مع مزاولة كل نشاط سياسي مهني أو في مهنة التدريس•



ولهؤلاء القضاة نفس حصانة البرلمانيين حيث لا يمكن متابعتهم أو إقالتهم إلا من قبل المحكمة الدستورية نفسها، وليس هناك حدود في السن كما هو الشأن بالنسبة لألمانيا والنمسا•



2- كيفية الاشتغال: تتمتع المحكمة بالاستقلال المالي والإداري ومقرها في روما وتتخذ المحكمة قراراتها في جلسة عامة بناءً على استدعاء الرئيس (رئيس المحكمة) الذي يعين المقرر، ويحدد جدول الأعمال ويترأس الجلسات•



النصاب القانوني لمشروعية الجلسات هو 11 عضواً من بينهم على الأقل قاض من كل نوع من المحاكم، وتتخذ القرارات بالتصويت وبالأغلبية وفي حالة تعادل الأصوات يعتبر صوت الرئيس مرجحاً•



ويمكن للقضاة الذين صوتوا بالرفض أن يعبروا عن آرائهم من خلال تحرير القرار• وإلى حدود سنة 1988 أصدرت المحكمة 1167 قراراً• وهي تصدر أحكامها من أربعة إلى ستة أشهر•



ثانياً: اختصاصات المحكمة:



بالإضافة إلى الاختصاص التقليدي للقضاء الدستوري أي مراقبة دستورية القوانين، هناك عدة اختصاصات تتميز بها المحكمة الدستورية الإيطالية، حسب الفصل 134 من الدستور:



1- فض منازعات الاختصاص بين مختلف سلط الدولة كالخلافات بين البرلمان والحكومة ورئيس الدولة والبرلمان، والقضاء والحكومة وما تثيرها من خلافات•



2- النظر في الخلافات التي قد تنشأ بين الدولة وبين الجهات أو تلك التي تكون في ما بين الجهات، فهي مختصة في البت في دستورية القوانين التي تصدرها الجهات بناء على طلب من الحكومة أو بناءً على طلب من الجهات ضد قوانين الدولة•



3- محاكمة الرئيس وبحث كل الاتهامات الموجهة ضده، وهي بذلك تصبح محكمة سياسية، وفي هذه الحالة يضاف 16 عضواً منتخباً من قبل البرلمان لمدة 9 سنوات من بين المواطنين المسجلين في لوائح موضوعة مسبقاً لهذا الغرض، ومتوافرين على الشروط المطلوبة في الترشيح لمجلس الشيوخ الإيطالي•



4- البت في صلاحية الاستفتاءات الإلغائية وهي ميزة في إيطاليا، حيث أن المحكمة مختصة في قبول طلب استفتاء موقع من قبل 500.000 مواطن حول مبادرة تشريعية معينة•



وتجدر الإشارة إلى أنه في مزاولة هذه الاختصاصات ماعدا اختصاص مراقبة دستورية القوانين تبت المحكمة في جلسة علنية وحضورية وهي ميزة في القضاء الدستوري الإيطالي حيث يمكن تقديم المذكرات والجوابات والدفوعات والمرافعات أيضاً•



وفي ممارسة اختصاص مراقبة دستورية القوانين وحسب الفصل 134 من الدستور فالمحكمة تراقب القوانين وكذلك الأعمال التي لها قوة القانون كالمراسيم الوزارية التنظيمية بمثابة قانون المتخذة من قبل السلطة التنفيذية وليس اللوائح العادية•



ويمكن للحكومة أن تحيل كل قانون لفحصه قبل صدوره وخلال خمسة عشر يوماً من التصويت عليه• ويمكن للقضاء أو لجميع المحاكم اللجوء إلى المحكمة الدستورية لفحص دستورية قانون معين•



ويمكن أيضاً للهيئات خارج القضاء والتي تمارس مهاماً قضائية كاللجان التأديبية مثلاً، أن تلجأ للمحكمة الدستورية لنفس الغرض• وعند البت في النزاع، فإنه يتعين على القاضي الذي لجأ للمحكمة أن يأخذ القرار بعين الاعتبار لفض النزاع الأصلي المطروح بين يديه•



ثالثاً: الإجراءات التي تتبع أمام المحكمة:



يطرح النزاع أمام المحكمة، وفي حالة قبوله ينشر في الجريدة الرسمية لكي يتسنى للأطراف تحضير دفوعاتهم ومطالبتهم وذلك بعد مرور ستين يوماً من تاريخ النشر، وتعتبر عملية النشر جد مهمة وذلك لإخبار المواطنين بأن القانون كذا موضوع نزاع وكذلك لإشعار القضاة بهذا الأمر حتى يحتاطوا للنزاعات المطروحة أمامهم والمرتبطة بهذا القانون• ثم يعين الرئيس قاضياً مقرراً ويبدأ إعداد الملف، بعد ذلك تصدر المحكمة قراراها• وحسب الفصل 136 من الدستور الإيطالي فإن قرارات الإلغاء (القوانين) هي الوحيدة التي لها قوة الأمر المقضي به، لكن فيما يخص قرارات رفض أو عدم قبول الدعوى يمكن لطرف معين أو لقاض مقرر في ما بعد إعادة إثارة الأمر أمام المحكمة• كما أن المحكمة من خلال قراراتها يمكنها أن تفسر أو تقبل تفسيراً معيناً لقانون ما وترفض تفسيراً آخر، بل وأكثر من ذلك كانت تلجأ في بعض الأحيان إلى تعويض القاعدة القانونية الملغاة بقاعدة أخرى، غير أنه في الوقت الراهن لم تعد تلجأ لهذا الأسلوب المباشر في سد ثغرات النصوص، بل أصبحت تضع مجموعة من المبادئ وتترك للمشرع الحرية في صياغتها•



وفي هذه الحالة إذا لم يتدخل المشرع لوضع القاعدة فإن للقاضي العادي الحق في فض النزاعات المعروضة عليه وفق ما يراه مناسباً مع المبدأ الذي وضعته المحكمة الدستورية•



وللمحكمة اجتهادات كثيرة ومهمة تشمل عدة جوانب منها:



- علاقة الدولة بالجهات•



- حرية المواطنين حيث أن المحكمة قامت بإلغاء مجموعة من القوانين الموضوعة في العهد الفاشي(11)•



ويمكن القول عموماً بأن للمحكمة الدستورية في إيطاليا تأثيراً قوياً على المنظومة القانونية وعلى توجية عمل المشرع والقاضي العادي في فض النزاعات• ولها أيضاً تأثير خاص على القضاء السياسي خصوصاً وأنها تملأ فراغ المشرع الأصلي -البرلمان- وتحدد اختيارات جديدة•



ب- المحكمة الدستورية العليا في مصر:



المحكمة الدستورية العليا في مصر هي هيئة قضائية قائمة بذاتها ومقرها مدينة القاهرة•



أولاً: تشكيل المحكمة:



تؤلف المحكمة الدستورية العليا من رئيس وعدد كاف من الأعضاء وتصدر أحكامها وقراراتها من سبعة أعضاء، ويرأس جلساتها رئيسها الذي يعينه رئيس الجمهورية، أو أقدم أعضاء المحكمة والذين يتم تعيينهم بقرار من رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وهم غير قابلين للعزل ولا ينتقلون إلى وظائف أخرى إلا بموافقتهم• وجميع أعضاء هذه المحكمة من رجال القانون المتمرسين وذوي الخبرة العميقة والواسعة في القانون، حيث اشترط قانون المحكمة في من يعين عضواً فيها أن تتوافر فيه الشروط اللازمة لتولي القضاء طبقاً لأحكام قانون السلطة القضائية وألا تقل سنه عن خمس وأربعين سنة ميلادية ويكون اختياره من بين الفئات التالية:



1- أعضاء المحكمة العليا(12)•



2- أعضاء الهيئات القضائية الحاليين والسابقين ممن أمضوا في وظيفة مستشار أو ما يعادلها خمس سنوات متصلة على الأقل•



3- أساتذة القانون الحاليين والسابقين في الجامعات المصرية ممن أمضوا في وظيفة أستاذ ثماني سنوات متصلة على الأقل•



4- المحامين الذين اشتغلوا أمام محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا عشر سنوات متصلة على الأقل•



ثانياً: اختصاصات المحكمة:



تختص المحكمة الدستورية العليا بما يلي:



1- الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح•



2- الفصل في تنازع الاختصاص القضائي بتعيين الجهة المختصة من بين جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، وذلك إذا رفعت الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين ولم تتخل إحداهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها•



3- الفصل في النزاع الذي يقوم بشأن تنفيذ حكمين نهائيين متناقضين صدر أحدهما من أية جهة من جهات القضاء، أو هيئة ذات اختصاص قضائي والآخر من جهة أخرى منها(13)•



كما تختص المحكمة الدستورية العليا أيضاً بتفسير نصوص القوانين الصادرة من السلطة التشريعية والقرارات بقوانين الصادرة من رئيس الجمهورية وذلك إذا أثارت خلافاً في التطبيق وكان لها من الأهمية ما يقتضي توحيد تفسيرها(14)، وتتولى المحكمة الدستورية العليا الرقابة على دستورية القوانين واللوائح على الوجه التالي:



1- إذا تراءى لإحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي أثناء نظر إحدى الدعاوى عدم دستورية نص في قانون أو لائحة لازم للفصل في النزاع، أوقفت الدعوى وأحالت الأوراق بغير رسوم إلى المحكمة الدستورية•



2- إذا دفع أحد الخصوم أثناء نظر الدعوى أمام إحدى المحاكم أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة ورأت المحكمة أو الهيئة أن الدفع جدي، أجلت نظر الدعوى وحددت لمن أثار الدفع ميعاداً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة الدستورية العليا، فإذا لم ترفع الدعوى في الميعاد اعتبر الدفع كأن لم يكن(15)•



وفي كل الحالات يجب أن يتضمن القرار الصادر بالإحالة إلى المحكمة الدستورية العليا أو الدعوى المرفوعة إليها، بيان النص التشريعي المطعون بعدم دستوريته والنص الدستوري المدعى بمخالفته وأوجه المخالفة(16)••



ثالثاً: أحكام المحكمة وقراراتها:



أحكام المحكمة الدستورية العليا وقراراتها نهائية وغير قابلة للطعن بأي وجه من أوجه الطعون، وهي ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة بعد نشرها في الجريدة الرسمية، ويترتب على الحكم بعدم دستورية نص في قانون أو لائحة عدم جواز تطبيق هذا النص من اليوم التالي لنشر الحكم• فإذا كان الحكم بعدم دستورية نص جنائي، تعتبر الأحكام التي صدرت بالإدانة استناداً إلى ذلك النص كأن لم تكن، ويقوم رئيس هيئة المفوضين بتبليغ النائب العام بالحكم فور النطق به لإجراء اللازم لتنفيذه(17)•







الفرع الثالث: تقييم رقابة الإلغاء (الرقابة عن طريق الدعوى)







تتميز رقابة الإلغاء - سواء أُسندت هذه الرقابة إلى المحكمة العليا في الدولة أو إلى محكمة دستورية متخصصة- بما يلي:



1- أن نظر المحكمة لموضوع دستورية القوانين لا يتم إلا بناء على دعوى أصلية أو قرار إحالة من محكمة أخرى•



2- الأثر الذي يترتب على الحكم الصادر بالإلغاء هو إعدام القانون من الوجود والتزام كافة المؤسسات بعدم تطبيقه من اليوم التالي لنشر الحكم•



3- إن الاختصاص والحق لأى محكمة في الدولة في القيام بالرقابة على دستورية القوانين والحكم بإلغاء ما هو غير دستوري منها، لايتقرر إلا بنص دستوري•



بمعنى آخر لا يجوز لأي محكمة كانت في النظام القضائي الحكم بإلغاء أي قانون لمخالفته الدستور ما لم ينص صراحة على ذلك، ويقرر لها الحق حفاظاً على مبدأ الفصل بين السلطات والتوازن بينها• ولكن رغم اتفاق الطريقتين في الإجراءات والنتائج، فإن لكل منهما مزايا وانتقادات•



- لقد قيل في الحالة الأولى وهي التي يتقرر فيها الرقابة على دستورية القوانين للمحكمة العليا في سلم النظام القضائي في الدولة، بأنها تحتل الوضع الطبيعي للاختصاص القضائي، فحيث أن القضاء هو للمختص أصلاً بالرقابة فإن الأمر لا يثير أي حساسية لدى المشرع عند قيام المحكمة العليا بإلغاء القوانين غير الدستورية الصادرة عنه• وذلك على خلاف ما إذا أُنيط هذا الاختصاص إلى محكمة دستورية خاصة•



- كما قيل أيضاً بأن الرقابة على دستورية القوانين عندما تملكها المحكمة العليا، إنما تبقى محتفظة بطابعها القضائي الخاص، بعكس ما إذا أُنيطت هذه الرقابة بمحكمة دستورية خاصة فإنه يكون من الممكن إدخال بعض العناصر السياسية في تشكيلها•



ولكن رغم ما قيل في نظام المحكمة العليا كجهة مخولة بالرقابة على دستورية القوانين، فإن نظام المحكمة الدستورية الخاصة يبقى مفضلاً عند أغلب فقهاء القانون الدستوري، خاصة وأن تشكيل هذه المحكمة يضم كفاءات مميزة كأساتذة الجامعات وكبار المحامين، الأمر الذي يجعلها محل تقدير واحترام كافة السلطات في الدولة وبشكل خاص السلطة التشريعية (18)••



ويزداد هذا التقدير والاحترام على المستوى الشعبي إذا منح الأفراد حق الطعن بدستورية القوانين مع التوسع في شرط المصلحة لرفع الدعوى كما هو حال المحكمة الدستورية السويسرية(19)•



المطلب الثاني: رقابة الامتناع (النموذج الأمريكي)



يقصد برقابة الامتناع أو كما تسمى أحياناً بالرقابة عن طريق الدفع، امتناع المحكمة عن تطبيق القانون المخالف للدستور بناء على دفع يقدمه صاحب المصلحة أو بمبادرة منها(20) في قضية منظورة أمامها إعمالاً لتغليب حكم القانون الأعلى على حكم القانون الأدنى في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة•



وبناء عليه فإن رقابة الامتناع تفترض بدءاً أن يكون هناك دعوى منظورة أمام المحكمة أياً كانت طبيعة هذه الدعوى، مدنية أو جنائية أو إدارية، بهدف الحصول على حق معين عن طريق تطبيق القانون، فيدفع صاحب الشأن بعدم دستورية ذلك القانون المخالف للدستور، بهدف منع المحكمة من تطبيقه في الدعوى المنظورة أمامها•



وإذا كانت رقابة الإلغاء عن طريق الدعوى الأصلية توصف بأنها هجومية، فإن رقابة الامتناع أو الدفع بعدم الدستورية وسيلة دفاعية، الهدف منها ليس إلغاء القانون المخالف للدستور، وإنما الهدف منها هو فقط عدم تطبيقه على موضوع النزاع المنظور أمام محكمة معينة• فحيث تتحقق المحكمة من صحة دفع صاحب الشأن بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه في نزاع معين، فإنها تمتنع عن تطبيقه في الدعوى بناء على تغليب القاعدة الدستورية على القاعدة العادية•



وبناء علية فان المحكمة التي تمتنع عن تطبيق قانون معين لمخالفته الدستور، لا تلغي ذلك القانون، لأنها لا تملك تلك السلطة، فيقتصر قرارها على الامتناع دون الإلغاء، بحيث لا يقيد هذا القرار أي محكمة أخرى ولا يكون حجة عليها• بل ان مثل هذا القرار لا يقيد نفس المحكمة التي أصدرته في قضية أخرى، ما لم تكن هذه المحكمة في دولة تأخذ بنظام السوابق القضائية•



وبالتالي يمكن القول بأن حكم المحكمة بعدم دستورية قانون معين وامتناعها عن تطبيقه على قضية معروضة أمامها في هذا النوع من الرقابة، هو حكم لا يتمتع إلا بحجية نسبية فقط•



الفرع الأول: أسس رقابة الامتناع في usa



بخلاف رقابة الإلغاء فإن رقابة الامتناع لا تحتاج إلى نص دستوري يقرها، وينظم إجراء المراقبة، ويحدث محكمة دستورية خاصة• فهذا النوع من الرقابة هو من صميم عمل القاضي، بل هو واجب عليه بحكم وظيفته التي تتطلب الفصل في المنازعات وتغليب القانون الأعلى عندما يتعارض معه قانون أدنى، وبالتالي فإن رقابة الامتناع لا تتقرر لمحكمة معينة في الدولة وإنما هي ممنوحة لجميع المحاكم على اختلاف درجاتها•



أ- قضية ماربوري ضد ماديسون (marbury and madison):



تعتبر قضية ماربوري ضد ماديسون أول قضية تعرضت فيها المحكمة الاتحادية العليا لموضوع دستورية القوانين منذ إنشائها عام 1789، والحكم ببطلان القانون المخالف للدستور(21)•



ففي عام 1803 أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكماً من أهم أحكامها السياسية والدستورية يتضمن إقراراً للمحاكم بسلطة بحث دستورية القوانين• وبررت حكمها هذا بأنه إذا كان من واجب القاضي تطبيق القانون، فإن عليه التحقق أولاً من وجود القانون المراد تطبيقه، وهذا الوجود منوط بموافقته لأحكام الدستور•



فإذا ثبت للمحكمة أن القانون المراد تطبيقه مخالف للدستور، اعتبر في حكم المنعدم مادامت المحكمة ملتزمة بتطبيق القانون الأعلى وهو الدستور الذي ارتضاه أفراد الأمة قانوناً أساسياً لهم• والمحكمة إذ تقوم بذلك وتمتنع عن تطبيق القانون المخالف للدستور، لا تعتدي على اختصاص سلطة أخرى وإنما تقوم بوظيفتها الرئيسية وهي تطبيق القانون•



فبعد أن بين جون مارشال رئيس المحكمة العليا آنذاك (1801- 1835) التعارض بين نص المادة الثالثة من الدستور الأمريكي والفقرة الثالثة عشرة من قانون النظام القضائي، أكد حق القضاء في الامتناع عن تطبيق أي نص قانوني يخالف ما يرد في الدستور من نصوص أو أحكام وأورد حججاً برر فيها هذا النوع من الرقابة، رغم خلو الدستور الأمريكي وتعديلاته من النص الصريح على ذلك•



ب- حجج القاضي مارشال في تبرير الرقابة على دستورية القوانين:



أولاً: الدستور الأمريكي هو القانون الأعلى للبلاد: لا تكون للتفرقة بين القانون الأعلى وهو الدستور والقوانين العادية أية قيمة قانونية إلا إذا تقيدت السلطة التشريعية في نشاطها بحدود ذلك القانون الأعلى، فإذا ما خالفت التشريعات العادية نصوص الدستور، اعتبرت غير دستورية وباطلة ويجب على المحكمة التسليم بذلك والامتناع عن تطبيق أي قانون أو لائحة مخالفة للدستور، أما عكس ذلك فمعناه أننا نسلم بحقائق ثم نتنكر لها عند التطبيق•



ثانياً: يتطلب الدستور من القاضي عند تقلده منصبه أن يقسم يميناً على احترام الدستور وتطبيق نصوصه، فكيف يُطلب من القاضي هذا القسم ثم يعتقد بقدرته على تجاهل تلك النصوص الدستورية التي أقسم على احترامها إذا تعارضت مع نصوص تشريعية أدنى منها مرتبة•



إن حرمان القاضي من مراقبة دستورية القوانين يهدر كل قيمة لهذا القسم ويجعل منه سخرية•



ثالثاً: إن الدستور الأمريكي عندما نص على القواعد القانونية التي يجب أن يطبقها القاضي في البلاد في كافة المنازعات ورتبها في المادة السادسة منه، إنما أراد من خلاله واضعوه أن يبينوا سمو الدستور وضرورة تقيد القاضي باحترام إرادة مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية كما عبروا عنه في دستورهم•



وقد وجهت انتقادات كثيرة للقاضي مارشال بسبب مسلكه في قضية ماربوري وماديسون ورُد على حججه بردود، منها عملية ومنها نظرية، إلا أن هذه الانتقادات والردود لم تنتقص من قيمة ما توصلت إليه المحكمة العليا برئاسة جون مارشال والذي إعتبر بحق معلماً دستورياً هاماً بناه القضاء الأمريكي وعلى رأسه المحكمة الاتحادية العليا(22)•



ان الرقابة القضائية على أعمال السلطة التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية لا تقتصر على رقابة المحكمة العليا أو المحاكم الاتحادية، وإنما تنصرف أيضاً إلى جميع المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها•



فمن جهة أولى تباشر المحاكم الاتحادية رقابتها على التشريعات الاتحادية التي يصدرها البرلمان الاتحادي (الكونجرس) وكذلك التشريعات المحلية التي تصدرها برلمانات الولايات سواء كانت عادية أو دستورية وفحص مطابقتها للدستور الاتحادي•



ومن جهة أخرى تباشر محاكم الولايات رقابتها الدستورية على التشريعات الصادرة عن برلمانات هذه الولايات وفحص مدى مراعاة هذه القوانين لأحكام دستور الولاية بشكل خاص والدستور الاتحادي بشكل عام•



تجدر الإشارة إلى أن الدفع بعدم الدستورية أمام تلك المحاكم يشترط أن يتوفر فيه شرط المصلحة لدى الدافع بعدم الدستورية•



الفرع الثاني: صور رقابة الامتناع فيu.s.a



- إضافة إلى صورة الدفع بعدم الدستورية أمام المحاكم الأمريكية هناك صور أخرى للرقابة منها الأمر القضائي بالمنع والحكم التقريري•



أ- الدفع بعدم الدستورية:



هذا النوع من الرقابة يفترض أن تكون هناك دعوة جدية أمام المحكمة يقوم صاحب المصلحة خلال النظر في القضية بالدفع بعدم دستورية القانون الذي ستطبقه المحكمة على قضيته، حتى إذا اقتنعت المحكمة بوجهة نظره وتبين لها أن ذلك القانون مخالف لأحكام الدستور، امتنعت عن تطبيقه على القضية المنظورة أمامها• وهذا الحكم ذو حجية نسبية لا يؤثر إلا في الدعوى المنظورة أمام المحكمة ويبقى القانون قائماً ونافذاً إلى أن يتم إلغاؤه أو تعديله بالإجراءات المطلوبة دستورياً•



- قيمة الحكم بعدم الدستورية كسابقة قضائية•



- إذا كان من المتصور تبني مبدأ السوابق القضائية في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن قيمة هذا المبدأ بقيت نسبية خاصة في المسائل الدستورية وهذا ما عبرت عنه المحكمة العليا في القضية المعروفة باسم قضية >المسافر< عام 1849 حيث قالت >إنه يجب أن يكون معلوماً أن القاعدة التي تجري عليها هذه المحكمة هي أن آراءها في تفسير الدستور تظل دائماً مفتوحة للبحث، لإعادة النظر فيها إذا تبين أنها أقيمت على أساس خاطئ، وحجية هذه الآراء يجب ألا تعتمد إلا على قوة ما تستند إليه من منطق وتدليل<•



وإزاء تسليم القضاء الأمريكي بإمكانية عدوله عن السوابق القديمة، فقد اتبع ثلاث وسائل للخروج على مبدأ حجية السوابق القضائية:



الوسيلة الأولى: وهي أن تتجاهل المحكمة الحكم القديم تماماً ولا تشير إليه مطلقاً في حكمها الجديد•



الوسيلة الثانية: وهي إبراز التمييز بين القضية المحكوم فيها وبين القضية المنظورة أمامها تمييزاً يبرر لها العدول، وهي الطريقة التي يتبعها القضاء الإنجليزي في بعض الأحوال•



الوسيلة الثالثة: وهي العدول الصريح الواضح عن المبدأ الذي قررته المحكمة سابقاً بالتقرير أن السابقة القديمة قد نقضت بحكمها الجديد•



وهناك من يرى(23) في عدول المحكمة عن قضائها السابق تهديداً للاستقرار وتقليلاً من هيبة المحكمة واحترامها على المستوى الفردي، ومن جهة أخرى فإن هذا التصرف (أي عدول المحكمة) إنما يبعث على الثقة المستمرة في القضاء، لحرصه على تصحيح موقفه، بل تعديل موقفه، متمشياً مع تطور الظروف المحيطة باتخاذ مثل هذا القرار بهدف الصالح العام•



ب- الأمر القضائي بالمنع:



الأمر القضائي بالمنع هو صيغة قضائية تتضمن نهياً صريحاً توجهه المحكمة الى جهة، لمنعها من تنفيذ قانون معين لأنه مخالف للدستور، ويتم ذلك بناء على طلب من صاحب المصلحة الذي يستشعر وقوع ضرر معين إذا ما طبق عليه قانون مخالف للدستور، لذلك فإن الأمر القضائي بالمنع هو وقائي•



وفي هذه الحالة يجب على الموظف المعني بالمنع تنفيذ الأمر الصادر إليه من المحكمة، وإلا عُد مرتكباً جريمة تسمى جريمة احتقار المحكمة•



ولم ينشأ الأمر القضائي بالمنع بمقتضى نص دستوري صريح، وإنما كانت نشأته نشأة قضائية ذاتية مرتبطة بتطور النظام القضائي الأمريكي المتأثر بمبادئ القانون العام ونظام العدالة(24)•



وتنقسم أوامر المنع إلى مؤقتة تصدرها المحكمة خلال نظرها لدعوى مرفوعة أمامها، وأوامر دائمة تصدرها المحكمة بناء على دعوى مباشرة ترفع أمامها• وتعتبر أوامر المنع المؤقتة منها والدائمة ضمانة هامة من ضمانات حقوق الأفراد وحمايتها في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والمالية والفكرية والنقابية لتجنيبها الفرد تشريعات مخالفة للدستور بما يتضمنه من حقوق وحريات•



ج- الحكم التقريري:



وبمقتضى هذه الطريقة يستطيع الفرد أن يلجأ إلى المحكمة يطلب منها إصدار حكم يقرر مدى دستورية قانون معين يراد تطبيقه عليه، وفي هذه الحالة يجب على الجهة المخولة بتطبيق القانون التريث في تنفيذه إلى أن يصدر حكم يقرر مدى دستورية ذلك القانون• فإذا حكمت المحكمة بدستوريته، قامت الجهة المسؤولة بتطبيقه وتنفيذ الإجراءات المطلوبة، أما إذا حكمت المحكمة بعدم دستوريته فإنه لايجوز تطبيقه وتلتزم الجهة المعنية بذلك الحكم•



الفرع الثالث: مآخذ الفقه على الرقابة القضائية



يذهب الفقيه الفرنسي >إزمان< إلى أن تكليف القضاة بممارسة رقابة دستورية القوانين هو إخلال بمبدأ فصل السلطات وتدخل واضح للسلطة القضائية في صلاحيات السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ فالسلطة القضائية تختص بإصدار الأحكام طبقاً للقوانين المعمول بها وليست مختصة بإصدار الأحكام على هذه القوانين، وبالتالي فإنه لا يجوز للقضاة مراقبة ما تصدره السلطة التشريعية من قوانين، وذلك أن السلطة التشريعية في حالة إصدارها قوانين مخالفة للدستور، فستخضع لمراقبة الجسم الانتخابي عندما تنتهي مدة ولايتها، وعليه فإن التسليم بصلاحية القضاة في ممارسة رقابة دستورية القوانين يفيد تخويلهم سلطة سياسية•



ينطلق الفقيه الفرنسي >بوردو< في انتقاده للرقابة القضائية من كون تطور الديمقراطية أفضى إلى التسليم باختصاص المجالس النيابية بوضع السياسة التشريعية للدولة، وبالتالي فإن مراقبة القضاة للقوانين يؤدي إلى إخضاع إرادة الأمة الممثلة في المجالس النيابية إلى المراقبة، إضافة إلى أن تعقد مهام الدولة، جعل أمر تقدير المصلحة العامة من اختصاص السلطة التنفيذية(25)•







المبحث الرابع:



الرقابة الدستورية في اليمن







أُنيط القضاء الدستوري في اليمن بجهاز قضائي تمثل بالمحكمة الدستورية العليا وذلك من خلال الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية لسنة 1970م وبالمحكمة العليا للجمهورية - الدائرة الدستورية من خلال الدستور الحالي وبعض القوانين النافذة• وقد أكدت الدائرة الدستورية مجموعة من المبادئ المتعلقة بالقضاء الدستوري سواء في مجال رقابة دستورية القوانين أو الطعون الانتخابية أو في من يحق له رفع الدعوى أو الإجراءات المتبعة أمام المحكمة•



المطلب الأول: أسس رقابة الدستورية في اليمن



تتمثل أسس الرقابة الدستورية في اليمن، بالنصوص الدستورية وكل من قانون السلطة القضائية وقانون الانتخابات العامة والاستفتاء والقانون المتعلق بمحاكمة شاغلي الوظائف العليا•



الفرع الأول: الأسس الدستورية للرقابة



أوكلت الدساتير اليمنية رقابة الدستورية لأجهزة قضائية سواء أجهزة قضائية متخصصة أو المحكمة العليا للجمهورية•



أ- رقابة الدستورية بواسطة محكمة دستورية عليا:



تم التنصيص على إنشاء هذه المحكمة في الدستور الدائم لما كان يسمى بالجمهورية العربية اليمنية لعام 1970م•



أولاً: طريقة التشكيل:



اشترط الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية لعام 1970م أن يكون أعضاء المحكمة العليا منتخبين من قبل مجلس الشورى (السلطة التشريعية)، بناء على ترشيح رئيس المجلس الجمهوري، كما اشترط الدستور كذلك أن يكون الأعضاء من العلماء الشرعيين وذوي الخبرة والكفاءة العالية• ولم يذكر الدستور عدد أعضاء المحكمة(26)•



ثانياً: اختصاصات المحكمة:



حددت المادة 155 من الدستور المذكور اختصاصات المحكمة حيث تنص على أن المحكمة تبت بصورة نهائية في الأمور التالية:



1- دستورية أي تعديل دستوري•



2- دستورية القوانين والقرارات التي لها قوة القانون•



3- محاكمة رئيس وأعضاء المجلس الجمهوري ورئيس الوزراء•



4- التحقيق في طعون الانتخابات الخاصة بأعضاء مجلس الشورى•



كما أكد الدستور بأن قرارات المحكمة الدستورية العليا تنشر في الجريدة الرسمية ولا تقبل الطعن أي وجه من أوجه الطعن وهي ملزمة للسلطات العامة ولجميع السلطات الإدارية والقضائية، وعلى أن يحدد قانون ذو صفة دستورية الإجراءات الخاصة بتشكيل المحكمة وقواعد تنظيمها والإجراءات التي تتبع أمامها(27)•



إلا أنه تم تعليق دستور 1970 بعد أكثر من ثلاث سنوات بناء على قرار مجلس القيادة لعام 1974•



ب- رقابة الدستورية بواسطة المحكمة العليا للجمهورية:



أعطت جل دساتير الجمهورية اليمنية الاختصاص في مجال القضاء الدستوري للمحكمة العليا للجمهورية، حيث نص دستور إبريل 2001م على أن المحكمة العليا تمارس على وجه الخصوص ما يلي(28):



- الفصل في الدعاوى والدفوع المتعلقة بعدم دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات•



- الفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء•



- التحقيق وإبداء الرأي في صحة الطعون المحالة إليها من مجلس النواب المتعلقة بصحة عضوية أي من أعضائه•



- محاكمة رئيس الجمهورية ونائب الرئيس ورئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم وفقاً للقانون•



الفرع الثاني: الأسس القانونية للرقابة الدستورية



لم يصدر بعد قانون متعلق بتنظيم القضاء الدستوري في اليمن وينظم المؤسسات المتخصصة بهذا القضاء وإجراءات ممارسة الدعوى الدستورية، إلا أن هناك مبادئ عامة ونصوصاً قانونية متفرقة في قوانين مختلفة سيتم التطرق إليها؛ مثل قانون السلطة القضائية لسنة 1990، وقانون الانتخابات العامة والاستفتاء لعام 2001م، وقانون محاكمة شاغلي الوظائف العليا لعام 1995•



أ- قانون السلطة القضائية لسنة 1990:



تضمن قانون السلطة القضائية لسنة 1990 بعض النصوص المتعلقة بالقضاء الدستوري وذلك من خلال تنظيمه للمحكمة العليا التي تتكون من مجموعة من الدوائر المتخصصة•



ويمكن من خلال قراءة القانون المذكور ملاحظة أن الدائرة الدستورية تعد من أهم تلك الدوائر والتي أوكل إليها الاختصاص في القضايا الدستورية، حيث وردت اختصاصات الدائرة الدستورية على سبيل الحصر مع الإشارة إلى ممارسة الدعوى الدستورية سواء عن طريق الدعوى المبتدئة، أو الدفع•



ونورد اختصاصات الدائرة الدستورية كما وردت في القانون:



1- الرقابة على دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات، وذلك بطريق الفصل في الطعون التي ترفع إليها بعدم دستورية القوانين واللوائح والأنظمة والقرارات سواء عن طريق الدعوى المبتدئة أو الدفع•



2- الفصل في الطعون الانتخابية•



3- محاكمة المتهمين من شاغلي وظائف السلطات العليا(29)•



ورغم أنه لا يوجد نص قانوني أو لائحة داخلية للمحكمة العليا تنظم تشكيل المحكمة ككل والدائرة الدستورية على الخصوص، فإن تشكيل الدائرة الدستورية وإجراءات رفع الدعوى الدستورية ونظرها من قبل الدائرة يمكن معرفته من خلال تشكيل الدائرة الحالية والاجتهادات التي صدرت عنها في بعض الأحكام الدستورية كما سيأتي بيانه•



فتشكيل الدائرة الحالي يوحي بأنها تعد أهم دوائر المحكمة العليا على الإطلاق، حيث أن أعضاءها هم:



- رئيس المحكمة العليا - رئيساً للدائرة•



- نائب رئيس المحكمة العليا - رئيس المحكمة التجارية - عضواً•



- نائب رئيس المحكمة العليا - عضواً•



- رئيس الدائرة الإدارية المدنية - عضواً•



- رئيس دائرة فحص الطعون- عضواً•



- رئيس الدائرة العسكرية- عضواً•



- رئيس الدائرة الجزائية- عضواً•



كما أنها تتألف من سبعة أعضاء، بينما الدوائر الأخرى المكونة للمحكمة العليا تتألف من خمسة أعضاء فقط (كالدائرة التجارية، والمدنية، والجزائية•••)•



ب- قانون الانتخابات العامة والاستفتاء:



نظم قانون الانتخابات العامة والاستفتاء الصادر سنة 2001م اختصاصات الدائرة الدستورية في ما يتعلق بالطعون في نتائج الاقتراع والفرز للانتخابات النيابية والطعن في صحة العضوية في مجلس النواب، والطعن في إجراءات الاقتراع والفرز لانتخاب رئيس الجمهورية، والطعون في الانتخابات المحلية•



وقد منح قانون الانتخابات العامة والاستفتاء الحق في الطعن على نتائج عملية الاقتراع والفرز لكل مواطن سواء كان مرشحاً أو ناخباً•



وقد ميز القانون المذكور بين الطعون المختلفة من حيث الجهة التي يقدم إليها الطعن والشروط المتطلبة قانوناً لقبوله:



أولاً: في ما يتعلق بالطعن في نتائج الاقتراع والفرز للانتخابات النيابية:



يقدم الطعن إلى المحكمة العليا بعريضة طعن مع مراعاة الشروط التالية:



1- أن يكون تقديم الطعن خلال 72 ساعة من إعلان نتائج الفرز في الدائرة•



2- أن يكون الطعن مسبباً ومحدداً حول إجراءات الاقتراع والفرز•



3- أن يرفق بالطعن مبلغ وقدره خمسون ألف ريال يودع خزينة المحكمة كضمان نقدي يورد إلى خزينة الدولة في حالة عدم صحة الطعن ويرد إلى مقدم الطعن إذا كان الحكم في صالحه•



وفي ما يتعلق بإجراءات الفصل في الطعون فإن المحكمة العليا تشكل هيئة مساعدة لها من رؤساء محاكم الاستئناف أو من ينوب عنهم، تكون مهمتها التحقيق وإبداء الرأي في صحة الطعون المقدمة حول إجراءات الاقتراع والفرز• وتصدر المحكمة العليا قراراتها في ضوء ذلك خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ تقديم الرأي على ألا يتجاوز الفصل الفترة التي تسبق انعقاد المجلس المنتخب•



ويبلغ قرار المحكمة إلى رئيس اللجنة العليا ويعتبر قرار المحكمة الصادر في هذا الشأن نهائياً•



كما تعلن المحكمة العليا المرشح الفائز الذي قُدم الطعن ضده بصورة من عريضة الطعن ليقدم ما قد يكون لديه من ملاحظات أو أوجه دفاع كتابي، وذلك خلال أربعة أيام من تاريخ إعلانه بالطعن إعلاناً صحيحاً•



ثانياً: بالنسبة للطعن في صحة العضوية في مجلس النواب:



يقدم الطعن في صحة عضوية أي من أعضاء مجلس النواب إلى المجلس مع إيداع ضمان مالي قدره خمسون الف ريال• وتتولى هيئة رئاسة المجلس إرسال الطعن مع المستندات المرفقة إلى المحكمة العليا خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديمها للمجلس، وذلك للتحقيق وإبداء الرأي في صحة الطعن وموافاة المجلس بنتيجة ما توصلت إليه المحكمة خلال تسعين يوماً من تاريخ إحالة الطعن إليها•



إن القول بصحة العضوية في مجلس النواب أو بطلانها، يرجع للمجلس نفسه ويقتصر دور المحكمة العليا في إبداء الرأي فقط، ولا تعتبر العضوية باطلة إلا بقرار يصدر من مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه(30)•



ثالثاً: بالنسبة للطعن في إجراءات الاقتراع والفرز لانتخاب رئيس الجمهورية:



يمكن القول بأن القانون أكد على نفس الشروط المتطلبة في الطعون الخاصة بإجراءات الاقتراع والفرز لانتخاب مجلس النواب•



رابعاً: بالنسبة للطعن في الانتخابات المحلية:



يقدم الطعن في الانتخابات المحلية إلى محكمة الاستئناف في المحافظة وفقاً للشروط التالية:



1- أن يكون الطعن خلال 48ساعة من اعلان نتائج الفرز في الدائرة•



2- ان يكون الطعن مسبباً ومحدداً حول إجراءات الاقتراع والفرز•



3- ان يرفق بالطعن مبلغ وقدره عشرة آلاف ريال•



كما تشكل محكمة الاستئناف في المحافظة هيئة مساعدة لها تتكون من رؤساء المحاكم الابتدائية في عاصمة المحافظة و المديريات التي وردت منها الطعون او من ينوب عنهم، تكون مهمتها التحقيق وإبداء الرأي في صحة الطعون المقدمة حول إجراءات الاقتراع والفرز، وتصدر محكمة الاستئناف أحكامها حول ذلك خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ تقديم الرأي•



على أن تعلن المحكمة المرشح الفائز الذي قدم الطعن ضده بصورة من عريضة الطعن للرد عليها وذلك خلال أربعة أيام من تاريخ إعلانه بالطعن، ويعتبر قرار المحكمة نهائياً•







خامساً: بالنسبة للطعن في إجراءات ونتائج الاستفتاء:



تختص المحاكم الابتدائية بالنظر في الطعون المتعلقة بإجراءات ونتائج الاستفتاء في الدوائر، وتكون قراراتها قابلة للطعن أمام المحاكم الاستئنافية التي تكون قراراتها نهائية•



كما تختص المحكمة العليا بالفصل في الطعون المتعلقة بالنتيجة العامة للاستفتاء وتكون قراراتها نهائية(31)•



ج -قانون محاكمة شاغلي الوظائف العليا لعام 1995:



حدد القانون رقم (6) لسنة1995 بشأن إجراءات اتهام ومحاكمة شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا في الدولة، أنواع الجرائم الممكن توجيهها لشاغلي الوظائف العليا، وإجراءات الاتهام وإجراءات التوقيف والمحاكمة والعقوبات•



أولاً: أنواع الجرائم:



تضمن القانون في المادتين الثالثة والرابعة أنواع التهم التي توجه لكل من الرئيس ونائبه من جهة ورئيس الوزراء ونوابه أو الوزراء ونوابهم من جهة ثانية•



- توجه التهمة إلى الرئيس ونائبه بأي من الجرائم التالية :



1- الخيانة العظمى: وهي كما عرفها القانون في المادة الثانية منه >القيام بعمل مجمع على أنه كفر أو المساس بوحدة الوطن أو التنازل عن جزء منه أو تغيير النظام الجمهوري ومبادئ القوة اليمنية أو القيام بأي عمل من أعمال التجسس أو إفشاء الأسرار لصالح قوى أجنبية أو معادية لليمن•



2- خرق الدستور: وهي مخالفة نص من نصوص الدستور أو تعليقه أو تعديله دون اتباع الإجراءات المحددة فيه•



3- المساس بسيادة واستقلال الوطن: وهي أي عمل يؤدي إلى تدخل الغير أو سيطرته على اليمن أو على جزء منه أو ثرواته أو نظامه الداخلي•



- توقيف رئيس الوزراء ونوابه أو الوزراء ونوابهم وإحالتهم إلى التحقيق عن الجرائم التالية:



1- الخيانة العظمى•



2- خرق الدستور ومخالفة القوانين النافذة•



3- المساس بسيادة واستقلال البلاد•



4- التزوير•



5- الاستيلاء على المال العام أو العبث به أو الحصول على أي فائدة أو ميزة غير مشروعة•



6- الاختلاس•



7- استغلال المنصب•



8 - الرشوة•



9- العمل أو التصرف بقصد التأثير على القضاء أو أي هيئة خولها القانون اختصاصات قضائية•



10- التدخل في العمليات الانتخابية بقصد التأثير في نتائجها•







ثانياً: توجيه الاتهام أو التوقيف:



- اتهام رئيس الجمهورية:



يتم اتهام رئيس الجمهورية بالجرائم السابقة من قبل مجلس النواب وذلك بناء على طلب يقدم من نصف أعضائه إلى رئيس المجلس مشفوعاً بأدلة تؤيد الاتهام• وتقوم هيئة رئاسة المجلس بعرض الموضوع على المجلس للبت فيه بصفة مستعجلة ثم يتولى المجلس تشكيل لجنة خاصة مؤقتة مكونة من خمسة أعضاء، بالإضافة إلى لجنة الشؤون القانونية، وذلك لتتولى فحص وتقييم أدلة طلب الاتهام وتقديمها إلى المجلس خلال أسبوع من تاريخ إحالة طلب الاتهام•



ويحال قرار الاتهام إلى المحكمة المختصة بموافقة ثلثي أعضاء المجلس(32)•



- توقيف رئيس الوزراء أو نوابه أو الوزراء أو نوابهم وإحالتهم للتحقيق:



وذلك بناءً على قرار من رئيس الجمهورية أو اقتراح من خمس أعضاء مجلس النواب، وموافقة ثلثي أعضائه، ويبلغ من توجه ضده التهمة بنسخة من القرار ويحال عن طريق النائب العام للمثول أمام المحكمة المختصة خلال أسبوع أو أسبوعين إذا كان خارج الوطن•



كما تتولى النيابة العامة إعلان المتهم بإحالته إلى المحكمة والموعد والمكان التي ستنعقد فيه المحكمة والمواعيد(33)•



ثالثاً: المحاكمة والعقوبات:



تتولى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا محاكمة المتهمين من شاغلي الوظائف العليا وتصدر أحكامها بأغلبية الثلثين، ويقوم بوظيفة الاتهام أمامها ثلاثة من أعضاء مجلس النواب من ذوي التخصصات الشرعية والقانونية، ويجوز أن يعاونهم أحد أعضاء النيابة العامة•



ويكون حكم المحكمة نهائياً وغير قابل للطعن فيه، ويحق قبول الالتماس من المحكوم عليه بالإدانة مع مراعاة ما ورد في قانون الإجراءات الجزائية، وتصدر المحكمة حكمها بالعقوبة وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين النافذة(34)•







المطلب الثاني: مجالات الرقابة الدستورية في اليمن



تعد كل من رقابة دستورية القوانين والفصل في الطعون الانتخابية والاستفتاء ومحاكمة المتهمين من شاغلي الوظائف العليا، مجالات اختصاص القضاء الدستوري اليمني•



وقد أصدرت الدائرة الدستورية مجموعة من الأحكام والقرارات في ما يتعلق برقابة دستورية القوانين، وكذلك الفصل في الطعون الانتخابية، ويمكن من خلال تلك الأحكام التعرف على مجموعة من المبادئ والاجتهادات القضائية للمحكمة في مجالات القضاء الدستوري•







الفرع الأول: رقابة دستورية القوانين



على اعتبار أن الرقابة القضائية تعد أرقى أنواع الرقابة على دستورية القوانين، وأنها أهم الضمانات للحفاظ على الحقوق والحريات العامة، فإن المشرع اليمني قد اخذ بهذا النوع من الرقابة وهو ما يلاحظ من خلال النصوص الدستورية والقانونية ذات العلاقة بموضوع الرقابة•



وقد وردت أحكام هذه الرقابة بصورة مجملة، ولم تفصّل إجراءات الدعوى الدستورية من حيث رفع الدعوى، والإجراءات وحجية الحكم الدستوري•



أ- رفع الدعوى الدستورية:



يفهم من النصوص الدستورية أو القانونية، خصوصاً نص المادة (153) من الدستور، والمادة (19) من قانون السلطة القضائية، أن الدعوى الدستورية ترفع بطريق الدعوى المباشرة أو بطريق الدفع•



- فرفع الدعوى الدستورية بطريق الدفع لا يكون إلا بمناسبة دعوى عادية مدنية أو تجارية أو أحوال شخصية تكون مرفوعة أمام المحكمة العادية•



فإذا تبين للمدعى عليه أن المدعي يطلب من المحكمة تطبيق نص قانوني على النزاع يخالف الدستور أي يحاكم بنص غير دستوري، فيدفع أمام المحكمة الابتدائية بعدم دستورية النص القانوني، وحينئذ ليس أمام المحكمة غير وقف نظر القضية إذا رأت جدية الدفع ورفع أوراق القضية وعريضة الدفع إلى الدائرة الدستورية•



معنى ذلك أن الدعوى الدستورية لا يرفعها إلا الشخص الذي يلحقه ضرر شخصي من تطبيق النص القانوني المخالف للدستور(35)•



- لكن النصوص الدستورية والقانونية أجازت رفع الدعوى بعدم الدستورية للمحكمة العليا مباشرة، أي كما ينص القانون بطريق >الدعوى المبتدئة<، وهذا معناه أنه لا يشترط لقبول الدعوى الدستورية >أن يكون للمدعي فيها مصلحة<، وإنما يكفي أن يكون قد رفع الدعوى لمجرد أن القانون يخالف الدستور، فلا يشترط هنا أن ترفع الدعوى الدستورية بمناسبة نزاع بين شخصين مطروح على المحكمة العادية•



ومعنى ذلك أن رفع الدعوى الدستورية في النظام الدستوري اليمني من حق جميع المواطنين، فمن حق أي مواطن تقديم هذه الدعوى ولو لم يكن له مصلحة شخصية فيها، وإنما لمجرد أن في رفع الدعوى مصلحة عامة، هي الدفاع عن المشروعية الدستورية، وحماية سمو الدستور على سائر القوانين أو التزام جميع سلطات الدولة بأحكام الدستور•



وقد أيدت هذا الاتجاه الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في حكمها الصادر في الدعوى الدستورية رقم (1) لسنة 1422هـ الموافق 2/10/2001م (36)•



ب- شروط قبول الدعوى الدستورية:



لقد اعتبرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا أن الدعوى الدستورية خصومة كغيرها من الخصومات، والتي لا تقوم إلا مع توافر أركانها وتكامل أشراطها•



أما الأركان فهي: المدعي، المدعى عليه، والمدعى فيه•



وأما الاشتراطات فهي: ما رتبها قانون المرافعات لقبول الدعوى، كالصفة والمصلحة، والرسم القضائي، وما يسري على سائر الدعاوى•



كما يسري عليها من حيث التخصيص شرطان:



الأول: شرط صدور القانون المدعى بعدم دستوريته في الجريدة الرسمية•



والآخر: شرط الكفالة، حيث ارتأت الدائرة الدستورية أن يكون مبلغ الكفالة مقداره مائة ألف ريال(37)•



ونظراً لأن المحكمة العليا تعد محكمة موضوع في القضايا الدستورية، فيتعين عليها الالتزام بكافة القواعد والإجراءات الخاصة بالجلسات والأحكام طبقاً للقانون•



ج- أطراف الدعوى:



إذا كانت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا قد كرست المبدأ الذي يقضي بحق أي مواطن في رفع الدعوى الدستورية واعتباره مدعياً فإن المدعى عليهم في دعوى الرقابة على دستورية القوانين هم:



- رئيس الجمهورية•



- رئيس مجلس الوزراء•



- الوزير صاحب العلاقة بالقانون محل الطعن•



ويمثلهم وزارة الشؤون القانونية باعتبارها الممثل القانوني للدولة وكافة شخصياتها الاعتبارية العامة، في ما يرفع منها أو عليها من قضايا بموجب القانون رقم (30) لسنة 1996م•



د- حجية الحكم الدستوري:



لا يوجد قانون خاص ينظم حجية الحكم الدستوري، ومن ثم يخضع الأمر في ذلك لقانون المرافعات وأحكامه الخاصة بحجية الأحكام•



والقاعدة المستقرة في كثير من الأنظمة العالمية للرقابة الدستورية أن الحكم الصادر في الدعوى الدستورية ملزم لجميع سلطات الدعوى بما في ذلك القضاء، والسلطة التشريعية•



ومادام له حجية على السلطة التشريعية، فإن ذلك يفرض عليها أن تعيد النظر في القانون الذي حُكم بعدم دستوريته، وتعدله بما يتفق مع الدستور، كما يجب على سائر محاكم الجمهورية عدم تطبيق القانون المذكور•



هـ- أهم المبادئ التي كرسها القضاء الدستوري في مجال الرقابة الدستورية:



من خلال دراسة وتحليل الأحكام الدستورية الصادرة عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، يمكن استخلاص أهم المبادئ التي أكدت عليها، ومنها:



1- إعطاء الحق في رفع الدعوى الدستورية لكل مواطن دون اشتراط توفر المصلحة الشخصية لرافع الدعوى(38)•



2- ميزت الدائرة الدستورية بين الرسوم التي تدخل في خزينة الدولة (الضرائب العامة والرسوم العامة) وتلك الرسوم التي لا تدخل خزينة الدولة، وإنما تؤول مباشرة للمرافق الخدمية؛ فإذا كانت الأولى تخضع لنص دستوري، حيث لا يمكن إنشاؤها وتعديلها وإلغاؤها إلا بقانون، فإن النوع الآخر من الرسوم الخدمية (رسوم النظافة وتحسين المدن) يمكن إنشاؤه وتعديله وإلغاؤه من قبل رئيس الوزراء، ولا يشكل ذلك تعدياً على ولاية مجلس النواب(39)•







الفرع الثاني: الفصل في الطعون الانتخابية وبصحة عضوية أعضاء مجلس النواب



سبق ان تطرقنا إلى القانون الذي ينظم عملية الفصل في الطعون الانتخابية وبصحة عضوية أعضاء مجلس النواب، والذي ينظم عملية تقديم الطعن وصدور الأحكام الدستورية، فالدائرة الدستورية بالمحكمة العليا تختص في الفصل في الطعون الانتخابية، سواءً في الانتخابات النيابية، أو الرئاسية، أو المحلية، ويتمتع قرارها في ذلك بالحجية على جميع السلطات التشريعية والقضائية•



أما بالنسبة للطعن المقدم في صحة عضوية أحد أعضاء مجلس النواب، فإن دور الدائرة الدستورية يكمن فقط في التحقيق وإبداء الرأي للمجلس•



وهنا يمكن إيراد بعض القواعد القضائية التي كرسها القضاء الدستوري في الطعون الانتخابية وذلك على النحو التالي(40):



القاعدة الأولى:



إذا كان الفارق بين الطاعن والمطعون ضده في الأصوات يفوق الأصوات التي يزعم الطاعن أن المطعون ضده قد حصل عليها بدون وجه حق… فإن ذلك لا يؤثر على إعلان نتيجة الفرز، كما أنه يدل على عدم وجاهة الطعن (تطبيقات هذه القاعدة في قرارات المحكمة العليا في الطعون الانتخابية المقيدة بأمانة سر الدائرة الدستورية برقم 1، 6، 16 لسنة 1997م)•



القاعدة الثانية:



توقيع الطاعن أو مندوبه على محاضر الاطلاع والفرز دليل على صحة إجراءات الاقتراع والفرز، ولذلك يكون الطعن غير مقبول (قرارات المحكمة العليا في الطعون رقم 21، 28، 32 لسنة 1997م)•



القاعدة الثالثة:



الطعن الانتخابي دعوى، ولذلك فالمخالفات التي يذكرها الطاعن في طعنه تحتاج إلى أدلة لإثباتها، فإذا لم يرفق الطاعن بطعنه الأدلة التي تثبت وقوع المخالفات المدعى بها، فإن هذا الطعن يكون غير مقبول، كذلك يكون الطعن غير مقبول إذا أرفق الطاعن بطعنه محررات عرفية لا تنهض في مواجهة محاضر وتقارير لجان ادارة الانتخابات التي تعد محررات رسمية•



فإذا ما أراد الطاعن أن تكون لمستنداته حجية المحررات الرسمية، فعليه أن يعمدها لدى الجهات الرسمية (قرارات المحكمة العليا في الطعون رقم 12، 23، 9 لسنة 1997م)•



القاعدة الرابعة:



عدم ذكر الحادث الذي ادعى الطاعن بحدوثه في تقارير اللجان الانتخابية يدل على عدم حدوثه أصلاً، وإلا لذكرته اللجان الانتخابية في تقاريرها ومحاضرها لاسيما إذا كان هذا الحادث هاماً وبارزاً، فلو حدث فعلاً ما يسيء إلى عملية الاقتراع والفرز لما أغفلته اللجان في تقاريرها•



أما صور المستندات التي أرفقها الطاعن بطعنه فليست كافية لتكوين قناعة المحكمة بالحكم (قرارا المحكمة العليا برقم 33، 27 لسنة 1997م)•



القاعدة الخامسة:



عدم ذكر الطاعن أسماء الأشخاص الذين أدلوا بأصواتهم خلافاً للقانون يجعل طعنه مجهولاً، وتبعاً لذلك يكون هذا الطعن غير مقبول (قرار المحكمة العليا برقم 36 لسنة 1997م)•



القاعدة السادسة:



إذا زعم الطاعن في طعنه أنه حدثت مخالفات للقانون عند تنفيذ عملية الاقتراع أو الفرز فعلى الطاعن في هذه الحالة أن يبين النص أو النصوص التي تم مخالفتها، وإلا فإن طعنه يكون غير مقبول لجهالته، لأن عدم ذكر الطاعن للنصوص التي يزعم مخالفتها يدل على أنه لم يرجع إلى قانون الانتخابات (القرار رقم 8 لسنة 1997)•



القاعدة السابعة:



تقارير ومحاضر لجان إدارة الانتخاب محررات رسمية ولها الحجة القانونية في إثبات الوقائع الواردة طيها، لاسيما وهي موقعة من قبل رؤساء وأعضاء اللجان، ومختومة بالأختام الرسمية، (القرار رقم 6 لسنة 1997م)•



القاعدة الثامنة:



الطعن في عدم توافر السن القانونية لبعض الناخبين المقيدين بجداول الناخبين، فإذا ما ذكر الطاعن ذلك في طعنه بإجراءات الاقتراع والفرز، فإن طعنه يكون غير مقبول، لأن من شروط قبول الطعن أن يكون متعلقاً في إجراءات الاقتراع والفرز، والقول بأن بعض المقترعين لم يبلغوا السن القانونية ليس من إجراءات الاقتراع… فوقت الطعن بجداول الناخبين يكون في الميعاد المحدد قانوناً للطعن بجدول الناخبين عقب إعداد جداول الناخبين، أو تصحيحها وتعديلها، وليس عند الاقتراع (القرار رقم 10 لسنة 1997م)•



القاعدة التاسعة:



إذا لم يرفق الطاعن بطعنه سند دفع مبلغ الضمان وهو خمسون ألف ريال فإن طعنه يكون غير مقبول (القرار رقم 9 لسنة 1997م)•



القاعدة العاشرة:



تبدأ مدة الطعن لإجراءات الاقتراع والفرز من ساعة إعلان النتيجة في الدائرة، وإذا كان اليوم التالي لإعلان النتيجة عطلة رسمية أو جمعة فإن ساعات هذا اليوم لا تحتسب من مدة الطعن، حيث قررت الدائرة الدستورية في يوم 15/5/1997م بأنه >معلوم أن يوم الخميس الموافق 1/5/1997م كان يوم عطلة رسمية وهو يوم عيد العمال< والقانون صريح بهذا الخصوص، حيث نص قانون المرافعات بالنسبة للمواعيد أن يبدأ الحق في الطعن اليوم التالي للإجازة، وبما أنه كان يوم جمعة وهي عطلة رسمية، فمن حق الطاعن تقديم طعنه بعد العطلة الرسمية (القرار رقم 35 لسنة 1997م)•



القاعدة الحادية عشرة:



شكاوى وتظلمات الطاعن إلى الجهات الرسمية بشأن إجراءات الاقتراع والفرز التي يزعم الطاعن انها مخالفة للقانون، لا تعد دليلاً يُعتد به أمام الدائرة الدستورية، لأنه لا يجوز للإنسان أن يشهد لنفسه، (القرار رقم 27 لسنة 1997م)•



كما تجدر الإشارة إلى أن الدائرة الدستورية قد أصدرت مجموعة من الأحكام في ما يتعلق برقابة دستورية القوانين وكذلك في الطعون الواردة إليها بشأن الانتخابات العامة والاستفتاء، إلا أنها وإلى الآن لم تصدر أي حكم يتعلق باتهام شاغلي الوظائف العليا للدولة•



والله الموفق•••











هــــوامـــش:



(1) د• محمد ضريف، القانون الدستوري، منشورات المجلة الغربية لعلم الاجتماع السياسي، دار الاعتصام، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1998م، ص199•



(2) د• أمحمد مالكي، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، كلية الحقوق، مراكش، ص453•



(3) د• محمد معتصم، مختصر النظرية العامة للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، منشورات أيزيس، المغرب، ص73-74•



(4) د• محمد ضريف، القانون الدستوري، مرجع سابق، ص79.•



(5) نفس المرجع السابق، ص83•



(6) نفس المرجع، ص205•



(7) د• صلاح الدين فوزي، المجلس الدستوري الفرنسي، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1992م، ص28-38•



(8) د• محمد ضريف، مرجع سابق، ص209•



(9) د• نعمان أحمد الخطيب، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، مكتبة دار الثقافة، عمان، 1999م، ص551•



(10) يقصد بمركزية الرقابة أن يعهد بالرقابة إلى محكمة واحدة قد تكون هذه المحكمة العليا في النظام القضائي العادي، وقد تكون محكمة دستورية متخصصة، أما لامركزية الرقابة فتعني أن يعهد بالرقابة على دستورية القوانين إلى جميع المحاكم في الدولة، انظر: د• نعمان الخطيب، مرجع سابق، ص557•



(11) www.mkab.hu/comference/okury/olaszuny.htm-65k



(12) المحكمة العليا هي المحكمة التي أنشأها المشرع المصري بمقتضى القانون رقم 81 لسنة 1969م لتتولى رقابة دستورية القوانين واختصاصات أخرى• وقد ألغيت هذه المحكمة عقب صدور دستور 1971م وقانون المحكمة الدستورية العليا رقم 48 لسنة 1979م، انظر: د• نعمان الخطيب، مرجع سابق، ص56•



(13) المادة (25) من قانون المحكمة الدستورية العليا•



(14) المادة (26) والمادة (175) من القانون نفسه•



(15) المادة (3) من قانون المحكمة الدستورية العليا•



(16) المادة (3) من القانون نفسه•



(17) المادة (78) من دستور جمهورية مصر العربية، والمادة (49) من قانون المحكمة الدستورية العليا•



(18) د• نعمان الخطيب، المرجع السابق، ص563•



(19) نفس المرجع ونفس الصفحة•



(20 ويذهب بعض الفقهاء الدستوريين إلى أنه لا يجوز للمحكمة أن تتعرض لأمر دستورية قانون معين من تلقاء نفسها، بل لابد من إثارة مثل هذا الدفع من قبل أحد الخصوم، انظر: د• نعمان الخطيب، ص564•



(21) ماربوري Marbury وهو قاض أمريكي رفع دعوى على المحكمة العليا ضد ماديسون Madison وهو وزير، يطلب فيها إصدار امر قضائي على ماديسون يقضي بتسليمه قرار تعيينه قاضياً والذي اصدره مجلس الشيوخ وصدق عليه رئيس الدولة في ظل قانون النظام القضائي الذي أصدرها الاتحاديثون عام 1801م، انظر: د• نعمان الخطيب•



(22) انظر د• نعمان الخطيب، مرجع سابق، ص571•



(23) د• نعمان الخطيب، مرجع سابق، ص575•



(24) يقصد بالقانون العام هنا مجموعة القواعد والمبادئ التي تقررها المحاكم من حين لآخر، وهو نظام يتميز به النظام القانوني الانجلوسكسوني الأمريكي القائم على العرف والمبادئ التي يقررها القضاء، لذا فهو بهذا المعنى يختلف تماماً عن النظام اللاتيني أو الفرنسي القائم على القانون المكتوب، أما نظام العدالة فقد برز ايضا في انجلترا وانتشر في الانظمة التي تأثرت بها، وفي الولايات المتحدة ولكن بنطاق محدود، وهو نظام يقوم على سد ما يعتري نظام القانون العام من نقص بما يستخلصه من مبادئ القانون الطبيعي والشعور الاجتماعي والضمير العام•



(25) د• محمد ضريف، القانون الدستوري، مرجع سابق، ص215•



(26) الدستور الدائم لعام 1970، للجمهورية العربية اليمنية، المادة (155)•



(27) المادتان (157) (158) من الدستور نفسه•



(28) دستور الجمهورية اليمنية، ابريل 2001م، المادة (153)•



(29) قانون السلطة القضائية رقم (1) لعام 1990م•



(30) قانون الانتخابات العامة والاستفتاء رقم (13) لعام 2001م المواد (112) (113) (115) (116)•



(31) قانون الانتخابات والاستفتاء، المواد (120) (121) (123) (124)•



(32) قانون رقم (6) لسنة 1995م بشأن إجراءات اتهام ومحاكمة شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا في الدولة، المواد (5، 6، 7، 8، 9)•



(33) نفس المرجع، المواد (10، 11، 18)•



(34) نفس المرجع ، المادتان (19-28)•



(35) انظر: أ• د• احمد الوادعي المحامي، مجلة القسطاس، العدد 42، ص25•



(36) الجريدة الرسمية، وزارة الشؤون القانونية، العدد 19، الجزء الأول، ص107، 108، 109 (حكم الدائرة الدستورية)•



(37) المصدر السابق، ص95-96•



(38) الجريدة الرسمية، مرجع سابق، ص108-109•



(39) مجلة المحاماة، العدد 1، حكم الدائرة الدستورية رقم 4، بتاريخ 22/1/2003م، ص40•



(40) انظر: د• عبدالمؤمن شجاع الدين، عضو اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء، رئيس قطاع الشؤون القانونية والافتاء، جريدة القضائية، تصدر عن وزارة العدل، العدد 40، انظر كذلك: كتاب الوقائع الدستورية لانتخابات مجلس النواب 1997م، وزارة الشؤون القانونية•







قائمة المراجع:



1- الكتب:



1- د• أمحمد مالكي، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، كلية الحقوق، مراكش، المغرب•



2- د• صلاح الدين فوزي، المجلس الدستوري الفرنسي، دار النهضة العربية، القاهرة، طبعة 1992م•



3- كتاب القسطاس، الحماية القضائية لحقوق الانسان في اليمن >ندوات< -سلسلة يصدرها برنامج الثقافة القانونية بملتقى المجتمع المدني•



4- كتاب الوقائع الدستورية لانتخابات مجلس النواب 1997م•



5- د• محمد احمد علي المخلافي، احترام فكرة القضاء الحديث في الوطن العربي، مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان•



6- د• محمد ضريف، القانون الدستوري، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماعي السياسي، دار الاعتصام، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1998م•



7- د• محمد معتصم، مختصر النظرية العامة للقانون الدستوري والمؤسسات السياسية، منشورات إيزيس، المغرب•



8- د• نعمان احمد الخطيب، الوسيط في النظم السياسية والقانون الدستوري، مكتبة دار الثقافة، عمان 1999م•



9- عز الدين الدناصوري وعبد الحميد الشواربي، الدعوى الدستورية، منشأة المعارف، الاسكندرية 2002م•



10- محمد راشد عبد المولى، تطور التشريع والقضاء في الجمهورية اليمنية، مكتبة خالد بن الوليد، صنعاء، الطبعة الثانية 2002م•



11- هنري روسيون، المجلس الدستوري، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2001م•







2-الوثائق الرسمية:



- الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية لعام 1970م•



- دساتير الجمهورية اليمنية 1990م، 1994م، 2001م•



- قانون الانتخابات والاستفتاء اليمني رقم 13 لسنة 2001م•



- قانون رقم (1) لسنة 1990بشأن السلطة القضائية•



- قانون رقم (40) لسنة 2002م بشأن المرافعات والتنفيذ المدني•



- قانون رقم (18) لسنة 1993م بإصدار اللائحة الداخلية لمجلس النواب•



- قانون رقم (6) لسنة 1991م بشأن إجراءات اتهام ومحاكمة شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا في الدولة•







3-المجلات والجرائد:



- الجريدة الرسمية، وزارة الشؤون القانونية، العدد التاسع عشر، الجزء الأول•



- مجلة القسطاس، العدد 42.



- مجلة المحاماة، العدد 1•



4-مواقع الانترنت:



www.mkab.hu/comference/okury/olaszuny.htm-65k